قارورة غاز تصنع جمالية سينمائية

قارورة غاز تصنع جمالية سينمائية

الصورة
12 شباط 2019

يُذكِّر مشهد صفوف طويلة لمواطنين سوريين كثيرين، ينتظرون الحصول على قوارير الغاز، قبل أسابيع قليلة، بمشاهد شبيهة بها تعرفها مدن مُقيمة في حروبٍ داخلية. مشهد يعكس وقائع راهنة، في ظلّ حربٍ مفتوحة على الناس أولاً، إذْ تنعدم أبسط الحقوق والحاجات، بل يُحرمون منها قصدًا، ويُصبح البحثُ عن مأكلٍ ومَشربٍ ومأوى ومتطلّبات عيشٍ عاديّ رحلةً في جحيم مُلتهب.

فبالإضافة إلى إذلال الفرد قبل حصوله على حقّ طبيعي له، إنْ يحصل عليه أصلاً، متأتٍ (الإذلال) من شنّ حربٍ عليه بحجج واهية، يبدو المشهد كأنه صورة فوتوغرافية بالأسود والأبيض، تلتقط لحظات المَهانة التي يتعرّض لها أناسٌ يريدون حقوقهم البشرية والإنسانية والحياتية. وهذا، إذْ يُصيب فردًا وجماعة وبيئة وبُنى متكاملة، يؤدّي إلى محاصرة الجميع بإنزال عقوبة جماعية عليهم، أبرز بنودها كامنةٌ في منع الناس من الحصول على قوت وماء وكهرباء وإقامة هادئة.

البحث عن قارورة غاز يُصبح منطلقًا دراميًا لسردٍ حكائيّ، تتّخذه المخرجة السورية سؤدد كعدان حجّة للذهاب بعيدًا في التأمّل البصري والأخلاقي والإنساني في أحوال بلد وناسه

لكن البحثَ عن قارورة غاز يُصبح منطلقًا دراميًا لسردٍ حكائيّ، تتّخذه المخرجة السورية سؤدد كعدان حجّة للذهاب بعيدًا في التأمّل البصري والأخلاقي والإنساني في أحوال بلد وناسه، بعيدًا عن شعارات وخطابات ومواقف متفرّقة. فالنص السينمائيّ يقول، ببساطة، إنّ أمًّا تُريد تحضير عشاء لوحيدها، فإذا بها تحتاج إلى قارورة غاز. وعند مغادرتها المنزل على أمل العودة السريعة إليه حاملة معها ما تريده، تجد نفسها في مغامرة محفوفة بشتّى أنواع المخاطر، تتكشّف خلالها جوانب عديدة من حربٍ وموتٍ وتمزّقات ومَوَاجع وحالات ونفسيات ومواقع. أي أن مطلبًا طبيعيًا لعائلةٍ مؤلّفة من فردين اثنين فقط، تفقده العائلة نفسها في لحظة انهيار بلد واجتماع وناسٍ، ينكأ مزيدًا من جراح، بعضها شخصي (غياب الزوج/ الأب مثلاً) وبعضها عام (حراكٌ مدني عفوي سلمي يُفرَض عليه عنفُ سلطة متوحشّة).

والفيلم المذكور، "يوم أضعت ظلّي" (2018)، لن يُقدِّم صُورًا مباشرة ومتداولة عن حربٍ وبشاعات، رغم أن الحرب والبشاعات تظهر بمواربة جمالية، تحصّن الأصل من السقوط في فخّ الكليشيهات السياسية والفكرية، والخطابية الإنسانية الممجوجة. فالروائي الطويل الأول لكعدان ـ الفائز بجائزة "أسد المستقبل" في مسابقة "آفاق"، المعروض فيها للمرة الأولى دوليًا، أثناء الدورة الـ 75 (29 أغسطس/ آب ـ 8 سبتمبر/ أيلول 2018) لـ"مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي" ـ يمتلك جرأة الغوص في تأثيرات الحرب والبشاعات من دون إظهارها مباشرة، وفي تناول هموم ناشئة من حطام الموت والعنف، وفي قراءة تفاصيل جانبية ستكون جزءًا من لعبة المرايا المحطّمة والظلال المفقودة.

 

سؤدد كعدان تستلم جائزة أسد المستقبل

 

أرادت سناء (سوسن أرشيد) تحضير عشاء لوحيدها خليل (أحمد مرهف آل علي) في منزلها في دمشق. لكن قارورة الغاز تنفد، فتُقرِّر شراء أخرى، من دون أن تتمكّن من تحقيق مرادها، إذْ يستولي جنود سوريون على الموجود كلّه في محل لبيعها قريب من منزلها، حارمين الناس من الحصول على مبتغاهم. حينها، تلتقي الشقيقين جلال (سامر إسماعيل) وريم (الكسار)، اللذين يبحثان هما أيضًا عن تلك القارورة التي تبدو كأنها حلم موؤود أو مستقبل معطوب. معًا، يبدؤون مشوارًا يُفترض به ألاّ يطول، كي يحصلوا على المطلوب من مكان قريب. عندها، تنفتح أبواب الجحيم عليهم، رغم أنها (الأبواب) مفتوحة على الجميع منذ فترة سابقة على لقائهم معًا صدفة.

