قسد.. وماذا بعد؟!

2026.01.21 | 01:38 دمشق

آخر تحديث: 21.01.2026 | 01:38 دمشق

62
+A
حجم الخط
-A

حقيقةً، تُعتبر الأحداث الدامية الأخيرة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ضمن مدينة حلب، والجرائم الوحشية التي ارتكبتها ميليشيات «قسد»، والتي أدّت إلى استشهاد أكثر من «25» مدنياً، بينهم نساء وأطفال، وجرح أكثر من «150» آخرين، جراح العديد منهم خطرة، ناهيك عن قصفها الإرهابي الهمجي الممنهج للعديد من أحياء المدينة، والمراكز السيادية والخدمية والطبية فيها، بواسطة المدفعية والهاونات والطائرات المسيّرة الانتحارية، أحداثاً خطيرة هددت أمن واستقرار أكثر من أربعة ملايين من السكان، وأجبرت عشرات الآلاف منهم على النزوح القاسي والمحزن في هذا الشتاء البارد القارس.

القشّة التي قصمت ظهر قسد؟!

في الواقع، لم تعلم قيادات «قسد» أن هذه الأحداث الدامية، والجرائم التي ارتكبتها بحق شعبنا في حلب، ستكون حكماً وحتمًا بمثابة «القشّة» التي ستقصم ظهورهم، وتنهي وجودهم في هذه الأحياء، بل وما بعدها، وأن ما بعد «الشيخ مقصود» و«الأشرفية» لن يكون مطلقاً كما قبلها، وفقاً لكافة الاعتبارات والمقاييس الميدانية والعسكرية والسياسية والتفاوضية.

لقد اتخذت الدولة السورية، ومن خلفها الشعب السوري، قراراً لا رجعة عنه، يتمثل بالإصرار على إزالة هذا الورم السرطاني الخبيث بعلاج ناجع: «آخر الدواء الكي»، بعد أن ملّ الصبر من صبر دمشق على «قسد» وإجرامها وتعنتها ومماطلتها لأكثر من «9» أشهر لتنفيذ مخرجات اتفاقية العاشر من آذار «2025»، والاندماج الحقيقي لمؤسساتها المدنية والعسكرية في الدولة السورية.

حقيقة الأمر أن منظّري وقيادات «قسد» قد أخطؤوا كثيراً في حساباتهم وتقديراتهم للمواقف، حين جال في خواطرهم وتفسيراتهم الضيقة أن صبر الدولة السورية عليهم طوال هذه الفترات، وحرصها الشديد على الوصول إلى حلول سلمية تحقن الدم السوري من كافة الأطراف، هو تهاون وضعف، وعدم قدرة على اتخاذ قرار يحسم الأمر ميدانياً وعسكرياً على الأرض.

ما بعد الشيخ مقصود.. والتفاوض تحت النار

من خلال متابعتي للانضباطية، والروح المعنوية العالية، والتحرك الميداني الاحترافي اللافت، والمناورات السريعة للجيش العربي السوري، والقدرة على تعزيز وتغذية جهود أنساق الهجوم خلال سير المعارك، وفتح العديد من جبهات ومحاور القتال (ريف حلب الشرقي: دير حافر ومسكنة، ومحاور نبع السلام: تل أبيض ورأس العين، وجبهة أثريا – الرقة، وجبهات ومحاور الطبقة والرقة ودير الزور والحسكة)، أستطيع القول إن التحضير والتخطيط والإعداد والخطط وبنك الأهداف لم تكن اعتباطية أو متسرعة أو وليدة أيام قليلة، بل هي خطط عملياتية موضوعة مسبقاً وجاهزة للتنفيذ.

وقد فُرضت معادلة واضحة مفادها انتهاء المهل، وأن «التفاوض مع قسد سيكون تحت النار»، وعليه كان الأمر كله رهناً بانتظار أوامر القيادة العليا لتحديد ساعة الصفر، وانطلاق عمليات التحرير الكبيرة الواسعة التي لا نزال نتابع مجرياتها وأحداثها حتى الآن.

هذه العمليات كشفت للقاصي والداني أن ميليشيات «قسد» الإرهابية القنديلية ليست أكثر من وهم وبيت من رمال ذرّته رياح الجيش السوري بسرعة كبيرة، وأن هزائمها العسكرية المتسارعة اليوم ليست إلا امتداداً لسلسلة هزائمها الطويلة أمام الفصائل السورية سابقاً في عفرين، وتل أبيض، ورأس العين، ومنبج، وتل رفعت ومحيطها، وغيرها من المناطق والمعارك.

