قدمت صحيفة وول ستريت جورنال قراءة جديدة بعد سقوط نظام الأسد لفيلم "أثر الأشباح" الذي قدمه المخرج والمؤلف جوناثان ميليت حول موضوعي العدالة في سوريا والخلاص من صدمة الحرب في فيلمٍ إنساني مشوّق شارك في تمثيله نخبة من الممثلين العرب.
وإننا في تلفزيون سوريا إذ نعرض هذه القراءة الجديدة إيماناً بدور الفن في مناصرة القضايا العادلة، لا نتبنى كل ما ورد فيها، بل نتعامل معه كتوثيق ونقد فني يمس أعمالاً تطرقت لمآسي السوريين وتروما الحرب واللجوء.
وفيما يأتي ترجمة تلفزيون سوريا لهذه المادة:
في أواخر العام الفائت، وإثر سقوط بشار الأسد، اندفع السوريون نحو سجن صيدنايا، حيث احتجز النظام وعذب وقتل من أعلن أنهم أعداؤه على مدار سنين طويلة، فكان مشهد فتح السجون يعبر عن انتصار تشوبه مأساة كبيرة، لأن من فتحوا حصن الشرور هذا صاروا مجبرين على مجابهة الخسائر التي لا تحصى التي وقعت فيه، فقد جابت مجموعات كثيرة من الناس باحاته، وبحثت داخل زنازينه، على أمل العثور على أثر لوجود أحبائهم أحياء، غير أن معظم من قدموا إلى هذا السجن لم يتوقعوا إلا الجزاء الأسوأ، وهو العثور على جثة قريبهم أو ورقة تحمل اسمه وتاريخ وفاته المفاجئ، ففي إحدى القوائم التي نشرتها الوول ستريت جورنال في كانون الأول الماضي، ورد بالتسلسل أسماء سجناء أحدهم أعدم والثاني كذلك، أما الثالث فقد فارق الحياة بسبب مرضه.
كان أحد الناجين من هذا الجحيم حميد (الذي يمثل دوره الممثل التونسي آدم بيسا) وهو بطل فيلم "أثر الأشباح" للمؤلف والمخرج جوناثان ميليت، وسواء أحاول المخرج أن يهرب حقاً من القضية الجوهرية الذي يطرحها فيلمه، نراه يقدم لنا مقطعاً ترويجياً صامتاً للفيلم يعكس وبشكل سطحي التوتر الذي يشوب مآسي العنف والنزوح. تبدأ أحداث الفيلم في عام 2014، وذلك عندما نميز رويداً رويداً وسط الظلام الأجساد التي ترتعش بعد أن وضعت في الجزء الخلفي لشاحنة، وذلك عندما يخترق نور الشمس بين الفينة والأخرى القماش الذي يغطي الجزء الخلفي منها، ويبقى الأمر كذلك إلى أن تتوقف وينادي العساكر على الشبان حتى يخرجوا للنور وسط صحراء قاحلة، حيث يقال لكل واحد منهم وهو يهرول: "انقلع"، في حين يتهاوى بعضهم على الأرض بعد أن يسيروا بضع خطوات.
بعد مرور عامين، نرى حميد في ستراسبورغ الفرنسية وهو يعمل بالبناء فيما يشبه قصة نجاح للاجئ، وهنا يحرمنا المخرج من مشاهدة ما حدث بالضبط، لأن ما يمارسه هذا الشاب تحيط به سرية كبيرة، إذ نراه بعد ذلك برفقة صبية شقراء جالسين على مقعد بإحدى الحدائق، وهناك تسلمه كتاباً، ثم ترحل، وقد خط اسم: سامي حنا على أحد صفحات هذا الكتاب، وذلك ما هو إلا اسم أو أحد الأسماء التي انتحلها الرجل الذي نذر حميد نفسه للعثور عليه، ذلك الرجل الذي لم ير حميد وجهه على الإطلاق عندما كان يعذبه أسبوعاً بعد أسبوع بين جدران سجن صيدنايا وأسواره.
