في مديح مصر وهجاء الواقع المصري

في مديح مصر وهجاء الواقع المصري

الصورة
12 شباط 2019

هوشنك أوسي

شاعر وكاتب وصحافي كردي سوري

أيّ بلد في العالم، يتفاخر أبناؤه بالانتماء إليه، إلى درجة يمكن القول: إن مسألة تفضيل الوطن على أي بلد آخر، أوشكت أن تصبح جزءا من الفطرة الإنسانيّة، إن بقي هذا التفضيل في الإطار الإيجابي الدافع نحو التقدّم والتطوّر والازدهار والانفتاح على التنوّع واحترام الآخر، وعدم احتقار أوطان الآخرين أو استصغارها. ذلك أن الرفع من شأن الوطن، بالتوازي مع الحطّ من شأن أوطان الآخرين، يدفع بالمرء نحو الفاشيّة.

بمعنى آخر، مفهوم الوطنيّة أو الولاء الوطني، يفترض ألاّ يكون نزوعاً عصبيّاً أو عصبويّاً أو عصابيّاً، مرهوناً أو محصوراً أو منوطاً بشخص زعيم أو حزب أو ديانة أو قوميّة أو طائفة معيّنة، حتّى ولو كانت تلك القوميّة أو الديانة، أغلبيّة. لذا، نقل كوركوت أوزال عن شقيقه؛ الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال قوله: "يا ليت اسمها كانت الأناضول، وليس تركيا" في إشارة منه إلى امتعاضه من تسمية تركيا ذات الجذر القومي، الملغي للتنوّع الإثني والقومي الذي كانت وما تزال تعيشه منطقة الأناضول، قبل الهجرات التركيّة التي أتت من آسيا الوسطى، واستقرّت في الأناضول، قبيل ألف عام تقريباً. واسم مصر، والعديد من البلدان الأخرى، ينطبق عليها الحُلم والطموح "الأوزالي" لهويّة واسم تركيا، إن جاز التعبير. ذلك أن أسامي مصر، لبنان، فلسطين، الجزائر، العراق...، لا تتأتّى من تفضيل عرق على آخر، أو ديانة على أخرى.

ليس بخافٍ على أحد مساهمة الدراما والسينما والمسرح المصري في الترويج للهجة المصريّة، ليس في البلدان العربيّة وحسب، بل وحتّى في العالم أيضاً. هذا الرواج والشيوع لهذه اللهجة، جعلها قاب قوسين أو أدنى أن تكون لغة موازية للغة العربيّة. ذلك أن مفهوم اللهجة المحصور في بلد معيّن أو منطقة معيّنة، لم يعد ينطبق على اللهجة المصريّة. بل يمكن القول: إن شيوع ورواج اللهجة المصريّة ساهم وساعد على انتشار اللغة العربيّة، وليس العكس. بخاصّة بعد لجوء بعض أعلام الأدب المصري إلى كتابة أعمالهم الأدبيّة، بلغة تستقي من ساقية اللهجة المحليّة، أو تطعيم نصوصهم بهذه اللهجة. على سبيل الذكر لا الحصر؛ نجيب محفوظ. ناهيكم عن الشعر والغناء الشعبي، معطوفاً على ما سلف، تلك التركة الموسيقيّة والغنائيّة الهائلة لأساطين الغناء المصري، بحيث جعلت مغنين من سوريا، العراق، فلسطين، الجزائر، تونس، لبنان، المغرب، الخليج...، يؤدّون بعض أغانيهم باللهجة المصريّة، إلى جانب أغانيهم بلهجاتهم المحليّة، سعياً وراء الرواج والشيوع.

هذا المنجز الحصاري، الثقافي، الفنّي، لم يحققه فراعنة مصر القدامى، والجدد، سواء منذ عهد جمال عبد الناصر، مروراً بالسادات

هناك كثير من المقولات الشعبيّة الدارجة والرائجة عن حب المصريين لبلدهم مصر، منها؛ "مصر أمّ الدنيا"، و"الذي بنى مصر، كان حلواني". كناية عن عظمة مصر وحلاوتها

ومبارك، وصولاً لنظام الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. ذلك أن ريادة وسيادة مصر في العالم العربي، كان الفن والإبداع المصري صانعها وقائدها، وليست تلك الأيديولوجيّات العقديّة الدينيّة والدنيويّة التي ظهرت وشاعت على أرض مصر منذ 1928 وحتى لحظة كتابة هذه الأسطر.

