قراءة في خطاب "سادتنا أبناء السادة" أو كما لو أنهم

تاريخ النشر: 04.03.2021 | 00:30 دمشق

في كتابها (السيطرة الغامضة، السياسة، الخطاب والرموز في سوريا المعاصرة) وضعت الباحثة الأميركية ليزا وادين فصلاً كاملاً عن مفهوم التظاهر تحت اسم "كما لو أن"، وتستحق الكاتبة براءة اختراع على هذا المصطلح لقدرته على توصيف العلاقة بين المواطنين السوريين ورأس النظام السوري حينها حافظ الأسد إلى حد كبير.

ترى وادين في كتابها أن السياسة التي كان يتبعها الأسد في علاقته مع الشعب السوري، الطريقة التي يستخدمها لتطويعهم قامت على قاعدة: لا يهمني أن تحبني ما دمت تطيعني، لكن ما يهمني أن تتظاهر بأنك تحبني، ولذلك خرج الشعب السوري في المسيرات رافعين صور الأسد راقصين في الساحات مبايعين بالدم هاتفين بروحهم ودمهم فداء له كما لو أنهم يحبونه، وهذا أمر ينسحب على باقي ديكتاتوريات المنطقة العربية، وفي المقابل تصرف الأسد كما لو أنه يصدق حبهم، وكما لو أنه القائد المفدى والمعلم والفلاح والعامل والجندي الأول، وشكَّل العلاقة بينه وبين المواطنين على أساس أبوي، فهو الأب القائد، الأب الذي قد لا تتفق معه، قد لا يعجبك ما يفعل، قد يؤذيك، لكن عليك أن تطيعه لأنه أبوك، ولأن طاعته واجبة، وعليك أن تصدق أنه يحبك مهما قسا عليك، فهو في نهاية الأمر أبوك.

ترى وادين في كتابها أن السياسة التي كان يتبعها الأسد في علاقته مع الشعب السوري، الطريقة التي يستخدمها لتطويعهم قامت على قاعدة: لا يهمني أن تحبني ما دمت تطيعني

هذه الأبوة المصطنعة وهذا الـ "كما لو أنه" الحب المتبادل بين القائد الضرورة والشعب كان ديدن كل الطغاة العرب، ولكنهم حقيقة ليسوا آباء جميع من يدعون أنهم أبناؤهم، وإنما آباء أبنائهم وحدهم فقط، هؤلاء الأبناء عاشوا أيضاً في نفس الجو العام الذي عاشت فيه شعوبهم، درسوا في مدارس تتصدرها صورة الزعيم، سمعوا أغاني تتغنى بأمجاد الزعيم، تابعوا نشرات الأخبار التي تتمركز حول الزعيم، ورأوا الملايين الغفيرة التي تملأ الشوارع كلما احتاج لها الزعيم، على أنهم نالوا كل الامتيازات التي يرغب بها الزعيم لأبنائه، كان حضور الزعيم في حياتهم أكثر كثافة، وكان خطابه معهم أكثر كذباً، وأكثر قابلية للتصديق من قبلهم، ورسّخ في عقولهم المهمة التي ندبته لها العناية الإلهية أو الأمة أو الضرورة، وهم من على شرفات قصورهم رأوا عظمة ما يفعل، أو بشكل أكثر صحة عظمة ما صوّر لهم أنه يفعل، ولذا عندما كان الزعيم يخرج رافعاً يده تحية للجماهير التي جاءت لتؤكد التزامها بالاتفاق كما لو أنهم يحبونه، وهو يصادق على الاتفاق كما لو أنه بطلهم، كان الأبناء يرون الأمر خارجاً عن نطاق التشبيه والتظاهر، كانوا يرون الجماهير قد جاءت لتؤكد التزامها بحبهم للبطل، ويرون القائد يصر على أن يتحمل المسؤولية ويكون البطل، وعلى ذلك بنوا تصورهم لعلاقة الناس معهم ومع آبائهم.

بعد انطلاق الربيع العربي خرجت الحشود نفسها، لكن هذه المرة لتكشف القناع وتنهي الاتفاق، وبدل أن تهتف بحياة الرئيس كما لو أنها تحبه راحت تعبر عن شعورها تجاهه ورغبتها الجامحة في إظهار موقفها الحقيقي منه، بل تلك المحاولة من قبلهم تعدت الحاضر لتتجه للماضي محاولة استعادة الحق في حرية القول والشعور الذي تمت مصادرته منهم مسبقا، حتى كان أحد أكثر الهتافات ترديداً في الثورة السورية "يا حافظ قوم وشوف، صرنا نسبك عالمكشوف"، في هذه الأثناء لم يستوعب أبناء الطغاة خروج الناس عليهم، وهم يرفضونه لليوم، وإن كانت اللعبة مكشوفة بين الديكتاتور وشعبه، فإنها بالنسبة للأبناء علاقة صادقة لا تشوبها شائبة، والخروج عنها إما ناتج عن مندسين أو عملاء، ولذلك عندما يطلون على الشاشات يتحدثون بطريقة غبية جداً، أو لنقل أنها باتت غبية جداً، فخطاب هؤلاء هو نفسه خطاب آبائهم من قبلهم، الفرق الوحيد أن آباءهم رغم أنهم لم يحصنوا خطابهم بالمنطق، إلا أنهم حصنوه بالدم والنار والحديد، وصاغوه بالترهيب والتخويف، فجاء الخطاب عظيماً، أو كما لو أنه كذلك. اليوم في وقت تنتظر فيه الشعوب العربية عموما خطاباً واضحاً ومنطقيا ويتحدث عن حقوق وحريات، يصر أبناء الطبقة القديمة من الطغاة على تبني خطاب آبائهم، مما يجعل متابعتهم مستفزة، مضحكة، أو في أحسن الأحوال مضيعة للوقت.