 

ريهام الكسار وسوسن أرشيد وسامر اسماعيل

 

تجوالٌ قاسٍ ومرير يقومون به، فيكشف لهم ومعهم أحوالاً ومفاصل وانكسارات وخيبات. سائق سيارة الأجرة ـ الموافق على إيصالهم إلى حيّ قريب رغم المخاطر ـ يحمل صُورًا يتوجّب عليه إيصالها إلى أحدهم كي تُنْشَر خارج البلد، لكشف بعض أحوال البلد. صُور يُفترض بجنود النظام ألاّ يعثروا عليها، ما يدفعه إلى الهرب منهم خوفًا من كشف ما يحمله، قبل أن "يطرد" الثلاثة من سيارته ويختفي بعيدًا. هذا كلّه سيكون تحوّلاً ثانيًا في المسار الحكائيّ الدرامي، لكنه الأعمق والأخطر، لأنه يضع سناء أمام مخاوف راهنها محرّضًا إياها على مواجهتها عبر مخاضٍ حاد ومضطرب، ويدفع جلال وريم إلى مواجهة أشباح ماضيهما، عبر التأمّل الصامت حينًا والمتوتر والغاضب حينًا آخر في الآنيّ الذي يمرّان فيه.

التحوّل الثاني مدخلٌ إلى عالمٍ ممتلئ بأسئلة معلّقة عن الانتماء والمواجهة والتحدّي، وعن الموت والخراب، وعن الظلال التي تختفي، وعن التطهّر (أو محاولة التطهّر) من أغطية تحول دون تنبّه مختلف لوقائع وتفاصيل. لقاءات عديدة تحصل مع أناسٍ مختلفين، تمنح سناء منافذ إلى ذاتها، فإذا بمعاينتها اختفاء ظلالها وظلال آخرين تبدو كأنها تعثر على منفذٍ سوداوي يُعيدها إلى ابنها، من دون أن يُعيدها كلّيًا إلى نفسها. فظلّها في منزلها يختفي، كمن يقول باغتراب ناتجٍ من وحشية ما يحصل خارج المنزل. وفي درب جلجلتها، ينكشف الشقيقان أيضًا، وإنْ يذهب كلّ واحد منهما في دربٍ، لن يكون أقلّ قسوة أو أخف خطورة. فجلال يَلقى حتفه فتعثر سناء على جثته، وتحاول حمايته من موتٍ ثانٍ يريد جندي إنزاله به (بإطلاق الرصاص على الجثّة) قبل انصرافه عنهما. وريم تدخل نفق الانهيار الذاتي، فجلال يُقتل بعد أعوام قليلة على مقتل شقيقهما جرّاء التعذيب في أحد معتقلات النظام. لكن ريم تتمكّن من مصالحة ما مع ذاتها، إذْ تستعيد ألق حضورها في فعلٍ ميداني، وتُشارك آخرين همومهم، وتنصرف إلى مواجهة مختلفة لها مع أشباحها ومخاوفها وخيباتها.

فجلال يَلقى حتفه فتعثر سناء على جثته، وتحاول حمايته من موتٍ ثانٍ يريد جندي إنزاله به (بإطلاق الرصاص على الجثّة) قبل انصرافه عنهما

بين الرغبة في تحضير عشاء متواضع لوحيدها، والعودة إليه من دون قارورة غاز بل بكثيرٍ من الألم والتمزّق وانعدام الصفاء والهناء، تختبر سناء عيشًا مريرًا يحثّها على تبيان خواء التقوقع، أو على معنى الاختفاء بين عبثية الواقع وصدمات المتخيّل. في رحلتها تلك، ستكون مرآة كلّ شيء ومرآة نفسها، فتتعرّى أمام ذاتها لكن المُصاب أليم وقوي وعميق. واختفاء الظلال يطالها أيضًا، فتلتفّ على وحيدها خليل، كأنه النجاة الأخيرة.

في سردها حكاية التجوال المرير في العنف والدمار، المُصوَّرَين بحساسية سينمائية تتيح لهما الاختفاء شبه التام لحساب الصورة والسرد، تعتمد سؤدد كعدان (كاتبة السيناريو أيضًا) لغة الصمت غالبًا، وهي الأجمل في تحصين التأمّل وتعميقه، وفي إتاحة مساحات واسعة ليتمدّد في مفاصل الحكاية وخفاياها وبواطنها. كلامٌ قليل ترافقه موسيقى قليلة (كنان العظمة)، وصمتٌ مكثّف على خلفية موسيقية أهدأ، يُصبحان مع كعدان ركيزة درامية لنصّ يدعو إلى مزيد من الحفر الذاتي في الجسد والروح والنفس والعقل، حيث يتمدّد بلد واجتماع وبيئات، وحيث يبثّ الموت والعنف أطلال الغياب وصُور الظلال المختفية (مونتاج وهندسة الصوت لتوماس روبير).

اللعبة السينمائية التي تعتمدها سؤدد كعدان ترتكز على لغة الصور والتعبير البصري، وهي ـ في "يوم أضعت ظلّي" ـ تتمكّن من تفعيل حضورهما

والكلام القليل يقوله أناس غير معنيين بتحليل واقع أو بتفكيك حالة، بقدر ما ينبثق كلامهم من جوانيّتهم المحمّلة بكمّ هائل من المطبّات والقلق والارتباكات والرغبات. أناس يتصرّفون كما يجب عليهم أن يتصرّفوا في أحوال مريرة كتلك، وفي سياق عيش كهذا. لكن اللعبة السينمائية التي تعتمدها سؤدد كعدان ترتكز على لغة الصور والتعبير البصري، وهي ـ في "يوم أضعت ظلّي" ـ تتمكّن من تفعيل حضورهما، فتجعلهما نواة البناء الدرامي والجمالي والتمثيلي.

البحث عن قارورة غاز صورة من صُوَر العيش في لحظات الخراب المديد، لكنه سيكون أيضًا جوهر صنيع سينمائيّ، مفتوح على أسئلة الحياة والموت والعلاقات والآمال والتأمّلات.

شارك برأيك