قراءة فى خارطة الطريق التركية الأمريكية حول منبج

تاريخ النشر: 08.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 11.06.2018 | 22:51 دمشق

أجرى وزير الحارجية التركى مولود شاويش أوغلو الإثنين-4 حزيران- لقاء وصفه بالمثمر والبناء مع نظيره الأمريكي جورج بومبيو تركز بالأساس على ملف مدينة منبج حيث تم التوافق على خارطة الطريق التى وضعتها اللجنة الثنائية الأمريكية التركية المشتركة في اجتماعها الأخير بمدينة أنقرة قبل أسبوعين.

خارطة الطريق كما قال وزير الخارجية التركى وكما نقلت وسائل العلام التركية فى الأسبوعيين الماضيين الماضية تتمحور حول فكرة فرض الاستقرار والأمن والسلام في منبج بشكل مشترك بين الجانبين.

الخارطة تتضمن طبعا انسحاب مقاتلي تنظيم بى كا كا السوري ضمن جدول زمني معين متفق عليه فى حدود شهر تقريبا على أن يتولى الجانبين التركي والأمريكي فرض الأمن فى المنطقة ومحيطها بينما يتم تشكيل مجلس محلي وشرطة مدنية محلية من أهل المدينة لتسيير شؤون الحياة فيها.

شاويش أوغلو قال إن التنفيذ سيتم بشكل فورى وخلال أيام وهو ما تأكد مع إعلان قيادات من بى كا كا بدء انسحابها من منبج علما أنها تتحدث عن مستشارين فقط وليس مقاتلين،

خارطة الطريق هذه تم التوصل إليها بعد فترة طويلة شهور وحتى سنوات من النقاش والمماطلة من الجانب الأمريكي

مع محاولة للتذاكى والفصل بين مجلس منبج العسكرى والتنظيم معنى أن التنظيم سينسحب أما المجلس فسيبقى فى المدينة علما أن خارطة الطريق تنص بوضوح على مسؤولية ثنائية تركية أمريكية عن الملف الأمني.

خارطة الطريق هذه تم التوصل إليها بعد فترة طويلة  شهور  وحتى سنوات من النقاش والمماطلة من الجانب الأمريكى لكنها جاءت  فى الحقيقة نتيجة معطيين أو متغيرين  أساسيين الإصرار التركى على تحرير المدينة ومنطقة غرب الفرات بشكل عام من إرهابيي بى كا كا وتسليمها لأهلها الأصليين مع عدم استبعاد شرق الفرات والماطق الحدودية من  الحزمة أما المعطى الثانى فيتمثل  بالمراجعة أو المتغيرات-الأولية-  التى طرأت على السياسة الأمريكية فى سوريا والمنطقة بشكل عام .

تركيا أصرت طوال الوقت على إخراج  تنظيم بى كاكا من المدينة وغرب الفرات بشكل عام  ووجهت بأذان صماء ومماطلة أمريكية غير أن المشهد تحول بالكامل مع تحرر البلد وحكومته الديموقراطية نهائيا من سطوة العسكر بعد إفشال الانقلاب-تموز يوليو 2016- وتطهير المؤسسة من  المتساوقين والمتواطئين  مع أمريكا والذين رفضوا أى عمل أو تحرك عسكرى بمعزل عن واشنطن وموافقتها

 بناء عليه بادرت الحكومة التركية  إلى تنفيذ  عمليتى درع الفرات فى مثلث جرابلس- الراعى- الباب الراعى وغصن الزيتون فى عفرين فبات الخيار العسكرى لتحرير منبج  مطروح بشكل عملى وجدى وملموس على الطاولة وليس  مجرد خيار نظرى أو تهديد سياسي إعلامي  .

