icon
التغطية الحية

قشور المكسرات.. وقود الفقراء يتحول إلى عبء جديد مع اشتداد الصقيع في إدلب

2026.01.07 | 07:07 دمشق

من بديل رخيص إلى سلعة باهظة.. كيف خرجت قشور المكسرات عن متناول فقراء إدلب؟
من بديل رخيص إلى سلعة باهظة.. كيف خرجت قشور المكسرات عن متناول فقراء إدلب؟
إدلب ـ عبد الغني العريان
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يواجه سكان إدلب وريف حماة وحلب صعوبة في تأمين وسائل تدفئة ميسورة التكلفة، حيث ارتفعت أسعار قشور المكسرات، البديل الشائع للمازوت والحطب، مما زاد العبء على الأسر ذات الدخل المحدود.

- تجاوز سعر برميل المازوت 160 دولارًا، وسعر طن الحطب بين 260 و310 دولارات، مما يحد من الخيارات المتاحة للعائلات، في ظل غياب جهة رقابية فعالة لضبط الأسعار.

- يبرر التجار ارتفاع الأسعار بزيادة الطلب وضعف المحاصيل، بينما تحاول مديرية التجارة ضبط السوق رغم التحديات المرتبطة بغياب تسعير مركزي.

مع اشتداد موجة البرد التي ضربت محافظة إدلب وأجزاء من ريفي حماة وحلب خلال الأيام الماضية، بدت الشوارع مع ساعات المساء أقل حركة، في حين يتصاعد الدخان من مدافئ بدائية تعتمد على مواد بديلة عن المازوت والحطب.

في المخيمات والقرى الريفية، لا يبحث السكان عن الدفء بقدر ما يبحثون عن وسيلة أقل كلفة تقيهم قسوة الصقيع، إلا أن ارتفاع أسعار قشور المكسرات المستخدمة في التدفئة حول هذا البديل إلى عبء إضافي يثقل كاهل آلاف العائلات.

خلال أيام قليلة، قفز سعر طن قشور المكسرات، وعلى رأسها قشر الفستق والبندق واللوز، من 270 دولارا إلى ما بين 310 و330 دولارا، في وقت لا تزال فيه مصادر التدفئة الأخرى بعيدة عن متناول معظم السكان، وسط غياب تسعيرة رسمية واضحة وضبط محدود للسوق.

ويرصد أهالي إدلب ارتفاع أسعار قشور المكسرات مع كل موجة برد تشهدها المنطقة، إلا أن الزيادة الأخيرة بدت أكثر حدة من سابقاتها.

ويقول سكان من محافظة إدلب لموقع تلفزيون سوريا إن سعر الطن كان في مطلع العام الماضي لا يتجاوز 220 دولارا، قبل أن يبدأ بالارتفاع التدريجي مع اقتراب فصل الشتاء، وصولا إلى مستويات قياسية خلال الأيام الأخيرة.

ويأتي هذا الارتفاع بالتزامن مع انخفاض كبير في درجات الحرارة وتساقط الثلوج وموجة صقيع في عدد من المناطق، ما أدى إلى زيادة الطلب على وسائل التدفئة البديلة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام الأهالي، وارتفاع أسعار الحطب والمازوت والفحم الحجري.

بدائل الفقراء 

وتعتمد شريحة واسعة من سكان إدلب، لا سيما في المخيمات والمناطق الريفية، على قشور المكسرات بوصفها بديلا أقل كلفة مقارنة بالمازوت والحطب.

ومع تجاوز سعر برميل المازوت الواحد 160 دولارا، وبلوغ سعر طن الحطب ما بين 260 و310 دولارات، لم تعد هذه الخيارات ممكنة بالنسبة لعائلات بالكاد تؤمن احتياجاتها الأساسية.

ورغم أن قشور المكسرات كانت تعد سابقا ملاذا أخيرا للتدفئة، فإن ارتفاع أسعارها الأخير أفقدها هذا الدور، وجعل تأمين الدفء اليومي تحديا حقيقيا، خاصة لدى الأسر التي تعتمد على الدخل اليومي المحدود.

يقول أحمد باجو، وهو من مدينة سلقين شمال غربي إدلب، في حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا، إن ارتفاع الأسعار جاء من دون أي مبرر واضح.

ويضيف باجو: "كنا نشتري طن القشور بسعر يقارب 270 دولارا، وخلال أيام قليلة فقط ارتفع السعر إلى أكثر من 320 دولارا، البرد اشتد فجأة، ولا نملك بديلا آخر، فنحن مجبرون على الشراء مهما كان السعر".

