قراءة في آفاق المفاوضات البحرية اللبنانية الإسرائيلية

تاريخ النشر: 06.05.2021 | 06:01 دمشق

مع انطلاق قطار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية حول ترسيم الحدود البحرية؛ ورغم "المطبات" المتوقعة في الطريق، فإن إسرائيل لها مصلحة في التوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن هذه المسألة، لكنها قد لا تكون قادرة على تغيير أطر المباحثات التي تم الاتفاق عليها، فقط بسبب الأجواء اللبنانية السائدة.

مع العلم أن الخريف الماضي شهد بدء محادثات بين إسرائيل ولبنان من أجل الوصول إلى ترسيم الحدود البحرية بينهما، وتقسيم المنطقة المتنازع عليها بما يرضي الطرفين، ثم ساد تفاؤل لا داعي له، حيث بدأت المحادثات على أساس الوثائق التي قدمها كل طرف للأمم المتحدة، ثم انضم الأميركيون إلى البعثة التفاوضية.

تدور المحادثات حول مساحة 860 كيلومترا مربعا، واقترح الأميركيون بمساعدة السفير فريدريك هوف أن يذهب 55% من المنطقة إلى لبنان، والجزء المتبقي 45% إلى إسرائيل، وقال المسؤولون الأميركيون إنهم عاملوا البلدين كما لو أن إسرائيل هي الولايات المتحدة، ولبنان هي المكسيك، ومن ثم أعطوا حصة أكبر للبنان، فيما تميل إسرائيل لقبول التقسيم وإنهاء الخلاف.

أدت الأحاديث والمناقشات بين الإسرائيليين واللبنانيين إلى ثرثرة في لبنان، مما دفع الولايات المتحدة لتعليق المحادثات، ولم يهدر لبنان أي وقت، وطالب مؤخرا بـ1430 كيلومترا مربعا إضافيا لمطالبته الأصلية، بدعوى أن الإضافة تتماشى مع القانون الدولي والوثائق الدولية، وإذا تم التوصل لاتفاق، سيستفيد لبنان من عائدات كافية من استغلال غازه البحري، مما سيساعده على تجاوز الأزمة الاقتصادية.

في الوقت نفسه، ستكون إسرائيل قادرة على تشغيل حقل "كاريش" بكامل قوته، وإذا لم يتم التوقيع على اتفاق، فلن يتلقى لبنان عائدات نقدية، وستعمل إسرائيل على تشغيل الحقل، بغض النظر عن موقع لبنان، فيما تريد إسرائيل الاتصال بالأمم المتحدة الآن من أجل تغيير الخطوط العريضة للمحادثات، وإضافة 1430 كيلومترا مربعا للنزاع؛ لأن لبنان يعتقد أنه بمثل هذه الحالة ستطلب شركات الإنتاج التي وقعت إسرائيل اتفاقيات معها عدم البدء في إنتاج الغاز في المنطقة المتنازع عليها حتى حل الخلاف مع لبنان.

من الواضح أن إسرائيل لديها مصلحة في إنهاء النزاع البحري مع لبنان، لكن لا يمكنها قبول المطلب اللبناني الإضافي بأنه سيتعين عليها التخلي عن حقل "كاريش"

من الواضح أن إسرائيل لديها مصلحة في إنهاء النزاع البحري مع لبنان، لكن لا يمكنها قبول المطلب اللبناني الإضافي بأنه سيتعين عليها التخلي عن حقل "كاريش"، ولذلك ربما يمكن لإسرائيل التزام الصمت، وترك الأميركيين يتعاملون مع الداخل اللبناني، ومن جهة أخرى تعبر إسرائيل للأميركيين عن استعدادها لتأجيل بدء إنتاج الغاز من حقل "كاريش" لأشهر قليلة فقط.

مع العلم أن القرار اللبناني الصادر قبل أيام بتوسيع حدود لبنان البحرية مع إسرائيل، في خطوة أحادية الجانب بمقدار 1430 كيلومترا مربعا؛ شكل خطوة مفاجئة لإسرائيل تزيد من تعقيد المفاوضات المعقدة بالفعل بينهما، لأن مفاوضاتهما البحرية لم تؤد إلى انفراج بينهما، بل أدت إلى تراجع في بعض النواحي.

ومع انطلاق المفاوضات، فقد اتخذ الطرفان مواقف لتحسين مواقعهما التفاوضية، خاصة في مواجهة أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة في لبنان، وعدم قدرة اللاعبين السياسيين تشكيل حكومة جديدة، في ظل مجموعة معقدة من المصالح التي تشمل كما هو الحال دائمًا في لبنان لاعبين خارجيين.

لعل ما يزيد الأمور تعقيدا مع إسرائيل وجود مصالح لمختلف اللاعبين، بما في ذلك مواقف حزب الله، الذي يلزم لبنان بتقديم موقف متشدد تجاه إسرائيل، مقابل نشوء خلاف في الأسابيع الأخيرة بين سوريا ولبنان حول حدودهما البحرية، مع أن هذا ليس خلافًا جديدًا، بما في ذلك رسائل الجانبين للأمم المتحدة بشأن تفسيرهما للحدود البحرية.

اشتد الموضوع في الآونة الأخيرة على خلفية موافقة سورية على قيام شركة روسية بإجراء مسوحات في المنطقة، ما أدى إلى منح اللبنانيين جزءا من مياههم الاقتصادية، وأوضحت الخارجية اللبنانية أنه يجب إجراء مباحثات مع دمشق حول هذا الموضوع، ولذلك اتصل رئيس النظام بشار الأسد بنظيره اللبناني ميشال عون حول الموضوع، مع العلم أن روسيا استحوذت على حقوق الطاقة في المياه الاقتصادية السورية وعلى الأرض في السنوات الأخيرة.

