قبلات مؤجلة..حكايات سورية راهنة

قبلات مؤجلة..حكايات سورية راهنة

الصورة
المخرج نيغول بزجيان
04 شباط 2019

توثيق الحكايات الفردية عملٌ مطلوبٌ في مواكبة أحوال بيئة واجتماع وأفراد "الثورة السورية" المُندلعة سلميًا في 18 مارس/ آذار 2011، قبل إخضاعها لحرب أسدية متوحّشة، مستمرة لغاية الآن ـ قادرة على فعلٍ أخلاقي ومهنيّ وفنّي ـ أدبي كهذا. الصُوَر الأولى للتظاهرات السلمية، المُلتَقَطة بواسطة أجهزة الهواتف الخلوية والكاميرات صغيرة الحجم، تؤكّد وعيًا عميقًا لأهمية الحدث الجماعي، ولأهمية الصورة أيضًا في مواكبة الحدث نفسه، وتعكس شيئًا من حساسية الفرد السوري إزاء المُنجَز الذي يتكوّن حينها بهدوء وعفوية، قبل أن تُفتَح أبواب الجحيم الأسديّ على الجميع.

الحكايات الفردية تلك منفلشةٌ في أنماطٍ أدبية وفنية مختلفة، لكن السينما تبقى الأبرز بينها. فرغم تأخّرها قليلاً عن مواكبة الحراك منذ بداياته، لكونها أبطأ في المقاربة وأعمق في التأمّل والتنبّه؛ إلاّ أنها، بفضل وثائقيات بصرية عديدة، سبّاقة في التنقيب الدقيق والهادئ عن حكاياتٍ كثيرة، يُمكنها أن تكون مرايا بيئة واجتماع وأناسٍ، وأن تعكس أحوالهم وانفعالاتهم، فإذا بها (الوثائقيات) تتحوّل إلى شهادات موثّقة، يُحافظ الاشتغالُ السينمائي فيها على مكانة أساسية في صنع غالبية أفلامها. والوثائقيات أقدر على منح الحكايات المروية على ألسنة أصحابها مصداقية أكبر وشفافية أعمق، مع سعيها (الوثائقيات)، في الوقت نفسه، إلى امتلاك صورتها السينمائية البحتة.

أحد الوثائقيات الأخيرة تلك يحمل عنوان "قبلات مؤجّلة" (2018، 93 دقيقة) لنيغول بزجيان (1955)، المنتمي إلى النوع البصريّ المعنيّ بتوثيق حكايات فردية لأناسٍ مُصابين بأعطابٍ في الروح والنفس والذات

من الصُور الملتقطة بأجهزة الهواتف الخلوية والكاميرات صغيرة الحجم، إلى حيوية سينمائية تُنتج وثائقيات يصل بعضها إلى منصّات دوليّة فاعلة في المشهد العام: بهذا، يُمكن اختزال التطوّر الذي تعرفه صناعة الأفلام السورية منذ البدايات الأولى للثورة المدنية. وبهذا أيضًا، يُمكن متابعة مئات الحكايات الفردية، الذاتية وغير الذاتية، الشَاهِدة على بطش نظام، أو انغلاق بيئة، أو تسلّط جماعات متزمّتة، أو انهيار أخلاقيّ. فالتصوير الوثائقي ـ التسجيلي المباشر (وهذا ضروريّ لنقل الحدث كما هو لحظة وقوعه، مثلاً) والسينمائيّ المشغول بحرفية ومهنية وجماليات مُثيرة للتنبّه والانفعال والتأمّل ـ مرتبطٌ بوقائع وتحوّلات ومسارات، وقادر على مواكبتها وتحصينها من الاندثار، ومتفاعل مع ناسها (المؤثّرين فيها أو الفاعلين فيها أو المُقيمين فيها الذين يتلقّون تأثيراتها) وحيويتهم ومواجعهم واشتغالاتهم.

أحد الوثائقيات الأخيرة تلك يحمل عنوان "قبلات مؤجّلة" (2018، 93 دقيقة) لنيغول بزجيان (1955)، المنتمي إلى النوع البصريّ المعنيّ بتوثيق حكايات فردية لأناسٍ مُصابين بأعطابٍ في الروح والنفس والذات، جرّاء هجرات يجدون أنفسهم فيها لأسبابٍ يغلب عليها راهن سوريّ قاسٍ ومدمِّر. ومع أن معظم شخصياته تُغادر سوريا بسبب تلك الحرب الشرسة، التي يُراد منها تدمير بلد وسحق شعب وتعطيل ذاكرة، أو بسبب ما قبلها من أهوال داخلية، إلاّ أن "قبلات مؤجّلة" يبتعد عن الراهن المباشر، محتفظًا بمسافة إنسانية وأخلاقية أكبر وأعمق مع مصائب ناتجة من واقع آني، لكنها متعلّقة بأسئلة الهوية والانتماء والهجرة والمنافي. فالسينمائيّ اللبناني المولود في حلب، والمُقيم فترة في الولايات المتحدّة الأميركية قبل عودته إلى بيروت مطلع تسعينيات القرن الـ20، يهجس بسؤال الهجرة، المطروح في تلك البقعة الجغرافية الممتدة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط منذ سنين مديدة، خصوصًا أن للهجرة في ذاكرته الفردية مكانة كبيرة، فهو متحدّر من عائلة مُهجّرة إلى حلب في زمن الأحداث التي عاشها الأرمن في الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918).

