قرابات الكرد والعرب.. وعوامل النفور بين الأشقاء

تاريخ النشر: 22.09.2021 | 06:18 دمشق

بدأ التباعد بين الجارين بل الشقيقين الكردي والعربي بعد اتفاقية سايكس بيكو، نتيجة للشعور بالغبن الذي اجتاح الكرد خصوصاً في العراق وسورية، بعدما تجاهلتهم القوى الكبرى، فلم تمنحهم دولة على مساحة انتشارهم أو حتى على جزء منها.

ازداد مستوى الابتعاد والشقاق القومي بين العرب والكرد كما بين معظم الإثنيات والثقافات الخاصة، بعد صعود الفكر القومي فيما بين نخبها، الأمر الذي يؤكد أن هذا الفكر من أصل برجوازي غربي، غير بريء، لأنه ساهم بشكل جذري في استنزاف الأمم والجماعات الشرقية وفجّر بينها نزاعات وحروبا لا تنتهي، (مجزرة صدام حسين الكيماوية في حلبجا) تذهب في محصلتها الاقتصادية والبشرية والاستراتيجية لصالح المركز الرأسمالي والعولمي.

وبعد غزو العراق 2003 ظهر الشقاق الكردي العربي جلياً وطفا إلى السطح لاسيما في العراق. وفي سورية توسع الشقاق بعد ظهور قسد وممارستها عملية طرد لسكان بعض القرى ذات الأرومة العربية.

لكن العلاقة الكردية العربية رغم ما جرى طوال قرن الإيديولوجيات القومية تبقى عبر التاريخ والجغرافية أعمق مما يظن البعض، كما أنها أكبر من أن تستطيع عنصرية الأحزاب والإيديولوجيات القومية عربية وكردية أن تتجاوزها أو تخرّبها، فهي علاقات تتجاوز التجاور إلى الاندماج الدموي والتلاقح الثقافي الذي من الصعب جداً حصره وتتبعه إلا عبر أبحاث انثربولوجية واسعة.

إضافة لذلك، تؤكد النزاعات الإثنية السياسية أن لا سلام يرتجى للعراق وسورية في إطار الفكر القومي، ومن هذا المنطلق يجب النظر إلى صعود الموجة التدينية الإسلامية خصوصاً والدينية المسلمة عموماً في أوساط العراقيين والسوريين كردّ فعل على عنصرية وواحدية الفكر القومي العربي والكردي وغيرهما.

قبل الصعود القومي وقبل سايكس بيكو، عاش العرب والكرد معاً عبر رابطة الدين القوية، وعبر الفضاء الثقافي المسلم، الذي عاشوا من خلاله.. كان ذلك قبل هجوم الفكرة القومية على الأوساط الثقافية تركية وكردية وعربية، إثر ذلك جرى تدمير ممنهج للفضاء الحيوي الثقافي المسلم الذي عاش فيه المسلمون كرداً وتركاً وعرباً، الأمر الذي دمّر العروبة المسلمة وجعل منها ركاماً، وحولها إلى عقيدة قومية عرقية على يد البعث العربي ( على الرغم من انتساب بعض كرد العراق الى حزب البعث وبروز بعضهم كالقيادي طه ياسين رمضان وسكرتير الحزب في الستينيات علي صالح السعدي).

القرابات العشائرية والعائلية

يذهب بعض المثقفين والكتاب عربا وكردا إلى إعادة بعض العشائر والأسر العربية في العراق إلى أصول كردية ويمكن القول إنهم أكراد معرّبون كالنقشبندي واللاواند والعقراوي والجادر والحسنكو والخسرو.

كما تنتسب عشائر وقبائل كردية كـ "المحلمية" أو"الماردينلي" تنتشر في مناطق واسعة من شمال الجزيرة السورية وماردين ولبنان، إلى بني شيبان القبيلة العربية الشهيرة، ويضاف إليها قبيلة "الصوالح" الكردية وهي أيضا من أصل عربي.

كما ينسب البعض عشائر وأسرا كردية الى أصول عربية مسلمة، بل إلى أصول مسلمة مقدسة -السادة أو الأسياد- (بيت النبي محمد ص) ويقال إن من بين هذه العائلات، عائلة البرزاني.. (يخبرني صديق كردي من القامشلي أن لديه وثيقة نسب لعائلته "شجرة عائلة" تعود لثمانمئة عام، تثبت هذه الوثيقة أنهم من آل البيت).

فمن الطبيعي أن يحدث عبر الزمن داخل جغرافيا ما، أن تتواصل وتتشابك علاقات الجماعات والقبائل المتجاورة، لأسباب معاشية، تؤدي إلى تزاوج وتصاهر وتحالف فيما بينها.

واختلاط الدم بين المتعددين المختلفين سينتج عنه بلا شك تقارب أو تداخل أو تمازج، كما قد يؤدي إلى تحوّل من حال اجتماعي ثقافي إلى حال آخر، وإلى تغيير في اللهجات واللغات التي تتمازج بعضها البعض وإلى ظهور لهجات ولغات، واضمحلال أخرى، بل يمكن أن تتولّد إثنية جديدة كما هو الحال مع الإثنية الجرجرية أو الغرغرية (الأصح لفظها ما بين الغين والكاف) في منطقة الموصل العراقية، التي نتجت عن تزاوج بين العرب والكرد.

كل ذلك يجري بشكل عفوي طبيعي تلبية للظروف المستجدة وتفاعلاً مع التغيرات الاجتماعية والبيئية والمصلحية المعاشية.

إن وحدة الحياة وتشابه المعاناة كما المصالح المشتركة بين الكرد والعرب تثبت أنها أقوى من التدخلات السياسية والغزوات ومصالح النخبة المالية والسياسية، رغم أن هذه الأخيرة تشوش الرؤية على الكرد والعرب وتشوّه صورة الأخ في عين أخيه، وتوقع ما بينهما، لكن في النهاية، رغم كل التدخلات والفتن، لا بد أن تنتصر الحياة والحقيقة.. ويعود العرب والكرد ليعيشوا إخوة وجيرانا كما كانوا طوال مئات السنين.