في يومها العالمي: ملامح من واقع المرأة السورية

تاريخ النشر: 12.03.2018 | 09:03 دمشق

آخر تحديث: 24.04.2018 | 23:13 دمشق

تدعم مجموعة «شقائق النعمان» جيش النظام. تطبخ النساء الخمسينيات لجنده ، وتشتريالملابس الداخلية والبيجامات والأحذية الرياضية، بعد أن يحصلن على التبرعات من داعمين محليين رسميين وأهليين، ثم ينطلقن إلى خطوط التماس، التي تتجاوز أحياناً حدود محافظتهن اللاذقية. ورغم الطابع المدني للمساعدات التي تقدمها المجموعة، وسواها، إلا أن هدفها معلن: ندعم مقاتلينا كي ينتصروا، هنا في كنسبّا وهناك في الغوطة. ففي نظر «أمهات الجنود» هؤلاء، كما يحببن أن يوصفن، لا نساء في الغوطة. وإن وجدن فهن «مجاهدات نكاح» أو عائلات الإرهابيين ويستحقون مصيرهم نفسه. فللحنان حدود والأمومة «وطنية»!

منذ أن استكملت البيئة العلوية اصطفافها الحربي، بوصفها الدرع الألصق بالنظام، في 2011، توزعت الأدوار فيها وفق الخطوط التقليدية المعروفة، يذهب الرجال إلى القتال فيما تبقى النساء في البيوت لرعاية الأطفال. ومع عودة الكثير من العائلات من مواطن عيشها في المدن المختلفة إلى قراها الأصلية، بسبب المخاوف من اعتداءات طائفية، ازداد تبلور الصورة. فالنساء في الديار والرجال في الحرب... بعيدون في مناطق غير مألوفة على السمع. هناك في السخنة، في البوكمال، في أوتايا. حيث شبكة الاتصالات تكاد تعمل وقد ترد في أي لحظة مكالمة الوداع أو التهنئة «بالشهادة».

رغم أن النظام أنشأ الكلية العسكرية للبنات منذ عام 1982 فإنه لم يأخذها على محمل الجد كما يبدو، حتى في هذه الظروف التي يعاني فيها نقصاً واضحاً في أعداد مقاتليه. وقد اقتصر الحضور العسكري للنساء في صفوفه على الديكور الذي يحتاج إليه حين يدعو صحافيين أجانب لحملة دعاية أو يجاري حلفاءه الروس. وبالقياس إلى التحرر الاجتماعي والمشاركة الواسعة في سوق العمل، مما اتسمت به المرأة العلوية قبل الثورة، يبدو موقعها الحالي متراجعاً إلى حد كبير. بعد أن انحصر في كونها «أم الشهيد» أو «خطيبة العسكري» أو «عروس معاق الحرب»، المطلوب منها فقط هو «الوفاء» للمقاتلين ورعاية الأسرة وتدبير معيشتها في ظل انهيار العملة وتدهور القدرة الشرائية للرواتب الحكومية، وهي المصدر الرئيسي للدخل هنا. فضلاً عن تحويل «التعفيش» الذي قد يأتي به الرجال إلى طعام وشراب وملابس. وعندما يسمح الوقت، الدخول إلى فيسبوك عبر الموبايل وممارسة واجبها في الدعوة، بضراوة كما يليق «بلبوة»، إلى استمرار حرب النظام حتى «تطهير» كامل البلاد وسحق الثورة وحاضنتها البشرية والجغرافية.

"أما الناشطات فقد ذهبن مع مرحلة الناشطين. ترى صورهن في المنافي يشاركن في الاعتصامات يوم الأحد، أو يلقين شعراً في مقاه صغيرة وأنيقة بعد أن يينهيندروس اللغة." 

في المدن الكبرى، العاصمة دمشق وحلب وحماة، يعيش خليط من مؤيدي النظام وكارهيه السريين ورماديين ومضادين للتغيير. لا تعمل المرأة في الغالب. وقد رسمت الضرورات المتراكمة خلال السنين الماضية برنامج يومها المقسوم بين التحايل لتحقيق أفضل استفادة من الخدمات العرجاء التي تقدمها الحكومة (ماء – كهرباء – وقود للتدفئة)، وتدبير المنزل مع تراجع دخل الجميع، وترميم التعليم المنقوص الذي يتلقاه الأولاد في المدارس. متخللة كل ذلك بالدعاء الحار للأزواج والأبناء والإخوة ألا تطالهم يد الخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية. إذ تحتل مسألة تأجيل الشبان أو تهريبهم إلى الخارج مكاناً محورياً من التفكير وتبادل الخبرات وحسابات المصاغ. فهنا لا أحد، تقريباً، مستعد لأن يموت في سبيل الأسد الذي يسارعون إلى إظهار الولاء له على الحواجز.