"شبح" ذاكرة جدّته ومرويّاتها عن الهجرة وحلب مسائل عالقة في ذهن نيغول بزجيان، ودافعة إياه إلى مواجهة نفسه بسؤال الهجرة الدائمة التي تعيشها عائلته أولاً، ومحيطه الاجتماعي والثقافي والإنساني ثانيًا، وصولاً إلى الألم الكبير الذي يُصيب حلب أيضًا في راهن ملطّخ بالدمار والغبار والعنف والدم. هذا كلّه تحريض أخلاقي وثقافي وإنساني له كي يسعى إلى اكشتاف معنى هذا المسار المليء بالهجرات والمنافي والتشنّجات، فيُنجز "قبلات مؤجّلة" كمن يقف أمام مرآة يرى فيها نفسه وروحه ومساراته، عبر شخصيات يعتبرها امتدادًا ما لهواجسه وتساؤلاته وتأمّلاته.

يرسم "قبلات مؤجّلة" لوحة إنسانية جميلة رغم مصاعب حكاياتها، ويضع تلك التساؤلات والهواجس في صميم السرد الحكائي لأفراد يختارهم نيغول بزجيان بدقّة واضحة

بين هوسٍ بسؤال الهجرة، المنبثقة منه تساؤلات عن الهوية والانتماء ومعنى الوطن والبيئة والمنافي، وراهن سوري مخضّب بالدم والعنف والقمع والأهوال، يرسم "قبلات مؤجّلة" لوحة إنسانية جميلة رغم مصاعب حكاياتها، ويضع تلك التساؤلات والهواجس في صميم السرد الحكائي لأفراد يختارهم نيغول بزجيان بدقّة واضحة، مُصرًّا على أن يكونوا فنانين، إذْ يتوزّعون على الإخراج السينمائي (فارتان مغرديتشيان، الذي يؤدّي دور المخرح بزجيان نفسه في لعبة مرايا بينهما) والتمثيل (أيمن مجد آغا) والموسيقى (أبو غابي) والرقص (يارا الحصباني) والرسم (ديالا بريسلي) والتصوير الفوتوغرافي (عمّار عبد ربّه). والتنويع في الفنون يُرافقه تنوّع المدن التي يهاجرون إليها (برلين وباريس ونانت وغيرها).

المآسي الفردية النابعة من أهوال العيش في جمهورية القتل تنعكس عبر كلامٍ وانفعالٍ وتعبير فني، وتقول شيئًا من رغبات مُعطّلة وأحلام موءودة؛ وعبر أعمالٍ يختار هؤلاء الاشتغال عليها أمام كاميرا نيغول بزجيان وعدسة عينه وروحه، في الوقت نفسه. لكن الرغبات المُعطّلة والأحلام الموءودة لن تحول دون نوعٍ من مصالحة روحية مع الذات، فتبقى الذاكرة حيّة من دون أن تمنع العيش، وتبقى الذكريات دافعًا إلى التقدّم خطوات ثابتة وهادئة إلى أمامٍ، ربما يكون زاخرا بمزيدٍ من الإنتاج والاختبارات والاجتهادات.

لوهلة، يبدو "قبلات مؤجّلة" مُنجزًا بطريقة تقليدية في بناء الفيلم الوثائقي، إذْ يتابع نيغول بزجيان كلّ شخصية على حدة، بعد ظهوره دقائق قليلة في بداية الفيلم متحدّثًا مع فارتان مغرديتشيان لإطلاق تلك الرحلة الإنسانية والبصرية في نفوس وتأمّلات وأحوال. والتتابع السردي لن يُقطَع بتداخل معقّد ومتشابك بين الشخصيات، إذْ يمنح بزجيان كلّ شخصية مساحة خاصّة بها، تتحرّك فيها وفقًا لأهوائها ورغباتها وسردياتها وبوحها واشتغالها، مكتفيًا بمتابعتها ومرافقتها في أزقّة وأمكنة ترتاح فيها وإليها تلك الشخصيات، في بلاد الاغتراب والمنافي. والتقطيع، الذي يفصل بين حكاية وأخرى، لن يُثقِل على السرد، بل يمنح شيئًا من استراحة مؤقّتة تُعين على استكمال الرحلة في متاهات الروح وتفاصيل الواقع وعيش الآنيّ.

بهذا، يختبر نيغول بزجيان أسلوبًا يمزج الإنسانيّ بالسينمائيّ: ترك الشخصية تتكلم بعفوية وصدق، والاكتفاء بنقل المرويّ إلى صُور سينمائية. ورغم هذا، فإن المخرج متدخّل، بمواربة فنية وجمالية بصرية، في تحريض الشخصيات على البوح والتعبير، قبل التصوير أي خارج الـ"كادر"، بطرح أسئلة، وبنقاشٍ ينبع من ثقة تدفع كلّ شخصية إلى راحة في حضرة السينمائيّ، ما يتيح للشخصية قولاً أصدق وأعمق.

هكذا يُخرج نيغول بزجيان فيلمه من سردية تقليدية، مانحًا إياه بُعدًا أعمق في سبر أغوار (أو بعض أغوار) تلك النفوس والتأمّلات والأحوال، من خلال المساحة الخاصة بكل شخصية، وأيضًا عبر كاميرا (بزجيان نفسه، بالتعاون مع شانتال برتاميان وإيلي جي برتاميان) تُرافق الشخصية، وتخترق عوالمها، وتأخذ منها ما يصنع تلك الحكاية العامة عن الهجرة والمنفى والاغتراب، وعن معنى الذاكرة والألم، وعن العيش على الخطّ، الوهميّ ربما، بين خرابٍ وأحلام.

 

شارك برأيك