icon
التغطية الحية

في ظل الغلاء وانخفاض الدعم.. شتاء قاس ينتظر شمال غربي سوريا

2022.11.25 | 06:56 دمشق

طفل
طفل يحمل الحطب من أجل التدفئة في أحد مخيمات شمال غربي سوريا (تلفزيون سوريا)
إسطنبول - محمد حسن
+A
حجم الخط
-A

مع قرب دخول فصل الشتاء البارد، وفي ظل توقعات بانخفاض درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة، يترقب ملايين السوريين وخاصة القاطنين في المخيمات في مناطق شمال غربي سوريا، بخوف وحذر، الأزمة والمأساة التي تتجدد كل عام، بالتزامن مع الارتفاع الكبير بأسعار مواد التدفئة وشحها، والانخفاض الكبير بكميات الدعم الأممي، وسط تحذيرات من أن سوريا ستشهد واحداً من أقسى فصول الشتاء هذا العام، بسبب نقص المحروقات وتدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

ومع انقضاء مدة أربع أشهر من أصل ستة فقط من صلاحية القرار الأممي 2642 لعام 2022، الخاص بإدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى الداخل السوري عبر معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، تشير التقارير الأممية الصادرة عن عمليات التمويل الإنساني في سوريا حتى نهاية الشهر الماضي، إلى العجز الهائل في عمليات الاستجابة الإنسانية.

وينتهي العمل بالقرار الدولي الخاص بدخول هذه المساعدات، في كانون الثاني 2023، بالتزامن مع ارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية في شمال غربي سوريا، إلى أكثر من 3.7 ملايين نسمة، يشكل 85 في المئة منهم من القاطنين ضمن المخيمات، في وقت تسعى فيه روسيا إلى عرقلة دخول المساعدات الأممية إلى مناطق شمال غربي سوريا.

الشتاء القادم هو الأقسى وتحذيرات أممية

وتتوقع الأمم المتحدة أن يكون الشتاء القادم "من أقسى الشتاءات" على سوريا في تاريخها الحديث، بسبب انقطاع الوقود والكهرباء، ما قد يعرض قرابة نصف الشعب السوري للخطر، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل روتيني إلى ما دون درجة التجمّد في المرتفعات الجبلية، بينما تظل السهول عرضة للفيضانات.

وتقول الأمم المتحدة إنها بحاجة إلى 209.51 ملايين دولار لتمويل عمليات الاستجابة الشتوية في سوريا، إلا أنها لم تستطع تأمين سوى 38.15 مليون دولار، أي هناك عجز بنسبة 82 في المئة، الأمر الذي يظهر النتائج الكارثية المتوقعة على المدنيين عموماً، والنازحين ضمن المخيمات بشكل خاص خلال فصل الشتاء.

والثلاثاء، حذر المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية المؤقت في سوريا المصطفى بن المليح من مخاطر كارثية على السوريين المعرضين لظروف الشتاء القاسية، وخاصةً النازحين وكبار السن، وذوي الحالات الطبية الموجودة مسبقاً أو ذوي الاحتياجات الخاصة، والأسر التي لديها الأطفال المصابون بأمراض خطيرة، والأسر التي تعيلها نساء.

وقال إن أكثر من 88 في المئة من السوريين لا يستطيعون شراء السلع الأساسية بسبب ارتفاع التضخم وانهيار الاقتصاد، كما تعيش مئات الآلاف من العائلات في ظروف محفوفة بالمخاطر، ضمن منازل مدمرة أو في مخيمات النزوح، كما أدى انقطاع الكهرباء والنقص المزمن في الوقود إلى ترك الأسر الفقيرة بدون بدائل هذا الشتاء.

