أثار القرار المصري الأخير بإلغاء الإعفاءات الممنوحة للسوريين من الغرامات المتعلقة بالتخلف عن الإقامة أو تأخير تجديدها موجة من القلق والاستياء بين اللاجئين السوريين المقيمين في مصر.
فبعد أن كان هناك تمديد للإعفاء خلال الأشهر الماضية، أعلنت الجهات الرسمية أن الغرامات ستحصل بشكل إلزامي عند مغادرة البلاد. القرار، الذي تم تداوله عبر صفحات الجالية السورية ومكاتب السفر، جاء مفاجئا لكثيرين ممن يخططون للعودة إلى سوريا، أو كانوا قد حجزوا الرحلات بالفعل، ليجدوا أنفسهم أمام عقبة مالية جديدة قد تؤجل سفرهم أو تجبرهم على البقاء في وضع قانوني معلق.
بين الرغبة في العودة والعجز عن المغادرة
يعيش في مصر مئات الآلاف من السوريين منذ عام 2012، وتجاوز بعضهم فترة الإقامة القانونية لأسباب تتعلق بتأخر المعاملات أو ارتفاع الرسوم أو تعقيد الإجراءات، ومع القرار الجديد، أصبحت المغادرة تتطلب تسديد الغرامات المتراكمة التي قد تصل إلى آلاف الجنيهات المصرية، على حسب مدة التأخير.
يقول أحمد شاهر، سوري مقيم في مصر، "كنت أنوي أن أعود إلى سوريا في الشتاء استنادا على الإعفاء من الغرامات، ولكن الآن قد تصل لآلاف الجنيهات مما يمنعني من العودة، لا أستطيع إيجاد هذه المبالغ الآن، خاصة في ظل الغلاء وصعوبة إيجاد عمل ثابت".
بالنسبة لكثير من اللاجئين، لم تعد العودة إلى الوطن مرتبطة بالظروف الأمنية في سوريا، بل باتت مرهونة أيضا بقدرتهم على تسوية أوضاعهم القانونية في بلد اللجوء.
أثر اقتصادي ونفسي مضاعف
يؤكد محامون ومختصون في شؤون اللاجئين لموقع تلفزيون سوريا، أن هذا القرار سيزيد من الأعباء المالية على السوريين، لا سيما أن معظم الراغبين بالعودة يعملون في قطاعات غير رسمية تدر دخلا محدودا.
ويقول المحامي المصري يوسف مجدي، إن المشكلة لا تكمن فقط في الغرامة، بل في غياب آلية واضحة لتقسيطها أو تسويتها للأسر الفقيرة، مضيفا أن " القرار قد يدفع البعض إلى البقاء بشكل غير قانوني خوفا من عدم قدرتهم على الدفع".
من الناحية النفسية، يشعر كثير من السوريين بأنهم محاصرون بين بلد لا يستطيعون العودة إليه بسهولة، وبلد إقامة يفرض عليهم الآن مزيدا من القيود.
نسرين ممدوح، لاجئة سورية وأم لطفلين، تقول "كنا ننتظر أي فرصة للعودة إلى سوريا، وبعد أن جمعنا تكلفة العودة بعد عناء، فرضت الغرامات مرة أخرى، باتت العودة الآن رفاهية لا نقدر عليها".
مصدر خاص داخل إحدى المكاتب المختصة بشؤون الإقامة يوضح أن القرار لا يستهدف السوريين تحديدا، بل يأتي ضمن سياسة أوسع لتطبيق قاون الإقامة على جميع الأجانب من دون استثناء، وأضاف أن "الإعفاءات السابقة كانت ترتيبات مؤقتة مراعاة للظروف الإنسانية، لكنها لم تكن دائمة، والآن يجري توحيد الإجراءات القانونية على الجميع.
ورغم أن هذا التوضيح، يضع القرار في سياق إداري بحت، إلا أن غياب بيان رسمي واضح خلق حالة من الغموض والقلق عند السوريين، خاصة أن بعضهم تلقى معلومات متناقضة من شركات الطيران ومكاتب الحجوزات حول آلية تطبيق الغرامات.
انعكاس القرار على العلاقات الإنسانية والمجتمعية
يتخوف ناشطون سوريون في مصر من أن يسهم القرار في تعميق الشعور بالعزلة لدى اللاجئين ويزيد من الضغوط الاجتماعية داخل الأسر التي تحاول تأمين نفقات العودة إلى البلاد والآن تقف الغرامات حاجزا بينهم وبينها.
يقول الناشط عمر المصري، الذي يعمل في إحدى المبادرات الأهلية لدعم اللاجئين، "هناك عائلات سورية ستضطر لتأجيل لم شملها بسبب هذه الغرامات، فالكثير من الأزواج والزوجات يعيشون في بلدين مختلفين، أو الالتقاء مع العائلة الكبيرة، اليوم قد تتعطل هذه الخطط لأسباب مالية بحتة".
ويرى بعض السوريين أن الحل يكمن في التوفيق بين الالتزام بالقانون المصري واحترام الواقع الإنساني للاجئين، فالسوريون، رغم اندماجهم النسبي في المجتمع المصري ومساهمتهم في الاقتصاد المحلي، لا يزالون يعانون من هشاشة قانونية تجعل أي تغيير في السياسات مؤثرا بشكل كبير على حياتهم اليومية.
ويطالب بعض الحقوقيين بإيجاد آلية إنسانية لتسوية الأوضاع القديمة، مثل السماح بتقسيط الغرامات أو تخفيضها في حالات خاصة، تفاديا لزيادة أعباء اللاجئين أو دفعهم إلى إقامة غير النظامية.
في انتظار توضيحات رسمية أكثر دقة، يعيش اللاجئون السوريون في مصر حالة من الترقب والقلق، بين رغبتهم باحترام القوانين المصرية، وحاجتهم إلى معاملة تراعي ظروفهم الخاصة.
وبين من قرر البقاء مضطرا، ومن أجل سفره إلى أجل غير مسمى، يبدو أن القرار لم يغير فقط خطط السفر، بل أعاد طرح سؤال أكبر حول مستقبل الوجود السوري في مصر وحدود الاندماج والكرامة في بلد كان ولا يزال أحد أبرز الملاذات العربية منذ اندلاع الحرب السورية.