 يجب التذكير أن أنقرة كانت قد حصلت أصلا على وعد من إدارة  الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما بإخراج  تنظيم بى كا كا من المدينة بمجرد تحريرها من داعش-أغسطس 2016- وهو ما لم يحدث رغم مرور عامين تقريبا بل على العكس  فقد
أقامت واشنطن قواعد عسكرية  فى المدينة ومحيطها بل واستقدمت قوات فرنسية أيضا  كما غضت الطرف عن ممارسات بى كا كا الاستبدادية والتطهير العرقى والتجنيد الإجبارى وقمع أهل المدنية الرافضين لتلك السياسات كما تجاهلت واشنطن  العلاقات  والاتصالات السرية والعلنية بين التنظيم ونظام الأسد  كما مع إيران وميليشياتها  فى سوريا والعراق على حد سواء  رغم أنها كانت قد اشترطت على الجيش الحر لتقديم الدعم له بالتوقيع على وثيقة  بالتركيز على قتال داعش فقط دون النظام أو أى طرف أو جهة أخرى وهو ما لم تفعله مع بى كا كا لا في السياق العسكري ولا السياسي  .

 أما أمريكيا فقد بدات واشنطن  ولو نظريا فى تبني سياسة مختلفة فى سوريا والمنطقة  تتحدث عن تحجيم إيران  إضعافها وإخراجها من سوريا وحتى التشدد مع روسيا وهذا أمر لا يمكن فعله بدون تركيا أو باستمرار القطيعة والخلاف معها بصفتها  دولة إقليمية مركزية كبرى وذات حضور ونفوذ  وتأثير فى سوريا والمنطقة .

قصة منبج أو الملف السورى بشكل عام هو أصلا جزء من الخلاف أو التباين بين الجانبين  والذي تعمل عليه اللجان المشتركة إضافة إلى ملفيين آخرين يتمثلان بالعلاقة الثنائية بما فيها قضية فتح الله غولن والمعتقلين لدى الجانبين وملف ثالث يتعلق بمكافحة الإرهاب مع السعي لتعريفات مشتركة وتعاون مشترك فى سوريا العراق والمنطقة بشكل عام.

عموما فإن وزير الخارجية التركي شاويش أوغلو إن كان  قد قال منذ فترة إن تنفيذ خارطة الطريق سيتم بمجرد التوافق على التوصيات الخاصة باللجنة المشتركة مع نظيره الأمريكي،

تكون حساسية تركية من حضور أمريكي غرب الفرات كون ما تفعله أنقرة واضح علني وبنموذج مدني "نموذج جرابلس –عفرين"

 وهو ما تم بالفعل  الإثنين الماضي والآن بات الأمر رهن  التنفيذ فعلا مع ضرورة الانتباه إلى أن التفاهم على منبج سيكون  جزء من التفاهم أو السعي للتفاهم على الملف السورى بشكل عام سواء فى شقه الميداني العسكري أو السياسي وهنا يجب تذكر تصريح رئيس الوزراء التركي بن على يلدريم عن انتقال التنسيق الثنائي إلى منطقة شرق الفرات وكل المناطق التى يتواجد بها تنظيم بى كا كا بمعنى أنه سيكون تفاهم تنسيق أمني ثنائي لمنع تنظيم  داعش من العودة أو خلق فراغ يستفيد منه النظام وإيران وميليشياتها . 

لن تكون حساسية تركية من حضور أمريكي غرب الفرات كون ما تفعله أنقرة واضح علني وبنموذج مدني "نموذج جرابلس –عفرين "يعمل عل تحسين حياة السكان وعودة النازحين واللاجئين إلى بلدهم ومدنهم وقراهم دن أي تغيير ديموغرافي أو تطهير عرقي ويفترض أن يكون تعاطي أمريكي مماثل مع حضور تركي شرق الفرات خاصة في المدن السورية على طول الحدود المشتركة مع تركيا وحتى فى المدن والمناطق العربية التى يحتلها التنظيم ومارس ويمارس فيها نفس السياسات التى قام بها في منبج.

طبعا ثمة بعد سياسي آخر لخارطة طريق منبج والتفاهمات الأمريكة التركية الناشئة ينبغي التنبه له ويتعلق بالعلاقات أو التداخلات الإقليمية الدولية فى سوريا وتركيا لن تكون بوارد التضحية بعلاقاتها وتفاهماتها مع روسيا- إيران هنا لاعب وعنصر ثانوى- ولكنها ستعمل على حماية مصالحها والدفاع عن تصوراتها لكيفية التوصل إلى حل سياسى عادل ومستدام فى سوريا وفق روح إعلان جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة حتى لو لم تتم العملية نفسها في مدينة جنيف نفسها.