لا تقتصر الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية على المياه فقط، وإنما تشمل الغاز الطبيعي، وتبعاته الاقتصادية والسياسية، خاصة أن لبنان يواجه أزمة حادة بشكل خاص، والخطوة الأخيرة الحادة تزيد من تعقيد الأمور بينهما، لكنها من وجهة النظر اللبنانية توسع مجال المناورة في "لعبة البوكر الجامحة" مع إسرائيل، ولذلك بات الآن أكثر من أي وقت مضى تجديد الوساطة الأميركية لإعادة الجانبين للمفاوضات الإيجابية.

وبعد أن رسمت الأمم المتحدة الحدود بين البلدين عقب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في صيف 2000، سارع اللبنانيون للقول إن هناك 13 مكانا على طول الحدود من رأس الناقورة إلى جبل الشيخ ما زالت تحت سيطرة إسرائيل، رغم أنها مناطق لبنانية كاملة، ويجب استعادتها للدولة اللبنانية، ولذلك لم توافق إسرائيل على المطالب اللبنانية، وبدأت بإقامة جدار أمني على طول الحدود التي أقرتها الأمم المتحدة، ما يعني أن الأزمة الحدودية البرية ما زالت ماثلة بين البلدين.

لعل ما يزيد الأمور تعقيدا أن الأزمة المائية تدور حول 860 كيلومترا في قلب البحر المتوسط قبالة الحدود المشتركة لإسرائيل ولبنان، وفيها حقول غاز كبيرة، تقول لبنان إن لها ملكية كاملة فيها، فيما تعارض إسرائيل ذلك، وطلب الجانبان مساعدة الولايات المتحدة لحل الأزمتين، حيث وصل بيروت أربعة مبعوثين أميركيين، ولديهم حلول عرضوها على الدولة اللبنانية، لكن الأخيرة رفضتها كلها.

هذه المباحثات تعيد إلى الأذهان المقترح الأميركي بعرض حل عملي سرعان ما أثار خلافا لبنانيا داخليا، فيما ترفض إسرائيل حتى اليوم الإفصاح عن تفاصيل مباحثاتها مع الأميركان، كما أن الحل الذي اقترحه يعتمد على الفصل بين الملفين: البري والبحري، مما قد يسهل في حلهما، وبادر لطرح أزمة الحدود البرية أولا لحلها على الفور، وترحيل أزمة الحدود البحرية لمفاوضات تفصيلية.

الحريري يبرر موقفه بالقول إن الاقتصاد اللبناني يمر بأزمة صعبة، ومدخولات الغاز كفيلة بتحسين الوضع المالي للدولة، لكن الحزب يخشى أن حل مشكلة الحدود البرية سيمر من تحت أقدامه، ولن يعود له مبرر لاتهام إسرائيل باحتلال أجزاء من الدولة اللبنانية

وفيما تواصل الطواقم الفنية عملها، يستمر عمل الشركات الدولية باستخراج الغاز من الحقول البحرية، وتوزيع المكاسب المالية مناصفة بين لبنان وإسرائيل.

وبعد أن تنتهي لجان التحكيم القانونية من عملها يتم إلزام الدولتين بقراراتها، لكن الاقتراح الأميركي أثار توترا بين رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري، الداعم لفكرة الفصل بين الملفين، وبين رئيس البرلمان نبيه بري المدعوم من حزب الله، لأن الحريري يبرر موقفه بالقول إن الاقتصاد اللبناني يمر بأزمة صعبة، ومدخولات الغاز كفيلة بتحسين الوضع المالي للدولة، لكن الحزب يخشى أن حل مشكلة الحدود البرية سيمر من تحت أقدامه، ولن يعود له مبرر لاتهام إسرائيل باحتلال أجزاء من الدولة اللبنانية، وستوضع علامات استفهام حول مشروعية حيازته للسلاح، ما قد يفتح حوارا لبنانيا داخليا حول الحاجة لتفكيك هذا السلاح.

إن بدء المفاوضات بين إسرائيل ولبنان حول ترسيم حدودهما البحرية يطوي صفحة خلاف دامت أكثر من ثلاثين عاما، منذ إجراء آخر مفاوضات بهذا الإطار، ويدعي كلاهما أنها تقع ضمن منطقتهما الاقتصادية الخالصة والجرف البري، وهما مناطق بحرية نظرية قبالة سواحلهما، مع أن لبنان من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ورغم أن مشاركة إسرائيل نشطة في المفاوضات، لكنها لم تصدق عليها، أو تنضم إليها، ويبدو أن هذه المفاوضات روتينية لتسوية أي نزاع حدودي بحري بين دولتين متجاورتين على غرار العديد من هذه النزاعات القائمة، مثل الدول المطلة على بحر الصين الجنوبي.

ربما يكون للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لتسوية حدودهما البحرية تداعيات إقليمية واسعة النطاق، في ضوء توقيع اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين، كما أن العامل الأهم الذي قد يقود البلدين للتفاوض هو الفوائد الاقتصادية المحتملة، وكذلك لجميع دول المنطقة، المتعاونين في إنتاج الغاز الطبيعي، وتسويقه، رغم حالة التردد والعداء وانعدام الثقة المتأصل بينهما.