قراءة نقدية في رواية "تنسيقية بولييه" لـ عبد الناصر العايد

تاريخ النشر: 08.02.2021 | 21:48 دمشق

أحمد صلال

يعد "عبد الناصر العايد" واحداً من الفاعلين في المشهدين السياسي والثقافي السوريَّين، منذ ما يقارب العقدين من الزمن. وواكب تعدد المجالات التي نشط فيها العايد، سواء في الصحافة أو السياسة أو الأدب، تعدداً في نتاجه من قصة قصيرة ورواية وسيناريو وأبحاث ومواد صحفية.

في مجال الرواية، صدر له مؤخرًا عمل يحمل عنوان "تنسيقية بولييه"، عن منشورات فضاءات في الأردن، وهو نص يطرح فيه العايد سؤال الثورة والإبداع، ويروم فيه جعل الإبداع نصوصاً روائية متفاعلة مع ثورات الربيع العربي وخاصة السورية، ولكنها واقع في النمطية القرائية التي لا تواكب صيرورة الرواية، باعتباره جنسًا روائيًا متجدداً ومتحرراً من كل القيود.

محاولة إبداع

ينطلق عبد الناصر العايد في كتابة نصه الروائي الجديد بتحقيب أمينٍ للفترة التي تلت سقوط حلب وسبقت شن هجوم روسي على درعا

ينطلق عبد الناصر العايد في كتابة نصه الروائي الجديد بتحقيب أمينٍ للفترة التي تلت سقوط حلب وسبقت شن هجوم روسي على درعا، حيث تعتزم مجموعة من الناشطين البحث عن طرق تجعلهم قادرين على أن يفعلوا شيئًا حيال همجية آلة حرب النظام.

تلتقي المجموعة في مقهى (بولييه) وسط العاصمة الفرنسية باريس. انتماءات الشباب الدينية والعقائدية والإيدلوجية، تعكس الغنى في انتماءات شخوص الرواية، والتي على ما يبدو لم يتنازل أحد من شخوصها عن دور البطولة، إذ يكتب محاضر التنسيقية جميع أعضائها، لتكون فسحة نعرف من خلالها القصة التي يسردها النص الروائي.

ولكن العايد، صاحب النص الروائي السابق "سيد الهاوما"، يصرح لنا بقوله: "إنّ ما تشهده الرواية من تجديد يقتضي تجديد الروائي وأدواته ورؤيته ووعيه الفني والثقافي".

ولا بد من التصريح بأن هاجس التعبير عن الذات والتاريخ والمجتمع، يجب أن يكون أساس التحولات والاختبارات التي تنجح الاختيارات وأساليب الروائية في مقاربتها، وهذه إحدى المحددات للنقد الروائي لرواية ما بعد الحداثة، والارتباط بتنويعات التخييل الذي لم يرتقِ من إثبات الذات في الكتابة إلى التأكيد على وجود رواية مغايرة تصوغ إشكالياتها من منظور مختلف عن المألوف. حيث تثوير السرد الروائي لوحده لا يعفيه من تجديد أدواته ورؤيته ووعيه الفني والثقافي حيث اللعب والحرق.

كان هناك همٌّ كبير يجب أن يشغل عبد الناصر العايد، في هذه الرواية، وهو ضرورة تجديد النص الروائي وتجديد طرق تناوله روائيًا، بغية استعادة النص لخصوصيته، وهي التأمل في النص والتفكير من داخله، من أجل الاقتراب من قيمتها الجمالية والفنية ومستويات قراءتها والكشف عن حقائقها، لا الاكتفاء بتقديم انطباعات عنها.

هم آخر كان يجب أن يشغل العايد وهو ترسيخ الخصوصية، حيث يكمن الجوهر الإبداعي، وتتمثل في جعلها متحررة من سطوة المفاهيم، وقيود المناهج وفتحها على دائرة أكثر اتساعًا، بالتأكيد على أنه ينبغي على الكتابة الإبداعية أن تتحلى بالجرأة والحرية، ولا يتأتى ذلك إلا عبر تحرير النص الروائي من الصرامة المنهجية لرواية التسعينيات التي تميز هذا النص الروائي، حيث لا يطلع بدوره الإبداعي في محاولة النص والتعريف به والكشف عن قيمته الجمالية والفنية.