دور العشائر  في التحرير

لا شك أن العشائر العربية، منذ انطلاق عمليات الجيش العربي السوري الأخيرة، كانت بالفعل، وكما هو معروف عنها، الظهير والسند القوي له، حيث استكملت عشائرنا بدورها جزءاً كبيراً من المهمة باتجاه مدينة الرقة ومحيطها وتحريرهما، وكذلك تكرر الأمر ذاته في أرياف محافظة دير الزور المجاورة، التي كان لعشائرها الدور الأبرز في طرد تنظيم «قسد» بسرعة قياسية من مناطق واسعة فيها.

وهذا يدلّ فعلياً على أن هذه الميليشيات الغريبة عن مجتمعاتنا العربية لم تستطع، طيلة حكمها بالحديد والنار، أن تمتلك أي قاعدة شعبية لها في تلك المناطق، على عكس العشائر التي تملك الأرض والحق والقاعدة الشعبية العريضة.

اتفاق دمشق

بالتأكيد، فإن الظروف والمعطيات الميدانية، والتقهقر الواسع لميليشيات «قسد» أمام زحف الجيش العربي السوري والعشائر العربية، واستطاعتهم السيطرة على أكثر من «20» ألف كيلومتر مربع خلال أقل من «72» ساعة، وحصر هذه الميليشيات ضمن مناطق محدودة في الحسكة ومحيطها، أجبرت قيادات «قسد» على الرضوخ والجنوح إلى توقيع اتفاقية جديدة مع الدولة السورية في دمشق، بوساطة أميركية، وحضور المبعوث الأميركي «توماس باراك».

ولا شك أن مخرجات هذه الاتفاقية تغيّرت كثيراً عن مخرجات «10 آذار»، نتيجة تغيّر الظروف الميدانية والسياسية والتفاوضية، وجاءت أقل بكثير مما كانت تطرحه وتتمسك به من شروط تعجيزية وفوق تفاوضية (فيدرالية، ولامركزية سياسية، وكتلة مسلحة صلبة، وعائدات نفطية، وإدارة المعابر الحدودية… إلخ)، بل وحتى أقل مما كانت ستحصل عليه لو لم تماطل وطبّقت اتفاقية آذار طواعية قبل انطلاق العمليات الأخيرة، إذ إن فرض الشروط على طاولة المفاوضات يكون دائماً للمنتصر، وهذا أمر متعارف عليه في النزاعات المسلحة.

متفرقات حول ارتدادات اتفاقية دمشق على ميليشيات قسد

قال «مظلوم عبدي» إنه قبل اتفاق دمشق حقناً للدماء، ونحن نقول إن الاتفاقية مرحّب بها لدى الدولة والشعب السوري، ولو أنها جاءت متأخرة بعد أن سال الدم السوري طيلة الأشهر التسعة الماضية بسبب تعنّت قسد وعبدي وأجنحة «قنديل» و«إيران»، هذا إن لم نقل طيلة سنوات الثورة.

أما قول عبدي إن الحرب فُرضت عليه، فهنا كل الغرابة؛ فهل كان يعتقد ومن «لفّ لفه» أن تنتظر الدولة السورية لعقود قادمة لتنفيذ اتفاقية آذار، واستعادة سيطرتها على كامل أراضيها، وتحقيق الأمن والاستقرار للشعب السوري بكافة إثنياته وطوائفه، ومنهم الإخوة الأكراد الذين يُعدّون جزءاً أصيلاً منه؟

الدور الأميركي في السيناريو

عملياً، الواقع الميداني والسياسي بعد المعارك الأخيرة للجيش السوري يقول إنه لولا الضوء الأخضر الأميركي لما استطاع الجيش الدخول، وعلى أقل تقدير، إلى شرقي الفرات، حيث وجود وانتشار القواعد الأميركية، ولما اكتفت واشنطن بالمراقبة فقط.

وهذا يعني أن واشنطن بدأت عملياً برفع الغطاء عن الدور الوظيفي الذي كانت تقوم به «قسد» في مكافحة «داعش»، وهو ما يعود – برأيي – إلى سببين:

الأول: التقارب الكبير بين واشنطن (ترامب) والحكم الجديد في سوريا (الشرع)، وانضمام دمشق إلى تحالف مكافحة الإرهاب لتصبح الدولة رقم «90» فيه، والتعامل مع دولة أفضل بألف مرة من التعامل مع ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون، قبلت واشنطن بذلك أم لم تقبل.

الثاني: إرضاء تركيا، حليفتها في الناتو، والتي تعتبر «قسد» ذراعاً إرهابياً سورياً تابعاً لحزب العمال الكردستاني، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تقبل بوجود مسلح قسدي واحد قرب حدودها الجنوبية.

ختاماً

لا شك أن الكرة أصبحت الآن في ملعب «قسد» لتنفيذ اتفاق دمشق الجديد، وهذا – باعتقادي – يعتمد على قدرة مظلوم عبدي على السيطرة على قادة الأجنحة المتشددة القنديلية، وإلا فإن هدر الدم قائم، والمعارك مستمرة.