تظهر أمامنا فكرة مخيفة لمؤامرة هدفها الانتقام، يقدمها لنا في هذا الفيلم الكاتب ميليت (وفلورانس روشاه التي شاركته في كتابة السيناريو)، وذلك بأسلوب يتعمد ألا يكون مثيراً، يذكرنا بعصر الكاتب الإنكليزي جون لوكاريه، لكنه أسلوب مفعم بالغرابة والغموض اللذين يشوبان السينما المعاصرة. يواظب حميد على التحدث مع أمه بالصوت والصورة، بما أنها تقيم في مخيم للاجئين بلبنان، وتعزي نفسها بأحلام حياة ابنها الرغيدة في أوروبا، كما يتواصل حميد بشكل دوري مع أعضاء مجموعة سرية كرست نفسها لتعقب مجرمي الحرب السوريين، وخلال تلك المحادثات تعترضنا شاشة الحاسوب، بما أن اجتماعاتهم تعقد عبر لعبة فيديو تضم عدة لاعبين، وهكذا يخوض حميد وبسخرية كبيرة حرباً افتراضية وهو يفكر بتداعيات الحرب الحقيقية التي يعتزم شنها.
"سوريا انتهت بالنسبة لنا"
تعتمد هذه المجموعة منهجية معينة، في الوقت الذي يتبع حميد غريزته، إذ بناء على نصيحة أسدتها له زميلته في اللجوء يارا (التي تلعب دورها الممثلة السورية حلا رجب)، يعتقد حميد بأن حنا يدرس الكيمياء، ولهذا يتوجه إلى الجامعة المقامة في تلك المنطقة، ويبدأ بمراقبة رجل رآه وهو يختفي في أحد الأزقة، فيتبعه وهو لا يدري لذلك سبباً، إذ لم تكن لديه سوى صورة غير واضحة ليقارن بين الشخص الموجود فيها وبين الشخص الذي يتبعه، إلا أن تلك الشكوك تقلقه وتتعبه، إذ هل هذا الشاب مجرد طالب عادي يحاول الاستفادة من وضعه كلاجئ؟ أم أنه مجرد قناع ومظهر خارجي يغطي وجه شخصية سادية؟ ولماذا يصعب التمييز بين الحالتين إلى هذا الحد؟!
يقدم بيسا تلك الشخصية بكل ما تحمل من ألم ومرارة، وذلك لأنها وهبت نفسها لشكل من أشكال العدالة، حتى لو كلفها تحقيق ذلك أن تغرق في ماضيها المليء بالصدمات، إذ يمضي حميد وقته وهو يستمع لشهادات سجلها ناجون وناجيات من سجن صيدنايا، ثم نكتشف أنه لم يخسر أجزاء منه في سوريا فحسب، بل خسر زوجته وابنته أيضاً اللتين قضتا بسبب القصف. ولهذا نجده في الأوقات التي لا يفتش عن جلاده، تنتابه مشاعر حرمان من أي شيء بوسعه أن يعيش لأجله، إذ عندما تطلب منه يارا بكل غنج ودلال أن يزورها في مكان عملها بمغسل الملابس، يجيبها بلا فهم: "لماذا؟"
أما ثاني أروع تمثيل في الفيلم فمن نصيب الممثل الفلسطيني توفيق برهوم الذي مثل دور الشخصية التي يشك حميد بأمرها، إذ عندما يلحق به حميد إلى مطعم لبناني مزدحم في ستراسبورغ، يجلس أحدهما قبالة الآخر على الطاولة نفسها، فيبدأ بينهما حوار يجسد عملية معالجة التوتر وضبطه ببراعة، وخلال تلك المحادثة يبدي برهوم خلالها جاذبية مقلقة تمزج بين مودة ابن البلد ونبرة الصوت التي تحمل تهديداً وكرهاً، إذ يقول في إحدى العبارات: "سوريا انتهت بالنسبة لنا"، إلا أن ذلك ليس بصحيح بالنسبة لكلا الشخصيتين، أي أن شبحي فيلم "أثر الأشباح" لن يتبددا بسهولة.
المصدر: The Wall Street Journal