"قسد" وصفقة النفط.. لعبة معقدة وتداعيات غامضة

تاريخ النشر: 17.09.2020 | 16:28 دمشق

آخر تحديث: 24.09.2020 | 13:12 دمشق

ترجمة وتحرير موقع تلفزيون سوريا

نشر "المعهد الملكي للشؤون الدولية" (تشاتام هاوس)، تقريراً تحدث فيه عن التداعيات المعقدة لصفقة النفط التي أبرمتها "قوات سوريا الديمقراطية - قسد" مع شركة "دلتا كريسنت إنرجي" الأميركية، لتحديث حقول النفط وزيادة الإنتاج في شمال شرقي سوريا.

ويكمن التعقيد، بحسب التقرير، في أن واشنطن، ووفقاً لـ "قانون قيصر"، قررت بحزم منع إمداد نظام الأسد بالنفط، لكن "قوات سوريا الديمقراطية" بحاجة لمنافذ بيع للنفط في الأسواق المجاورة بسرعة، الأمر الذي يضعها في حالة من الفوضى على المستوى المحلي والدولي، إذ إن أي عملية تصدير النفط إلى مناطق النظام ستخضع للعقوبات.

ولجأت "الإدارة الذاتية" إلى عدة إجراءات استباقية استعداداً للعقوبات، من بينها قرار، صدر في 6 حزيران، بمنع بيع محصول القمح في المناطق التي تسيطر عليها إلى النظام.

ورجّح التقرير أن يكون قرار "الإدارة" قد صدر بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية، لخنق النظام وتشديد الحظر، وكذلك للحفاظ على احتياطيات القمح، خوفاً من تفاقم الأزمة الاقتصادية في المنطقة.

واتخذت "الإدارة الذاتية" عدداً من الخطوات للنأي بنفسها عن أي شكل من أشكال التقارب مع النظام، مثل استبدال المناهج التعليمية في مناطق سيطرته، بمنهاج خاص بها.

كما طالب قادة سياسيون رفيعو المستوى في حزب "الاتحاد الديمقراطي"، باستثناءات أميركية لمنع وقوع المناطق التي يسيطر عليها الحزب في فخ العقوبات، وهذا ما بدا جلياً في الإعفاء الذي أصدرته وزارتا الخارجية والخزانة الأميركيتين لاتفاق النفط، الذي من شأنه زيادة إنتاج النفط بنحو 60 ألف برميل يومياً.

ويمكن تحقيق هذا الحجم من الإنتاج من خلال مصفاتي نقل متنقلتين تقدمهما الشركة الأميركية، دون الحاجة إلى بناء مصافٍ دائمة وكبيرة، مما يوفر دخلاً يومياً يبلغ 3 ملايين دولار أميركي، تصب في ميزانية "الإدارة الذاتية"، والتي تبلغ نحو 2.5 مليار دولار، جاء معظمها من عائدات النفط والغاز والقمح.

كما يدعم الاتفاق الاستقلال المالي لـ "الإدارة الذاتية"، وفق ما صرح به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تشرين الأول من العام الماضي، بعد العملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا، بقوله "ربما سنجعل إحدى شركاتنا النفطية الكبرى تدخل، وهذا من شأنه أن يضخ الأموال للأكراد".

لكن طبيعة الاتفاقية، تترك ثغرات عديدة، حيث أبرمت مع الشركة كمستثمر، وليس مع الإدارة الأميركية، نظراً لأن "قوات سوريا الديمقراطية" ليس لها وضع دولي من الناحية القانونية، لذلك فالاتفاقية ليست اعترافاً سياسياً بـ "الإدارة الذاتية"، كما يراها البعض، ولكنها تشبه اتفاقية الأمر الواقع فقط.

ومن وجهة نظر نظام الأسد، الذي دانت خارجيته الاتفاقية، لا تتمتع "قسد" بأي صفة قانونية لتوقيع الاتفاقيات مع أي جهة أجنبية، وعلى الرغم من عدم إعلام مجلس الشعب لدى النظام بأي من الصفقات التي يبرمها الأسد مع روسيا، فإنه وحسب الدستور السوري، فإن السلطة التنفيذية وحدها لها سلطة التوقيع على مثل هذه الاتفاقيات، ويصدّق عليها مجلس الشعب بعد ذلك.

وبينما تحفز هذه الصفقة الوضع الاقتصادي شمال شرقي سوريا، إلا أنها تواجه عقبات عديدة، مثل المعارضة التركية، والتوتر المحتمل في علاقات "قسد" مع كل من روسيا ونظام الأسد، الأمر الذي ينعكس على مناطق "الإدارة الذاتية" بإجراءات مثل عرقلة طرق التجارة أو قطع الكهرباء، وهذا يفسر محاولات "قسد" المتكررة للسيطرة على شركة الكهرباء في الحسكة، لتجنب الوقوع تحت رحمة النظام.

وتحاول "قسد" تخفيف حدة التوتر من خلال كسب روسيا إلى جانبها، من خلال تطوير العلاقات الاقتصادية معها، وبحسب الرئيس المشترك لـ "لإدارة الذاتية"، عبد حامد المهباش، فإن "الإدارة تدرس طلبات الشركات الروسية والأميركية للاستثمار في مجالات خدمية مختلفة في المنطقة، مما يفتح المنطقة أمام استثمارات روسية أوسع".

وفي حال اتخذ نظام الأسد إجراءات عقابية ضد "قسد"، فقد تلجأ "الإدارة الذاتية" أكثر إلى كردستان العراق، لاستيراد المنتجات التي تحتاج إليها أثناء تسويق النفط إلى المنطقة نفسها، وهذا يرفع التكلفة، مما يضع شمال شرقي سوريا تحت سيطرة المنطقة ككل، اقتصادياً وسياسياً.

كما أنه من غير الواضح كيف ستتسلم "الإدارة الذاتية" الأموال مقابل صادرات النفط، حيث لا يوجد لديها نظام مصرفي يمكن من خلاله الحصول على عائدات النفط.

ويمكن القول، إنه ليس لهذا الاتفاق النفطي أي وضع سياسي أو قانوني، لكنه اتفاق أمر واقع ذو بعد عسكري، تمت الوساطة فيه بين الشركة الأميركية، والقائد العام لـ "قوات سوريا الديمقراطية"، مظلوم عبدي، وليس "الإدارة الذاتية" ككيان الخدمة المدنية في المنطقة.

ويمتلئ الاتفاق بالتعقيدات والغموض فيما يتعلق بنتائج وحجم الإيرادات، وانعكاساتها على شمال شرقي سوريا، ويبدو أن أحداً لم يدقق في نص الاتفاق، ووقِّع في حالة من الجمود السياسي في سوريا، مع عدم استقرار القوى الفاعلة على الأرض.

ويبدو أن هذه الاتفاقية ليست مرتبطة عملياً بإلغاء آثار "قانون قيصر"، بل تهدف ببساطة إلى زيادة إنتاج النفط وتعزيز الانقسام الاقتصادي داخل سوريا، لكن عائدات الإنتاج وكيفية إنفاقها لا تزال تترك الإدارة الذاتية تحت رحمة قانون قيصر والوضع السياسي غير المستقر مع حكومة نظام دمشق وروسيا.

 

اقرأ أيضاً: سوريا تخسر مواردها الاقتصادية لصالح الشركات الروسية