في رحيل الأسقف الضاحك

2021.12.29 | 05:42 دمشق

877.jpg
+A
حجم الخط
-A

قد تكون من قبل مصادفات الحياة المدهشة أن يرحل ديزموند توتو، أو الأسقف الضاحك، بحسب ما أطلقه محبوه عليه، وكبير أساقفة جنوب أفريقيا، عشية ليلة ميلاد السيد المسيح، إذ إن توتو من رجال الدين المسيحي القلّة في العالم الذين أخلصوا لتعاليم السيد المسيح في اعتبار المسيحية ديناً للتسامح والمحبة والغفران وللإنسانية بكاملها، وهو ما جعله طوال فترة نضاله ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يؤكد أن نضاله من أجل المسيحية لا من أجل السياسة، وهو أيضا ما جعله محط انتقاد وعداوة رجال الدين من خارج كنيسته الأنجليكانية، حينما أعلن في عام 1990 حظرا على انضمام رجال الدين إلى الأحزاب السياسية، أو العمل في السياسة كفعل إجرائي، فرغم تاريخه في النضال ضد نظام الفصل العنصري، ورفضه سياساته العنصرية، ودخوله إلى السجن مرات عدة، وجرأته في طرح آرائه ضد نظام جنوب أفريقيا، وضد تعامل المجتمع الدولي مع السود عموما (في زيارة له إلى بريطانيا انتقد بريطانيا "ذات الأمّتين" التي تملأ سجونها بالنزلاء السود، وكأن السجون البريطانية مخصصة لهم فقط)، فإنه كان مصرا على أن نضاله ومواقفه المتواصلة ضد الظلم هي من صلب تعاليم المسيحية ولا علاقة لها بالعمل السياسي، "الدين بلا عمل إنساني هو دين ميت"، فالسيد المسيح ضحّى فداء للمظلومين والمعذبين في الأرض لا من أجل منصب سياسي، وهو الدرب الذي يجب أن يسلكه رجال الدين المسيحي طوال التاريخ بحسب ما كان الأسقف ديزمزند توتو يراه.

له العديد من التصريحات التي قالها في أكثر من مناسبة حول حقيقة الدولة الإسرائيلية وتهاون المجتمع الدولي معها

ولعله من اللافت في سيرة الأسقف الضاحك، موقفه المناهض بقوة لإسرائيل وتعاملها العنصري مع الفلسطينيين، إذ له العديد من التصريحات التي قالها في أكثر من مناسبة حول حقيقة الدولة الإسرائيلية وتهاون المجتمع الدولي معها، وكان من أشد المنتقدين لمساعدة أميركا لإسرائيل في بناء ترسانتها النووية، (نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تصريحات شديدة اللهجة له بهذا الخصوص، حيث قال: "تعلّمت جنوب أفريقيا أن بإمكانها تحقيق السلام والعدل الحقيقي فقط من خلال امتلاك الحقيقة التي ستفضي بدورها إلى المصالحة، ولكن أياً من ذلك لا يمكن أن يتحقق ما لم تتم مواجهة الحقيقة بشكل مباشر، ولا توجد حقيقة يجدر بأن تواجه بشكل مباشر مثل حقيقة وجود ترسانة من الأسلحة النووية بأيدي حكومة إسرائيل التي تقوم على "الأبارتيد" الذي يمكن إسرائيل من إبقائها على نظامها القهري الظالم" )، عدا تصريحات كثيرة مماثلة وكلها تصف إسرائيل بالدولة العنصرية وتستهجن أن يتحوّل اليهود الذين تعرضوا إلى المحرقة إلى نظام نازي وعنصري جديد ضد الفلسطينيين والعرب.