هناك الكثير من المقولات الشعبيّة الدارجة والرائجة عن حب المصريين لبلدهم مصر، منها؛ "مصر أمّ الدنيا"، و"الذي بنى مصر، كان حلواني". كناية عن عظمة مصر وحلاوتها. وفي هذين القولين، الكثير من الصواب والصحّة. ولكن ليس هذا موضوع أو مجال أو مقام هذا المقال الذي سيتبعه مقالات أخرى تتناول جوانب من حيوات مصر والمصريين، بحلوها ومرّها وبل علقمها أيضاً، بعيداً من التضليل الذي تمارسه الآلة الإعلاميّة التابعة للنظام الحاكم في مصر، والآلة الإعلاميّة المضادة، التابعة لنظام حكم المرشد الإخواني، المخلوع! لأن كلتا الآلتين الإعلاميين، وبما تمتلكانه من خرسانة وترسانة موازية لها، تساندها وتعاضدها، متورّطتان في التضليل الذي يطاول واقع مصر. والتضليل هنا مركّب؛ هو حاصل جمع التشويه والتوظيف السياسي والعقدي الممنهج والمبالغ فيه لمحنة المصريين في ظل نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والتضليل الذي يمارسه الإعلام الرسمي، عبر التقليل من البؤس والحرمان والفقر والفساد والبطالة...، المتفشيّة في بنى المجتمع ومؤسسات الدولة، وتجميل عسكرة الماء والهواء والخبز والظل والنور والشوارع...، في مصر لصالح النظام وتوثينه وتصنيمه وتأبيده. ولو لم يكن هناك حياء أو خجل، لتم إعلان الرئيس السيسي كأحد الصحابة أو المبشّرين بالجنّة أو كتبة الوحي، أو المهدي المخلّص لهداية ليس مصر وحسب، بل البشرية جمعاء!

حين زرتُ القاهرة، قبل أيّام، على خلفيّة المشاركة في معرض الكتاب بندوة حواريّة، كانت ضمن البرنامج الثقافي المرافق للمعرض، هذه الفرصة أو الزيارة، جعلتني على تماس مباشر مع المواطنين المصريين؛ المثقف، الأكاديمي، الأديب، الإعلامي، نادل المقهى الشعبي، شوفير التاكسي، البائع...، وأسمع منهم آراءهم بخصوص ما يجري في البلاد من تحوّلات اجتماعيّة - اقتصاديّة - سياسيّة عميقة ومؤلمة، تجعل البعض، في سرّه، لا يترحّم ليس على عهد نظام مبارك، السادات وجمال عبدالناصر وحسب، بل على عهد الملك فاروق أيضاً. مثلاً، مبارك، كان قد ترك هامشاً للحريّة، لزوم الفضفضة، وتنفيس الاحتقان الشعبي؛ الاجتماعي - السياسي والاقتصادي، بهدف ممارسة التضليل، بالتوازي مع مساعي مبارك لمصادرة البلاد تماماً، وتوريثها لابنه كأنّها مزرعته التي ورثها عن أجداده، لولا حدوث ثورة 25 يناير سنة 2011 التي أطاحت بحلم مبارك. في حين أن النظام الحالي، ألغى هامش الحريّة الشكلي ذاك، ودفع بالبلاد نحو العسكرة، وتأليهه الجيش والأمن، على الطريقة الأتاتوركيّة على أن الجيش هو باني البلاد وحماي العباد والديمقراطية والعلمانيّة، علماً أنه في مصر؛ النظام ليس ديمقراطيا، ولا علمانيا أيضاً. ذلك أنه لا يمكن الحديث عن فصل الدين عن الدولة، مع وجود دستور يستند إلى الشريعة الإسلاميّة، ووجود وزارة الأوقاف، وتدخّل الدين في شؤون إدارة البلاد. زد على هذا وذاك، عبدالفتاح السيسي، في أفضل أحواله، ليس مصطفى كمال أتاتورك.

