منذ سقوط نظام الأسد، لم يعد الصراع في سوريا سياسياً أو عسكرياً، بل أضحى صراعاً على امتلاك الذاكرة والرموز والشرعية نفسها. وفي قلب هذا الصراع، برز "عيد الشهداء" كساحة لإعادة تعريف الشهادة: من يستحقها، ومن يُقصى عنها، ومن يحق له تقديم سردية التضحية باسم الشعب السوري.
لم يكن تعديل روزنامة العطل الرسمية مجرد إجراء بروتوكولي فحسب، بل إنه يعبر عن محاولة لهندسة الذاكرة العامة، وتحديد المناسبات التي ينبغي أن تشكل الوعي الوطني في المرحلة الجديدة. ففي الدول الخارجة من التحولات العنيفة، يصبح التحكم بالرموز جزءاً من إعادة بناء الشرعية، وبذلك يتحول مفهوم "الشهادة" إلى أداة مركزية لترسيم الحدود بين الماضي والحاضر، وبين الضحية والجلاد.
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، في 5 تشرين الأول الفائت، مرسوماً أضاف أعياداً رسمية جديدة إلى قائمة العطل الرسمية، بينها "عيد الثورة السورية" في 18 آذار، و"عيد التحرير" في 8 كانون الأول. كما ألغى المرسوم رقم (188) لعام 2025 "عيد الشهداء"، إلى جانب مناسبات أخرى مثل "حرب تشرين" و"ذكرى ثورة الثامن من آذار"، التي ارتبطت بوصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963.
ورغم أن "عيد الشهداء" سبق نظام البعث بعقود طويلة، فإن ارتباطه لاحقاً بخطاب السلطة جعله جزءاً من الجدل الدائر حول الرموز التي ينبغي الاحتفاظ بها أو إعادة تعريفها بعد سقوط النظام. إذ تعود أقدم وثيقة تنص على اعتبار السادس من أيار عيداً للشهداء إلى عام 1925، حين أصدر الرئيس السوري في عهد الانتداب الفرنسي صبحي بركات الخالدي مرسوماً بهذا الخصوص، ووقع عليه المندوب السامي الفرنسي، وفق ما نشرته منصة "التاريخ السوري المعاصر".
ويرتبط "عيد الشهداء" بعمليات الإعدام التي نفذتها السلطات العثمانية بحق عدد من السوريين واللبنانيين في دمشق وبيروت، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1915 و1917، في حين اختير يوم السادس من أيار بسبب العدد الأكبر من الإعدامات التي نُفذت في ذلك اليوم من عام 1916.
في الفترات الانتقالية التي تعقب التحولات العنيفة، تظهر حاجة ملحة لإعادة تعريف رمزية "الشهادة" وأهميتها في مسيرة الشعوب، لأن الأنظمة الجديدة تسعى إلى بناء شرعية مختلفة تتيح لها كتابة سردية وطنية تمايز بين الماضي والحاضر. وهنا تصبح الشهادة أداة شديدة الحساسية، ليس لأنها تحدد مشروعية القضية التي ناضل من أجلها الضحايا وخسروا حياتهم فحسب، بل لأنها ترسم أيضاً الحدود الأخلاقية بين الجاني والمجني عليه، وتشكل الذاكرة الجمعية التي تفرض على المجتمع ما يجب أن يتذكره وأن ينساه.
وعندما يُلغى (عيد الشهداء) أو يُعاد تعريفه ضمن أطر جديدة، فإن القضية لا تتعلق بتعديل مناسبة رسمية فحسب، بل بإعادة كتابة التاريخ نفسه، وتحديد من يستحق الخلود الرمزي في الذاكرة العامة، لأن الأنظمة لا تتحكم بالحاضر فقط، بل تحدد أيضاً من يحق له البقاء في الوعي الجمعي بوصفه بطلاً أو ضحية أو شهيداً وفقاً لتصنيفاتها.
العراق: تفكك سردية الشهادة في ظل تفكك البلد
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، شهد العراق تحولاً جذرياً في مفهوم الشهادة. فقد كان العراق يحتفل بـ"يوم الشهيد العراقي" في الأول من كانون الأول، وهو يوم كرّسه نظام البعث لتخليد الجنود والضباط العراقيين الذين وقعوا في الأسر عند الجيش الإيراني أثناء ما يعرف بحرب القادسية الثانية (أي حرب الخليج الأولى) إلى جانب إحياء ذكرى الشهداء الذين قتلوا في تلك الحرب ومن دافعوا عن العراق منذ تأسيس دولته، وذلك ضمن خطاب لم يكن إنسانياً بقدر ما كان محاولة لبناء شرعية سياسية للنظام نفسه.
لكن بعد سقوط النظام، فقد هذا اليوم رمزيته المرتبطة بحكم البعث، وظهرت بالمقابل تواريخ أخرى لتخليد ضحايا النظام السابق، وضحايا الإرهاب بعد عام 2003، وضحايا الحرب الطائفية. وهكذا لم يستبدل عيد بآخر أو سردية واحدة بأخرى، بل تفككت فكرة (الشهيد) كرمز أوحد، وظهرت مكانها سرديات متنافسة تعكس الانقسام السياسي والاجتماعي داخل هذا البلد.