حافظ النظام على حضور المرأة في واجهة الدولة، كالحكومة ومجلس الشعب، استمراراً لنهجه البعثي، وأكثر لتعزيز صورته كنظام علماني يواجه معارضة إسلامية متطرفة، لمن يريد أن يصدّق في الغرب. ولكن هذه الواجهة، غير المؤثرة في سياسات البلد بالأصل، صارت أقل أهمية في ظل الحرب، بعد أن انحصر ما تبقى من سلطات جدية للنظام في يد ضباط الجيش والأمن، الذكور بالطبع.

على الجانب الآخر يبدو المشهد مألوفاً، وهو ما ينصرف إليه الذهن عند الحديث عن «المرأة السورية» الآن، ويظهر على الفضائيات وأغلفة المجلات. أم رثة الثياب في أحد مخيمات النزوح في الداخل أو في دول الجوار، تنظر إلى الأفق بقلق. وفيما تستذكر النسويات أدواراً لعبتها المرأة في الثورة، سواء في التنسيقيات أو في المدن والبلدات التي اتسعت فيها الاحتجاجات فصارت شاملة، ودفعت بعضهن أثماناً باهظة في المعتقلات، فإن شيئاً من هذا لا يطفو على السطح الآن، مع سيادة الطابع المحافظ أو الإسلامي على المناطق المحررة وعمليات تكسير الركب التي يمارسها النظام عليها وتنجح في شل معالم فاعلية الرجال والنساء. ومع انحصار المناطق التي يسيطر عليها الثوار بالأرياف السنّية العربية في الشمال والجنوب والوسط، لا يبدو أن دور المرأة قد تراجع كثيراً بالقياس إلى ما كان عليه هناك قبل الثورة.

أما الناشطات فقد ذهبن مع مرحلة الناشطين. ترى صورهن في المنافي تشاركن في الاعتصامات يوم الأحد، أو تلقين شعراً في مقاه صغيرة وأنيقة بعد أن تنهين دروس اللغة. ومن كانت أكبر عمراً أو أوفر خبرة وطمحت إلى دور سياسي لم تعان كثيراً كي تحتل كرسياً في المعارضة، ولم تتعرض لصراع قوي على النفوذ في هياكل لا نفوذ لها أصلاً. فإذا كانت المهمة المطلوبة هي زيارة العواصم لشرح القضية السورية من جديد وطلب تأييدها، فإنه ليس هناك سبب يوحي أن الرجل أنجح في ذلك من المرأة، طالما أنه لا نتيجة فعلية من هذه المحادثات كلها في ظل العجز الدولي القائم.

وكعادة الموظفين الدوليين في تشكيل وفد نسائي غير رسمي لمفاوضات السلام، اختار دي ميستورا «نساءه» كما عرفن. ولكن الاستخفاف بالوفد لم يتوقف عند حدود هذا التعريض بل تخطاه إلى السؤال عن معنى وجود الوفد المكمل لمفاوضات لا تحدث بالأساس!؟

فيما تبدو الداعشيات، أو المتزوجات من دواعش بالأحرى، الأكثر ذهولاً. فبعد زواج قصير ها هنّ أرامل أو طريدات مع أزواجهن وطفل أو طفلين. وبالنظر إلى أن الارتباط قد تم باتفاق بين الرجال وحدهم في الغالب، طمعاً في المال أو النفوذ أو خوفاً، وباعتبار حواجز اللغة وسواها التي حدّت من تأثير المهاجرات اللواتي تمتعن، على الأقل، بمستوى ملحوظ من تبلور الخيار، فقد ظلت الزوجات المحليات لعناصر التنظيم دون تماسك شخصي أو سند إيماني متين. وتبدون الأقل حيلة بأعمارهن الصغيرة وحطام عالمهن العجائبي الذي بني كيفما اتفق ووعد أنه باق إلى الأبد، فسرق مصائرهن في سنوات عاصفة.

ووفق الإرادوية نفسها، تقريباً، يُجلس حزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي نساءه في الجانب المضيء من المنصة، متكئاً على التراث اليساري لحركات التحرر في أمريكا اللاتينية وعلى واقع يسوّق فيه صورته لدى داعميه الأميركان الشماليين، في مشهد مخادع أيضاً. فرغم أن وحدات حماية المرأة YPJ وحدات مقاتلة بالفعل فإن دور هذه الريفيات الصغيرات مستغرق في السلاح والتقاط الصور الترويجية في إطار حزب مضبوط بشكل فاشي. وحالما ينهي معاركه ينصب، في ساحة المدينة المسيطر عليها، صورة ذلك الرجل بشواربه الكثة.

أما المهاجرون إلى أوروبا فلم يستقروا بشكل كاف بعد لتبين معالم جالياتهم ونسائها. ولكن أحدث ما وردنا عنهم هو بث أبو مروان والدماء تقطر من يده بعد قتل طليقته التي لم نعرف عنها شيئاً مهماً، وهو يقول: «ضربتها بالسكينة بس ما صرلي شي»... كم تذكّر الجملة بسورية وببشار الأسد.