أوتشا
بيان صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)

 

أسعار مواد التدفئة شمال غربي سوريا

ويسعى نحو 61 في المئة من العائلات في شمال غربي سوريا إلى تخفيض الاحتياجات الأساسية وخاصةً الغذاء، في محاولة يائسة للحصول على التدفئة لهذا العام، إذ ارتفعت أسعار مواد التدفئة مقارنة بالعام الماضي بنسبة 250 في المئة، علماً أن 79 في المئة من العائلات لا يتجاوز مصدر الدخل لديها 50 دولاراً أميركياً شهرياً، وبالتالي فإن الحصول على مواد التدفئة أمر صعب المنال. بحسب فريق "منسقو استجابة سوريا".

وبالنسبة لأسعار مواد التدفئة في إدلب والمناطق الخاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام"، فيباع أرخص نوع من المحروقات بسعر 117 دولاراً للبرميل الواحد، وهو من أسوأ أنواع المازوت ولا يستخدمه المواطنون بشكل كبير لأنه رديء جداً.

أما المواد التي تستخدم للتدفئة من غير المحروقات، فهي عديدة منها قشور الفستق وقشور اللوز التي زاد استخدامها خلال السنوات الأخيرة كبديل عن المحروقات، حيث يتراوح سعر الطن الواحد بين 270 و300 دولار بحسب النوع، في حين يتراوح سعر طن الحطب بين 220 و250 دولارا بحسب نوعه.

قشور فستق

 

ويقول مراسل تلفزيون سوريا إن من لا يستطيع تأمين مواد التدفئة خلال الشتاء فإنه ينتظر الدعم الذي تقدمه المنظمات، أو يذهب إلى مكبات النفايات، ويبحث عن أي شيء قابل للاشتعال كالبلاستيك والكرتون والقماش وغيرها. مؤكداً أن نسبة تصل إلى 50 في المئة من المقيمين في المخيمات العشوائية يلجؤون إلى هذا الحل.

وفي عفرين وعموم مناطق ريف حلب الواقعة تحت سيطرة "الجيش الوطني"، يباع برميل مازوت التدفئة بسعر يتراوح بين 120 و140 دولاراً، في حين يصل سعر طن الحطب الواحد إلى 170 دولاراً.

أما الحلول التي يلجأ إليها الفقراء وقاطنو المخيمات من أجل التدفئة في فصل الشتاء، فهي مثل كل عام، إما يعتمدون على حرق الحطب أو أي شيء قابل للاحتراق، بالإضافة إلى الاعتماد على المساعدات التي تقدمها المنظمات.

مأساة النازحين تتكرر في كل الفصول

وفي مخيمات شمال غربي سوريا يستمر الواقع المأساوي، في ظل غياب حلول فعالة لواقع المهجرين قسرياً من قبل النظام السوري وحليفه الروسي. حيث يعيش أكثر من مليون ونصف إنسان ضمن 1500 مخيم، في تجمعات قماشية لا تقيهم حر الصيف أو برودة وأمطار الشتاء وبالتالي المأساة تتكرر صيفاً وشتاءً.

وفي تصريحه لموقع تلفزيون سوريا، قال منير المصطفى نائب مدير الدفاع المدني السوري، إن فرقهم مستمرة وبشكل دائم سواء بالصيف أو في الشتاء بتقديم أعمال الاستجابة والخدمات داخل المخيمات، كتأهيل الطرقات والرعاية الصحية وتدعيم محيط المخيمات لمنع وصول مياه الأمطار وغيرها.

وأشار إلى أن قطاع الأعمال الخدمية في الدفاع المدني السوري نسبة تصل إلى 70 في المئة من مجمل أعماله التي تساعد على مواجهة الظروف الصعبة التي يمر بها المدنيون في المخيمات وتلبية جزء يسير من احتياجاتهم.

وأشار إلى أن وجود حملات أو خطط أو مشاريع خاصة في المخيمات، مرتبط بالإمكانيات الموجودة لدى الدفاع المدني السوري وباقي المنظمات العاملة في المجال الإنساني والدعم الأممي والإنساني وبالتالي ليس الأمر بتلك السهولة. مؤكداً أنه مهما كانت الإمكانيات والحملات لا يمكنها أن تحل الأزمة الإنسانية في سوريا وجميعها حلول إسعافية طارئة تحاول أن تحل جزءا من الأزمة، ولكنها غير كافية.