ليبيا: من تمجيد السلطة إلى تمجيد إسقاطها
في عهد معمر القذافي، ركزت الاحتفالات الرسمية على (ثورة الفاتح) ورموز المقاومة ضد الاستعمار الإيطالي بشكل عام، حيث كان الشهداء يُذكرون في سياق معارك المقاومة التاريخية مثل معركة القرضابية ضد الاحتلال الإيطالي، وقد استخدم نظام القذافي هذا اليوم كأداة للتعبئة السياسية عبر تصوير أي معارضة على أنها خيانة للوطن، بشكل اختصر الدولة بالقائد.
لكن بعد سقوط النظام في عام 2011، أُلغيت تلك الأعياد وجرى تثبيت تاريخ 16 أيلول كيوم للشهيد في ليبيا عبر اختيار رمز جامع وهو شخصية عمر المختار وذكرى استشهاده الموافقة لذلك التاريخ، كما كرّس هذا اليوم لتكريم شهداء النضال الليبي ضد الاستعمار وشهداء ثورة 17 شباط ضد حكم القذافي، وبذلك تغير المعنى السياسي للشهادة بالكامل، من تمجيد للسلطة إلى تمجيد إسقاطها.
أوروبا الشرقية: تفكيك الذاكرة الشيوعية
بعد انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، ظهرت عملية واسعة عُرفت في الدراسات السياسية باجتثاث الشيوعية من المجال العام، في مشهد يشبه، إلى حد ما، عملية اجتثاث البعث التي أعقبت سقوط نظام صدام في العراق. وشملت هذه العملية إلغاء الأعياد المرتبطة بالشيوعية، وإحياء مناسبات تتعلق بالاستقلال الوطني وضحايا الاحتلال السوفييتي ومقاومة الأنظمة الشمولية.
وفي بولندا تحديداً، أصبحت رمزية الشهادة مرتبطة بالشعب لا بالنظام الحاكم وذلك عبر إحياء ذكرى رموز المقاومة الوطنية والتركيز على الهوية القومية للبلد، في محاولة لبناء ذاكرة جمعية جديدة لا تستند إلى إرث الحزب الحاكم السابق.
إسبانيا: تقديم المصالحة على الشهادة
أما في إسبانيا، فقد سلكت الدولة مساراً مغايراً بعد رحيل الدكتاتور فرانكو في عام 1975. ففي عهده، كانت الدولة تمجد من سقط في الحرب الأهلية من جانب الأطراف المنتصرة فقط، ضمن سردية رسمية أحادية تكرس تلك الفئة كشهداء للوطن. ولكن بعد الانتقال الديمقراطي، لم تستبدل إسبانيا "عيد الشهداء" بذكرى أخرى، بل اتجهت إلى تقليص الاحتفالات الرسمية المرتبطة بالحرب الأهلية، ضمن ما عُرف بـ(ميثاق النسيان) الذي قام على تجنب فتح جراح الماضي على المستوى الرسمي والإحجام عن تمجيد طرف على حساب آخر، مع تكريس فكرة المصالحة بدل البطولة وبالتالي الشهادة والتضحية في الذاكرة الجمعية. إلا أن إسبانيا عادت مع مطلع الألفية الجديدة لفتح ملفات الذاكرة من زاوية حقوقية ومدنية، بعيداً عن الأيديولوجيا والاحتفالات الرسمية.
في ظل تعقيدات المرحلة الانتقالية السورية، وتشظي الهوية الوطنية بين تيارات سياسية ودينية وأيديولوجية متعددة، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء سردية جامعة تستند إلى الذاكرة السورية المشتركة ورموزها التاريخية، لا إلى سرديات متناحرة تحاول احتكار الرواية الرسمية. فالمجتمعات الخارجة من الحروب والانقسامات لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء مؤسساتها، بل أيضاً إلى إعادة بناء المعنى الذي يجمع أبناءها حول فكرة الوطن الواحد.
وهنا لا يكون الصراع على المستقبل وحده، بل على الماضي أيضاً بكل ما فيه من أسماء تستحق أن تُخلّد، وقصص ينبغي أن تُروى، ومعان ومفاهيم تعتبر حجر الأساس لذاكرة الأجيال القادمة. وبذلك يكتسب "عيد الشهداء" معنى أكبر من كونه مجرد مناسبة في التقويم، لأنه عندئذ يتحول إلى مرآة لطبيعة السلطة الجديدة ورؤيتها لنفسها ولتاريخ شعبها ولخصومها وللوطن بحد ذاته. فحين تعيد الدول تعريف مفهوم الشهادة، فإنها لا تعيد ترتيب الذاكرة فحسب، بل ترسم من جديد الحدود الأخلاقية والسياسية التي ستعتمد في البلد، فتحدد من خلال ذلك من سيبقى في وجدان الناس بوصفه شهيداً، ومن سيستبعد عن الذاكرة الرسمية للدولة الجديدة.
عندما يرث المستضعفون الأرض: لماذا تميل الجماهير إلى تشجيع المنتخبات الأقل حظا؟
براغماتية الذاكرة السورية.. من جنازة الأب حتى هروب الابن
في مراحل التحولات الكبرى.. كيف تعيد الأنظمة صياغة معنى "الشهادة"؟
جريمة معروفة وشهود مترددون: لماذا مايزال السوريون يحجمون عن الإبلاغ؟