قاعدة "التنف" ومستقبل الصراع الدولي والإقليمي في البادية السورية

تاريخ النشر: 28.02.2018 | 11:02 دمشق

تلفزيون سوريا- فراس محمد

تحولت البادية السورية خلال عام 2017 لساحة صراع دولية وإقليمية وخاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران، وذلك عبر وكلاء محليين سوريين، حيث استطاع النظام السوري والمليشيات الطائفية الموالية لإيران وبغطاء جوي روسي التقدم في عمق البادية السورية وصولاً إلى الحدود السورية العراقية، قاطعاً الطريق على فصائل المعارضة السورية المتمركزة في قاعدة التنف التي كانت تتحضر للسيطرة على محافظة دير الزور.

ويرى كثير من المتابعين أن روسيا نجحت في عقد مقايضة مع الولايات المتحدة سمحت من خلالها الأخيرة بسيطرة النظام والميليشيات الإيرانية على معظم البادية وصولاً إلى الحدود العراقية السورية عند منطقة البوكمال، وخاصة بعد تفكيك قاعدة الزلف التابعة للتحالف الدولي التي كانت قاعدة انطلاق لفصائل الجيش الحر باتجاه دير الزور، بينما ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية متمسكة بتأمين قاعدة التنف بدائرة قطرها 55 كم.

لماذا قاعدة التنف؟

تقع قاعدة التحالف الدولي في التنف ضمن جيب عسكري بدائرة قطرها 55 كم، ويحظر البنتاغون الاقتراب منها تحت طائلة التدمير، حيث يصفها المحلل العسكري العقيد السوري المنشق فايز الأسمر بأنها محمية بريطانية أمريكية نرويجية تم إنشاؤها قبل عامين بهدف تدريب بعض فصائل الجيش الحر المدعومة من التحالف بهدف قتال تنظيم الدولة في دير الزور.

 

 

ويضيف الأسمر في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا "كان الهدف من إنشاء القاعدة تدريب مقاتلي الجيش الحر لقتال التنظيم في دير الزور، لكن بعد التفاهمات الدولية بين روسيا وأمريكا في سوريا منعت أمريكا فصائل الجيش الحر من الوصول لدير الزور، وافسحت المجال أمام قوات النظام والميليشيات الموالية لإيران وبدعم جوي روسي للتقدم والسيطرة على معظم البادية السورية ومناطق محافظة دير الزور الواقعة جنوب وغرب نهر الفرات أو ما يعرف بمطقة الشامية، بينما سيطرت على قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا على منطقة الجزيرة السورية الواقعة شمال وشرق نهر الفرات".

وتنظر موسكو لقاعدة التنف بعين الريبة حيث اتهمت وزارة الدفاع الروسية في بيان لها بشهر تشرين أول الماضي القاعدة بأنها تلعب دوراً مشبوها في سوريا، وأصبحت ثقباً أسود بطول 100 كيلومتر، وتخرَّج منها، بدلاً من "جيش حر" جديد، مجموعات قتالية من تنظيم "الدولة الإسلامية" على حد وصف البيان.

في حين طالب قبل أيام وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف بإغلاق القاعدة محذراً الولايات المتحدة من اللعب بالنار في سوريا.

وحول الريبة الروسية من قاعدة التنف فيرى العقيد فايز الأسمر بأن أمريكا تعتبر القاعدة نقطة ارتكاز مهمة لتهديد طريق ميليشيات إيران البري باتجاه دمشق، وبدرجة اقل لتهديد المصالح الروسية في البادية، وقد تستخدمها مستقبلاً كورقة مساومة في صيغة الحل النهائي في سوريا.

 

 

أما عبد الوهاب عاصي الباحث في مركز جسور للدراسات فقد لخص في حديث لموقع تلفزيون سوريا أهداف واشنطن الاستراتيجية من وراء الإبقاء على القاعدة وحمايتها بعدة نقاط هي.

1. اختراق ومراقبة النفوذ العسكري الإيراني والروسي في الضفة اليسرى لنهر الفرات والذي يمتد على مساحات كبيرة في البادية السورية. بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد فرض حالة من عدم الاستقرار على موسكو وطهران اللتين تعملان على إنشاء نقاط وقواعد عسكرية وسط البادية، حيث يُمكن أن تشن فصائل المعارضة المدربة أمريكاً هجوماً واسعاً في حال حصل أي تجاوز يخرج عن نطاق التفاهمات حول المنطقة والتي حصلت أواخر العام الماضي.