ويتابع باجو أن معظم العائلات باتت تشتري كميات صغيرة تكفي ليوم أو يومين فقط، مشيرا إلى أن "التدفئة لم تعد مونة شتوية، بل أصبحت عبئا يوميا يرافق العائلة من الصباح حتى المساء".

ويتم تسويق قشور المكسرات في إدلب عبر تجار محليين يعتمدون على التخزين المسبق، حيث ترتفع الأسعار مع زيادة الطلب في فصل الشتاء، لا سيما خلال موجات الصقيع.

ولا توجد تسعيرة رسمية لهذه المادة، إذ تخضع للبيع الحر، ما يفتح الباب أمام تفاوت كبير في الأسعار بين تاجر وآخر، ويجعل السوق عرضة للاحتكار والاستغلال.

ويشير باجو إلى أن غياب جهة رقابية فاعلة تضبط آلية التسعير، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية، يضع المستهلك في موقع أضعف، ويمنح التجار هامشا واسعا لفرض الأسعار التي يرونها مناسبة.

الارتفاع مرتبط بالتكاليف 

من جهته، يبرر أبو خالد المصطفى، وهو تاجر مواد تدفئة في ريف إدلب، ارتفاع الأسعار بعوامل خارجة عن إرادة التجار المحليين.

ويقول لـ موقع تلفزيون سوريا: "معظم قشور المكسرات تأتي من تركيا وجورجيا، وقد ارتفعت أسعارها هناك بسبب زيادة الطلب وضعف بعض المحاصيل، إضافة إلى تكاليف النقل والشحن والرسوم الجمركية".

ويضيف أن "أجور العمال وارتفاع سعر المازوت المستخدم في النقل ينعكسان مباشرة على السعر النهائي"، مشيرا إلى وجود فروقات في الجودة بين الأنواع المتداولة، ما يؤدي إلى تفاوت الأسعار بين الوسط والممتاز.

وإلى جانب قشور المكسرات، شهدت بقية مواد التدفئة ارتفاعا ملحوظا، إذ تراوح سعر طن الفحم بين 175 و235 دولارا، في حين بقي سعر لتر المازوت عند حدود 32 ليرة تركية، ما يجعله خيارا مكلفا لمعظم الأسر.

وتشير هذه الأرقام إلى واقع معيشي ضاغط، يحرم شريحة واسعة من السكان من أحد أبسط مقومات الحياة في فصل الشتاء.

ويرى متابعون أن ارتفاع تكاليف التدفئة لم يعد مجرد مسألة موسمية، بل أصبح جزءا من أزمة معيشية أوسع، تتداخل فيها عوامل الفقر وضعف الدخل وغياب الاستقرار الاقتصادي.

غياب الرقابة

في هذا السياق، قال معاون مدير مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك، أسامة الكل، في تصريح خاص لـ موقع تلفزيون سوريا، إن قشور المكسرات المستخدمة في التدفئة لا تخضع لتسعيرة رسمية محددة.

وأوضح أن المديرية سجلت عددا من المخالفات خلال الفترة الأخيرة، تتعلق بعدم إعلان الأسعار وعدم حيازة الفواتير، مؤكدا تشديد الرقابة على ضرورة الإعلان الواضح عن الأسعار، وإلزام باعة المفرق والمستوردين بمنح الفواتير، إضافة إلى ضبط حالات الغش المرتبطة بالنوعية.

وأشار الكل إلى أن المديرية تتابع واقع السوق في ظل موجة البرد الحالية، وتسعى للحد من التجاوزات قدر الإمكان، رغم التحديات المرتبطة بطبيعة هذه المواد وغياب تسعير مركزي لها.

ومع استمرار موجات البرد، يجد سكان إدلب أنفسهم أمام معادلة صعبة: الحاجة الملحة للتدفئة من جهة، وارتفاع الأسعار وضعف الدخل من جهة أخرى.

وفي ظل غياب حلول جذرية أو بدائل مدعومة، تبقى آلاف العائلات رهينة تقلبات السوق والطقس معا، في حين يتحول الشتاء إلى موسم إضافي من المعاناة اليومية.

وبين مواطن لا يملك خيارا سوى الشراء مهما ارتفع السعر، وتاجر يبرر الزيادة بتكاليف الاستيراد والنقل، تبقى الأزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد، ما لم تترافق موجات البرد القادمة بإجراءات تخفف العبء عن السكان، وتحمي حقهم في الدفء كأحد أبسط حقوق الحياة.