ما يفاقم آلام الواقع المصري، وجود حالة هجوم شنيعة من قبل الإعلام الإخواني ومرادفاته، على ما يسمّيها نظام السيسي بالإصلاحات الاقتصاديّة والدستوريّة. وجزء من تلك الانتقادات في محلّها. لكنها من صنف؛ "كلمة حقّ يُراد بها باطل". في المقابل هنا دفاع شنيع وقبيح عن النظام المصري من قبل آلة الإعلام الرسمي، بحيث أن حفلات التطبيل والتزمير التي تقام ليلاً نهاراً، قياماً وقعوداً، بحق الرئيس المصري، تكرّه الناس فيه، وتشوّه صورته أكثر، وتسيء إليه. وأقصد هنا، هناك حالة تواطؤ وتكالب فظيعة من طرفي الصراع على تشويه حقائق الواقع المصري المنكوب والمنهوب والذي يحقنه الإعلام الرسمي بالمزيد من الإذعان والرضوخ والتسليم لواقع الحال على أنه لا مناص من تحمّل أعباء وآلام ومخاضات الولادة الجديدة لمصر، كي تنعم الأجيال القادمة بالخير والرفاه والعدالة الاجتماعية والحريّة. كذلك الإعلام الإخواني، يحاول حقن المواطن المصري بجرعات من التطرّف والتأليب والدفع بالمواطنين نحو الانقلاب على واقعم ونظامهم الحالي، بهدف الوصول للسلطة، لا أكثر ولا أقل. وصار هذا الإعلام يتعامل مع قضيّة نظام حكم المرشد ومحمد مرسي المخلوع بـ "مظلوميّة"، كما تعامل معاوية بن أبي سفيان مع قضيّة مقتل الخليفة الراشدي عثمان بن عفّان، ومنازعة علي بن أبي طالب على الولاية والحكم والسلطة، بحجّة الثأر للخليفة المظلوم! طبعاً، إذا كانت جماعة الإخوان لديها شيء من أساليب معاوية بن ابي سفيان وعمر ابن العاص، إلاّ نظام السيسي لا يمكن تشبيهه بعلي بن أبي طالب مطلقاً.

وسط هذه المعمعة والتراشق والتطاحن بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام الأمني الحاكم في مصر، والتي يدفع ضرائبها المواطن المصري، وسط ذلك، في زيارتي لمصر، لمست رضاً شعبيّاً وثقافيّاً وإعلاميّاً عامّاً عن معرض الكتاب في القاهرة في دورته الخمسين. بالرغم من تغيير المكان وغلاء المعيشة وارتفاع سعر الكتاب، إلاّ أنه يمكن القول: إن المعرض حقق نجاحاً يمكن تسجيله برسم وزارة الثقافة والهيئة المصرية للكتاب. وهذا النجاح المقبول، يمكن للحكومة المصريّة الاشتغال عليه، وتنميته للحدود القصوى، بحيث يتحوّل معرض القاهرة

لا يمكن محاربة جهل التطرّف الديني، بحقن المجتمع بجرعات التضليل والتجهيل الاجتماعي - السياسي المفضية إلى الرضوخ والتسليم والاستسلام والإذعان للهيمنة العسكريتاريّة التي تنهش الدولة والمجتمع.

للكتاب إلى تظاهرة دولية، تعيد مصر إلى واجهة الفعل الثقافي والحضاري الدولي. وبالتالي، التنمية الثقافيّة، والتركيز على قطاع التعليم والبحوث العلميّة، بعيداً عن تدخّل جنرالات الجيش والأمن، سيكون من شأنه وضع قطار النهوض بمصر على السكّة الصحيحة. بتعبير آخر، إذا كان هناك إنجاز حقيقي، من ضمن الإنجازات التي يثرثر حولها الإعلام الرسمي المصري، هذا الإنجاز هو معرض القاهرة للكتاب.

أعتقد أنه لا يمكن محاربة جهل التطرّف الديني، بحقن المجتمع بجرعات التضليل والتجهيل الاجتماعي - السياسي المفضية إلى الرضوخ والتسليم والاستسلام والإذعان للهيمنة العسكريتاريّة التي تنهش الدولة والمجتمع. إذ لا يمكن معالجة ملف الإرهاب في مصر على الطريقة الأسديّة - الكيماويّة القائمة على: "الأسد أو نحرق البلد"، "الأسد أو الإرهاب"! مآل القول: مصر الفن والإبداع والعمارة والحضارة، لا تستحق أن تكون بين تطرّفين واستبدادين؛ تطرّف واستبداد الإخوان المسلمين والجماعات الجهاديّة والسلفيّة، وتطرّف واستبداد النظام الحاكم وحاشيته، وحاشيّة حاشيته، الذي يتحجج بمحاربة التطرّف الإسلامي.

شارك برأيك