2. منع إيران من إنشاء ممر بري آمن ومستقر يصل طهران بالبحر المتوسط، فالطريق الرسمي يقع ضمن نطاق جيب التنف العسكري الذي تسيطر عليه واشنطن وحلفائها من المعارضة المسلحة. وحتى في حال أرادت إيران إنشاء طريق جديد فهذا الأمر سيتطلب وقتاً كبيراً وهي لا تضمن الظروف المستقبلية.

3. تأمين منطقة النفوذ الأمريكي شرق سوريا حيث تتواجد قوات سوريا الديمقراطية، وجنوب سوريا، حيث تتواجد فصائل المعارضة المسلحة، وتتوسط قاعدة التنف هاتين المنطقتين، وهي توفر خط اتصال بري وجوي في حال حصل أي تجاوز عسكري أو اختراق سواءً من قبل النظام السوري أو الميليشيات الأخرى المدعومة من إيران وروسيا، عدا عن هدف محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم داعش.

4. حماية فصائل المعارضة السورية في البادية، التي وافقت على إخلاء مساحات كبيرة كانت خاضعة لها، استجابة لمطالب الولايات المتحدة الأمريكية، ويُمكن القول إن واشنطن لديها رغبة في تحويل القوى المسلحة في القاعدة وهم "جيش أسود الشرقية، قوات أحمد العبدو، جيش العشائر، لواء شهداء القريتين، مغاوير الثورة"، إلى فيلق عسكري، لكن للحظة لا توجد خطوات جدية لتحقيق ذلك.

5. يمثل جيب التنف نقطة انطلاق عسكرية للسيطرة على كامل الشريط الحدودي مع الأردن والعراق، في حال أرادت واشنطن مستقبلاً خلق منطقة نفوذ متصلة بين البادية من البوكمال حتى مناطق درعا ومحيطها، وهذا الأمر مرتبط أصلاً بالتفاهمات الدولية مع روسيا وإسرائيل والأردن والعراق، والتي إن حصل أي تعارض فيها قد يؤدي إلى السيناريو العسكري.

ما أهمية البادية السورية؟

 

 

تستمد البادية السورية أهميتها الاستراتيجية من مساحتها التي تشكل تقريبا حوالي ثلث مساحة سوريا، كما أنها تربط سوريا بكل من الأردن والعراق، بينما يشكل الجانب الاقتصادي المتمثل بانتشار أبار النفط والغاز وحقول الفوسفات عاملاً إضافياً في تأجيج الصراع الدولي والإقليمي للسيطرة على الفراغ الذي تركه تنظيم "الدولة الإسلامية" في البادية.

فالتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ينظر للبادية السورية من باب حماية حدود الأردن من أي تهديد وقطع طرق أمداد تنظيم "الدولة الإسلامية" بين العراق وسوريا، ومحاولة تطويق النفوذ الإيراني بالمنطقة من خلال قطع طريق إيران البري الذي يصل طهران ببغداد ودمشق وصولاً لبيروت.

بالمقابل تسعى روسيا لإحكام سيطرتها على حقول النفط والغاز والفوسفات في البادية، وتعويم النظام السوري من خلال احتكار جبهات دير الزور وبالتالي تعزيز موقف روسيا ورؤيتها للحل في سوريا، وتطويق النفوذ الأمريكي وحصره بقاعدة التنف، وهو ما يتوافق مع الطموحات الإيرانية التي نجحت من خلال مشاركة الميليشيات الموالية لها في السيطرة على مدينة البوكمال وأمنت طريق أمداد ميليشياتها باتجاه العراق بعد قطع طريق معبر التنف الدولي.

وأمام صراع المصالح الإقليمي والدولي المعقد الذي تشهده سوريا يبدو أن الواقع الذي فرضته ظروف الحرب الدولية على تنظيم "الدولة الإسلامية"، ونتج عنه سيطرة النظام والمليشيات الموالية لإيران على البادية السورية، لن يكون نهائياً، وسيكون لقاعدة "التنف" دوراً مهماً في تحديد الجهة التي ستحكم سيطرتها على البادية السورية مستقبلاً.

مقالات مقترحة
المطاعم السورية تعود لاستقبال روّادها في غازي عنتاب والوالي يحذر
كورونا.. استعداد لخطة الطوارئ في مناطق سيطرة النظام
تحذير أميركي من استخدام عقار مضاد للطفيليات لعلاج فيروس كورونا