في لقائها الذي تم نشره منذ فترة قريبة على قناة العربية تتحدث رغد صدام حسين عن ذكرياتها، ورغم الجهد الواضح من قبل القائمين على اللقاء لإظهارها بمنظر القوية الواثقة من حيث زاوية الصورة، الملابس التي ترتديها، حركات يديها الشبيهة بحركات أبيها كما لو أنها تستدعي حضوره، كل ذلك لم يفدها، كان خطابها يدل على غياب تام عن الواقع، معادياً للحريات وللمرأة، وأقرب للخطاب التقليدي القومي الذي خرجت تلك الثورات عليه، إلا أنه بدا واضحا مدى قناعتها المطلقة بحقهم في ملك العراق، لم تذكر رغد مرة واحدة أمور الحكم بضمير الغائب، وإنما بضمير النا الدالة على الفاعلين، على أنها أحد الفاعلين، فتقول مثلاً " عندما خرجنا من الحكم" "عندما كنا على رأس السلطة في العراق"، رأت رغد في السلطة شأناً عائلياً، بل عندما تم سؤالها عن المهام التي تتولاها قالت ببساطة أنه ما دام هناك رجال، لا شأن لهن "النساء" بذلك بإشارة لعدي وقصي أخويها، والأكثر استفزازا - ودلالة على الجهل التام بما يحدث وعلى القناعة التامة بطريقة حكم أبيها - ردها على سؤال عندما أشارت إلى وضع العراق بعد سقوط صدام حسين، حيث سألها المحاور عما إذا كان محتما على المواطن العربي أن يختار بين الفقر وعدم الأمن وبين الديكتاتورية، أجابت ابنة أبيها "عندما يكون رئيسك صدام، يجب عليك أن تختار"، هكذا بكل وضوح ودون أي لبس أو خجل.

في منشور له على صفحته على موقع فيس بوك يتفاخر فراس مصطفى طلاس بتخليه عن الثروة والمال لأجل الثورة، فراس طلاس رجل الأعمال في دبي يتفاخر بتضحيته بأموال نهبت وسرقت من السوريين من أجل مناصرة السوريين أنفسهم، ولا يبدو أنه تخلى عن كل المال والثروة، وإنما جلب منها ما يكفيه لبناء مشروعه السياسي وتوفير بحبوحة فائضة في مستواه المعيشي.

عندما تم إطلاق سراح جمال حسني مبارك غرد بالآية القرآنية "والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم أيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، هكذا وبآية قرآنية وإيمان مطلق يرى جمال مبارك ثورة الشعب المصري ضد أبيه بأنها ليست سوى "الناس الذين جمعوا لهم"، ولم يزده الأمر إلا إيماناً، إيمانا بماذا؟!! لم يكتب جمال "بيه".

نجم هؤلاء الأبناء كان وما زال بشار الأسد، الذي يرى في حكمه حقاً شرعيا موروثاً، لذلك يتشدق كل مرة بالتفاهات دون أن يراجع ما يقول، لقد صرح مرة أنه يمكن أن يقطع رأس المريض من أجل إنقاذه، ومرة أخرى تحدث عن أن الليبرالية الجديدة هي داعمة تنظيم داعش، ويستطيع ويدرك أنه يستطيع أن يقول ما يشاء، بشار الأسد يرى في سوريا فقط تلك المتجانسة منها، تلك التي بناها أبوه، وعلم أبناءها أبوه، وصحح حركتها أبوه، وبالتالي هذه الدولة كلها ملك أبيه، وأن سوريا حقاً - في إيمانه وبناء على سلوكياته - لا مجازاً سوريا الأسد، ولذلك فإنه ينظر بقناعة وطمأنينة مطلقة لمعارضيه على أنهم خونة، هؤلاء الذين عارضوا طريقة حكمه، أو الذين صاحوا ألماً لجوع أو برد أو حتى نقص جرة الغاز، كل صوت يزعج صمت التجانس خيانة، ولذلك يصعب التفاوض مع الأسد، إذاً كيف يمكن لك أن تفاوض ظالما يرى ظلمه لك عدلاً؟!

لا يمكن، وخاصة في دولة الحريات والقانون، وهي الدولة التي يطمح لها السوريون وغيرهم من شعوب المنطقة المنتفضة، لا يمكن أن يحمل امرؤ جريرة فعل غيره، حتى هؤلاء أبناء الطغاة، على أن لا يتبنوا نهج آبائهم. كان من الممكن لرغد صدام حسين أو لفراس مصطفى طلاس أن يخرجوا للعلن ويعلنوا عن تسفيه ماضي آبائهم، تبرؤهم منه، رفضهم له، لكنهم حرصوا على تمجيد آبائهم، والتبرير لهم، أظهروا أنهم يرون أن ما فعله آباؤهم إما أنه عظيم، أو أنهم أجبروا على فعله إذا كان دنيئاً، أو كما لو أنهم اعتبروه عظيماً، أو كما لو أنهم اعتبروا أن آباءهم أجبروا على فعله.

خطاب "مَن كما لو" أنهم سادتنا وأبناء سادتنا جاء كخطابات آبائهم الرنانة، لكنه بعد الربيع العربي جاء تافها فارغاً مضحكاً.