 

القرار الدولي يبطئ بتقديم المساعدة للمدنيين

واعتبر المصطفى أن أساس المعاناة الإنسانية في شمال غربي سوريا هو سياسي وإنهاؤها يرتبط بحل سياسي، فالمأساة التي يعيشها النازحون لا يمكن حلها عبر تقديم الخدمات للمخيمات ولا بناء مخيمات إسمنتية، لأن معاناتهم أعمق من مجرد السكن، والحل الجذري والوحيد يكون في توفير الأمان للمدنيين للعودة إلى مساكنهم وعندها تتضاءل الحاجة للدعم الإنساني والإغاثي.

وأضاف أن هناك أمرا مهما يرتبط بالقرار السياسي الدولي، هو أننا نشهد كل ستة أشهر محاولة روسيا إغلاق معبر باب الهوى أمام المساعدات الإنسانية ومحاولة حصار المنطقة وتجويعها عبر محاولات ربط المساعدات الأممية بالنظام السوري الذي يحوي سجلا ذاخرا بعمليات الحصار والتجويع في مناطق عدة بسوريا.

وأكد أن القرار الدولي يبطئ بتقديم المساعدة للمدنيين وخاصة أن التمديد سينتهي في ذروة فصل الشتاء في كانون الثاني من عام 2023، ومهما كانت الاستجابة من قبل المنظمات فهي لن تستطيع حل مشكلة الخيام التي تغرق وتتمزق في الشتاء، ولا يوجد تجهيز بنية تحتية كاملة لتلك المخيمات.

ويرى المصطفى أن الحل الوحيد هو البدء بمسار سياسي حقيقي فعلي وفق قرار مجلس الأمن 2254، وعودة هؤلاء المهجرين وجميع النازحين إلى منازلهم بشكل آمن والتي ستوفر لهم حماية من تقلبات الجو في الصيف والشتاء.

وضع الخيام في شمال غربي سوريا

 وبحسب دراسة أعدها الدفاع المدني السوري في أواخر عام 2021 حول احتياجات المهجرين الأساسية في 192 مخيماً في شمال غربي سوريا، فقد تعرضت 81 في المئة من المخيمات التي تم تقييمها، لفيضانات وغرق الخيام، كما عانت 78 في المئة منها من عدم وجود وسائل تدفئة مناسبة، وعانت 69  في المئة من المخيمات من تشكل مستنقعات المياه والوحل نتيجة سوء حالة الطرق والأرصفة، وشهدت 66 في المئة من المخيمات تمزقا واقتلاعا للخيم نتيجة الرياح العاتية والأمطار، وتعرضت 40 في المئة من المخيمات لصعوبات نتيجة عدم قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إليها نتيجة سوء حالة الطرق المؤدية للمخيم.

وأظهرت الدراسة نفسها أنه بالرغم من تدخل الجهات الإنسانية الفاعلة ضمن قطاع المخيمات فإن مجموع هذه التدخلات لم يوجد الحل لأكثر من 42 في المئة من مشاكل المخيمات، في حين أن 58 في المئة من هذه الصعوبات لا زالت مستمرة ضمن المخيمات ذاتها التي تم التدخل فيها، ممّا يدل على غياب الحلول الدائمة، ويضطر الجهات الإنسانية الفاعلة ومتطوعي الخوذ البيضاء للتدخلات الإسعافية سنوياً لمنع وقوع كوارث إنسانية.

لماذا تتكرر الكوارث كل عام رغم كل التحذيرات؟

يقول نائب مدير الدفاع المدني السوري، نشهد في كل عام ذات المأساة لأن أكثر من مليون ونصف المليون مدني لا زالوا يعيشون في خيام ومخيمات أكثر من ثلثها عشوائي ولا يحوي أي تجهيزات أو بنية لتصريف مياه الأمطار،

ويضيف: خلال العام نقوم بالأعمال والتدابير الخدمية، كمحاولة نقل المخيمات التي نُصبت في مجاري السيول أو فتح بنية صرف لمياه الأمطار لتلك الخيام، أو استجابة طارئة في أثناء الشتاء ومساعدة المدنيين في إبعاد مياه الأمطار عن خيامهم بفتح مجاري التصريف ورفع سواتر ترابية حول الخيام والمخيمات المبنية على تربة هشة وفي الوديان، أو نقل العائلات التي غرقت خيامها إلى أماكن أفضل، لكن طالما أن أي شيء لم يتغير فستبقى المأساة تتكرر.