لغة السرد

غياب السرد النقدي جعل الحكاية لا تُبنى سرديًا، حيث غاب تفاعل الكاتب مع النص الروائي، الذي يفترض أن يجعل من القراءة حدثاً تاريخياً يتطور ويولد تأويلات جديدة

لا وجود للّغة النقدية التي تميز رواية ما بعد الحداثة، وغابت السردية التي تتكلم عن الرواية من داخلها، حيث حضور الكلام الزائد والتعليقات الطويلة التي تصل حد التقريرية المفرطة، فالسرد يجب أن يبتعد عن الكلام الزائد والاكتفاء بالتعاليق القصيرة والمنطقية والدالة. كما غاب الحرص على تحليل النص وتأويله، انطلاقًا من خصوصيته كجنس أدبي حر، وانتقال الحس الـ (بيداغوجي) إلى داخل الكتابة الإبداعية، وغياب السرد النقدي جعل الحكاية لا تُبنى سرديًا، حيث غاب تفاعل الكاتب مع النص الروائي، الذي يفترض أن يجعل من القراءة حدثاً تاريخياً يتطور ويولد تأويلات جديدة، في تفاعل مع النص الروائي.

شخصيات الرواية

إنَّ مشكلة أي روائي تقع في ذاتيته، وأيديولوجيته، وثقافته، ولغته، وذوقه، وعاطفته، ثم معاناته في التخلص من هاجس إسقاط كل ذلك على شخصياته، على لغاتها، أفكارها، أذواقها، وكذلك أيديولوجياتها.

وبمقدار ما يستطيع أي روائي التخلص من هذه الرواسب، يبتعد عنه النص السردي وينفرد بنفسه، ليغدو من النصوص الكبيرة التي لا تفارق إلى الاستناد إلى أصحابها، تستمد منهم الأبد والقوة، لتخلد وتبقى.. وإلاَّ فإنها تبقى نصوص صغيرة مرتبطة بسلطة كتابها، دائرة في فلكهم، قابعة في دائرتهم.

ومن خلال التعامل مع جسم النص، عبر مداخلته ومشاكسته والدخول معه في حوار، تغيب فيه البطولة المطلقة لصالح حلول الحكاية، ويتجلى لنا أن الروائي لا يسعى إلى تجميع أحداث تاريخية، والتي تبدو من الوهلة الأولى معروفة للسواد الأعظم. إنما غاية الروائي من سرد هذه الأحداث أن يطرح الأسئلة التالية: من أين جئنا؟ من نحن؟ وما هو المصير والمآل؟

إنه يطلب منا ومن هذه الأسئلة المحرجة البحث عن حقيقتنا في أعماق هذه الأحداث التاريخية، التي لا يمكن لنا فيها أن نكتفي بظاهر النص، والذي لا يمكن اختصار مضمونه في جملة أو جملتين، كونه يتضمن عقدة واحدة، وهي قلق جميع الأبطال ومأزوميتهم في المنفى.

مضمون النص

يمكن حصر مضمون هذه الرواية في محاور كبرى أهمها: المضمون السياسي والإيديولوجي، والمضمون الإنساني.

بالنسبة للمضمون السياسي والإيديولوجي نلاحظ أن هناك حنينا عارما للديمقراطية والتحرر، حيث تهيمن القضايا الكبرى على السرد الروائي، ولكن ما كان ينقص النص أن يكون شديد الاحتيال و"اللطف".

أما عن المضمون الإنساني يبدو أن الكاتب لم يتعامل مع المضمون الإنساني، الوجودي خصوصًا، في أي نص روائي سابق له، كما تعامل في هذا النص، حيث المواقف الصعبة جدًا والتحديات القاسية والقضايا المعقدة التي لا يبارح الإنسان السوري يعانيها، ولا يلقى لها حلًا، ومنها الموت الذي يهيمن على كل حيثية من حيوات السوريين، وإن كان بالمنفى.

رغم الانتقادات السابقة، تتزاحم، في هذا النص الروائي "التسعيني" الجميل بمقدار لا بأس به، ظلمات دهاليز المنافي والشروع بأنوار الشموع، ويتصارع النور مع الظلام من أجل تجسيد سنة الشعب بالحرية: يتصارعون عبر زمن مشوشٍ بالأحداث، كالقدر، مفعم بالتناقضات، كالحياة، إلى أن يتمكن الظلام من الشموع فيطفئها. بيد أن إطفاءها لا يعني استحالة عودتها إلى التوهج والإشراق.