ما من شيء في سيرة ديزموند توتو، الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام (1984) عن دوره في الكفاح من أجل إلغاء نظام الفصل العنصري، إلا وفيه سردية من سرديات النضال الإنساني من أجل حقوق السود في وطنه والمظلومين في العالم أجمع، أو سردية من سرديات التسامح المترافق مع العدالة، وهو بكل حال النهج الذي سار عليه تاريخ النضال في جنوب أفريقيا مع المناضل الأشهر نيلسون مانديلا، الذي رغم كل ما تعرض له من الظلم، ورغم سنوات سجنه الطويلة، ظل محافظا على خطابه الخالي من الحقد والداعي إلى العدالة والتصالح والتسامح، وهو ما جعل منه رمزا تاريخيا للنضال السلمي الإنساني ضد الظلم، وجعل من رفاقه ومنهم بطبيعة الحال الأسقف ديزمزند توتو ينتهجون نفس النهج الذي استطاع في النهاية الانتصار على العنصرية بعد تاريخ طويل من العداء والضحايا السود، وتاريخ من إهدار الحقوق والكرامات ومن التعذيب الذي عانى منه الجزء الأسود من دولة جنوب أفريقيا.

تصلح سيرة الأسقف ديزموند توتو الذي هزمه مرض السرطان عن تسعين عاما، لأن تكون مثالا لرجال الدين في بلادنا العربية (مسيحيين ومسلمين من كل طوائفهم)، الذين كثيراً ما وقفوا مع الاستبداد ضد الشعوب المنكوبة، وأيدوا الأنظمة الديكتاتورية التي تفتك بشعوبها، حتى من كان منهم مناضلا ضد إسرائيل مثلا فهو في مكان آخر مؤيدا لنظام ديكتاتوري ما، حتى من منهم وقف مع ثورات الربيع العربي فقد أظهروا إيديولوجيا سياسية فيها ما لا يخفى من العنصرية الدينية أو المذهبية أو القومية، وفيها ارتهان لأجندات عابرة للوطنية، عدا الخطاب الفئوي والمذهبي المترافق مع سلوك يؤكد هذا الاتجاه لدى كثير من رجال الدين العرب، الذين لطالما كانوا في مؤسسات دينية متماهية تماما مع الأنظمة الحاكمة، ولطالما كانوا وما زالوا صوت هذه الأنظمة ضد الشعوب، وذراعها الأقوى الذي يدفع بحركة الشعوب نحو الخلف بدلا من إعانتها على النهوض والتطلع نحو المستقبل.

لم يقلّ الإجرام الذي مورس بحق السود عن الإجرام الذي تتعرض له شعوبنا من أنظمتها، ومع ذلك قدمت جنوب أفريقيا أمثلة ملهمة عن زعماء وقادة وطنيين حقيقيين في السياسة والدين

والحال أننا كشعوب عربية مبتلية بكثير من المؤسسات السياسية والدينية الفاسدة، سواء أكانت مع الأنظمة أم ضدها، يحق لنا أن نتساءل عن مكمن الكارثة التي نعيش فيها، إذ لم يكن نظام جنوب أفريقيا يوما أقل إجراما من أنظمتنا العربية، ولم يقل الإجرام الذي مورس بحق السود عن الإجرام الذي تتعرض له شعوبنا من أنظمتها، ومع ذلك قدمت جنوب أفريقيا أمثلة ملهمة عن زعماء وقادة وطنيين حقيقيين في السياسة والدين، في حين لو بحثنا عن العرب، مع أعدادنا الهائلة، عن شخصيات يمكنها أن تقارن بزعماء النضال في جنوب أفريقيا لأطلنا بحثنا دون جدوى، هل المشكلة في أننا لم نستطع الإيمان يوما بأحقيتنا في العيش الكريم، وهو ما جعل الشعوب تنقلب بعضها ضد بعض في أول محاولة لإنجاز عيش كريم للجميع، أم إنه تم تجريفنا نفسيا ومجتمعيا عبر عقود من الخوف وإلهاؤنا بشؤون تافهة أفقدت قدرة العقل العربي على التحليل والشك والسؤال وعطّلته عن الفعل حتى جعلته "عقلا دينيا ميتا"؟!