 أما الحلول الإسعافية التي يتم تقديمها للنازحين الذين تتعرض خيامهم للهدم بسبب العواصف والثلوج أو خلال حدوث السيول، فيشير المصطفى إلى أن الاستجابة الطارئة والإسعافية للدفاع المدني السوري تكون عبر فتح قنوات لتصريف المياه ومساعدة المخيمات التي غمرتها السيول، إضافة للمساعدة بإيصال الخدمات الأساسية للمخيمات التي عزلتها مياه الأمطار، وفتح الطرقات وإجلاء العائلات، وإعادة بناء الخيام المهدمة، كما تقوم متطوعات الخوذ البيضاء بتقديم الرعاية الطبية للمهجرين بالمخيمات عبر جولات ميدانية أو في المراكز.

وفي رده على سؤال، ماذا يملك النازحون داخل الخيمة غير خيمتهم؟ أجاب المصطفى "يملكون القهر والخذلان من المجتمع الدولي والكثير من الذكريات".

هل المساكن المؤقتة أفضل من الخيام؟

وبحسب المصطفى فإن المساكن المؤقتة أفضل من الخيام نسبياً، فهي تحفظ كرامة المهجرين وتقدم لهم ولو أدنى ما يمكن من الحياة الكريمة، وتحميهم نوعاً ما من مخاطر الحرائق وتخفف عنهم برد الشتاء. ويقول: نتمنى لو يكون هناك خطط لاستبدال جميع الخيام كفترة مرحلية مؤقتة بمساكن أو كرفانات أو خيام غير قابلة للاشتعال، وهناك تجارب جيدة لمخيمات عديدة تم فيها استبدال المخيمات القماشية بالكرفانات الجاهزة.

لكنه يرى أن المسألة تبقى أعقد من مجرد سكن، فهناك مسألة تأمين قوت يومهم، فجزء كبير من المهجرين بلا أي مصدر للدخل، كما أنه ما معنى أن يكون هناك مسكن بينما تستمر الهجمات والقصف من قبل قوات النظام وروسيا بملاحقة المهجرين واستهدافهم في المخيمات، كما حصل في الـ6 من شهر تشرين الثاني الحالي عندما استهدفت قوات النظام وروسيا بصواريخ أرض أرض محملة بقنابل عنقودية محرمة دولياً مخيمات مرام ووطن ومخيم محطة المياه قرب كفرجالس في ريف إدلب الغربي ما أدى لمقتل 9 مدنيين بينهم خمسة أطفال، وإصابة أكثر من 70 آخرين.

هل من حلول لتخفيف قسوة الشتاء على النازحين؟

ويؤكد منير المصطفى أن المأساة التي يعيشها النازحون لا يمكن حلها عبر تقديم الخدمات للمخيمات ولا بناء مخيمات إسمنتية، فمعاناتهم أعمق من مجرد السكن، كما أن توطين النازحين في المخيمات ليس بحل، فهو انتقاص من حق المدنيين في العيش الآمن في منازلهم، وإنما الحل الجذري والوحيد يكون في توفير الأمان للمدنيين للعودة إلى مساكنهم وعندها تتضاءل الحاجة للدعم الإنساني والإغاثي.

ويشدد على أن المجتمع الدولي مطالب بالضغط على النظام السوري وروسيا، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع معالجة بعض النتائج الكارثية للتهجير، دون إنهاء المشكلة ومحاسبة النظام على جرائمه وإعادة المهجرين والنازحين، علنا لا نشاهد نفس صور الأطفال المتجمدين برداً والتي تتكرر كل عام.