في رحلة القمع

في رحلة القمع

الصورة
الصورة(إنترنت)
21 كانون الثاني 2019

سلام الكواكبي

مدير المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في ب

يُعاني المثقف العربي من أشكال عدة من الرقابة على منتجه الإبداعي تصل إلى حد المنع التام الذي غالباً ما يُصاحَبُ بالزجر أو القمع المعنوي والجسدي. وبالتالي، فالمثقف الذي يتمكن من مقاومة الاستقطاب ورفض التبعية، فهو يتحول إلى كاتب ذاتي أو محاضر أمام المرآة أو منتجٍ لفكرٍ لا يمكن تقاسمه مع الآخرين إلا عبر الرسائل السرية ووسائل التواصل الإلكترونية في أحسن الحالات وأكثرها رفاهية.

حيث يعتقد الرقيب الحكومي، ومن خلفه من العسس السلطوي ومن وراءهم مِن أمنوقراطيي الاستبداد، بأنهم نجحوا في التمكن من سلبه القدرة على التعبير والإيصال. وهؤلاء المعرّفون أنفسهم بدعامة الأمن والاستقرار والديمومة لصاحب ضمائرهم ومُملي ممارساتهم، غالباً ما ينجحون في هذه المهمة "الوطنية" التي وسمت مختلف مراحل نشوء الدولة في المنطقة على مختلف الانتماءات من قومية إلى يسارية إلى إسلامية.

ويبقى أسوأ أنواع الرقيب ذاك المُتزلّف الذي يمارس المزاودة الأمنية حتى على رؤسائه، فيكون ملكياً أكثر من الملك، وأمنياً أكثر من الأمن

والرقباء أنواع، فمنهم الجاهل عموماً وحتماً بالموضوع الذي تم تكليفه بمراقبته. كما أن هناك نوعا يكونُ فيه عالماً بأمر ما، ولكنه جاهلٌ وغريبٌ ودخيلٌ على الجنس الذي أمره سادته بمراقبته. ونادراً ما يكون الرقيب متبحّراً في مادته وبالتالي متمكناً من مفاتيحها، حيث تعكس ممارسته قناعةً إيديولوجية أو تشويهاً أمنياً أخلاقياً أو مصلحة دنيوية.

ويبقى أسوأ أنواع الرقيب ذاك المُتزلّف الذي يمارس المزاودة الأمنية حتى على رؤسائه، فيكون ملكياً أكثر من الملك، وأمنياً أكثر من الأمن، وقمعياً أكثر ممن خطّ له المسار. هذا المُتزلّف يجمع في جنبات نفسيته خوفاً متخفيّاً. فهو يعتقد بأن المادة الإبداعية مهما كانت "خفيفة" فهي تُحارب العقل المتحجر والظلامي والأمني والمستبد والمتسلط، إذاً، هي عدوٌ لدودٌ لسادة نعمته ومصدر إلهامه، فيجب أن تُمنع ولو لم يرد في ذلك نصُّ.

في الرقابة الورقية، إن راود الشك المعتدل الرقيب، فالحل لا يعتمد على إعادة القراءة أو التمعّن أو البحث، وكل هذه الممارسات عدوٌ تكويني لذهنية الرقيب، فهو سيعمد، وبكل بساطة وراحة بال، إلى تمزيق مجمل النص مخففاً الحمل وقاطعاً الشك باليقين، ومبتعداً عن رؤية الأحلام المزعجة إن هو نام بين "القبور".

تجاربي الشخصية مع الرقيب متعددة، ومن أطرفها، لتجنّب القاسي منها والمُتعارف عليه، قيام الرقيب بالجلوس الى جانب آلة العرض السينمائية الضخمة والتي تنبعث من عدستها حرارة هائلة، وكان هدفه التدخل بناء على التعليمات السامية، كما قال لي، إن ظهر أي مشهد غير مقبول. وعلى الرغم من مرور الفيلم الفرنسي حينذاك على مقص الرقيب "الوطني"، إلا أن الرقيب "المحلي" أراد ممارسة دوره كاملاً، فكان له ما كان.

وعندما همّ الممثل بطبع قبلة خفيفة على شفاه حبيبته، ظهرت راحة كف سوداء على الشاشة، وسمعت القاعة صراخاً مُفزعاً، سرعان ما تبين أنه ناجم عن احتراق يد الرقيب. وفي تجربة أخرى، وسعياً إلى الابتعاد عن السياسة خوفاً من الدهماء، قمت بعرض فيلم وثائقي "بيئي" يظهر من خلاله اثنان من الدببة التي تم إعادة توطينها في جبال البيرينيه الفرنسية. ويحاول الشريط توثيق خطواتهم الأولى ومساراتهم، فجلس الرقيب إلى جانبي وتوجه لي بجدية عصماء طالباً "فكرة" عن "الحوار" لأنه، والكلام للسيد الرقيب، "إن حمل مضموناً سياسياً، فأنا مضطر لإيقاف العرض".

ومن المؤكّد، وبعيداً عن الطرافة، بأن للرقيب أدوارا أكثر جديةً تصل في غالبها إلى الإساءة المعنوية وحتى البدنية. وسرديات كل البلدان العربية ممتلئة بحكايات الرقيب والرقابة، الغبية والذكية، الطريفة والمؤلمة. وبالمقابل، هناك طفيليات تتعدّى على أصحاب المهنة الرقابية وتحاول أن تُمارس عملهم على هامش نشاطاتها المتنوعة ومهنها المختلفة.

ومن المؤكّد، وبعيداً عن الطرافة، بأن للرقيب أدوارا أكثر جديةً تصل في غالبها إلى الإساءة المعنوية وحتى البدنية

ففي الجزائر، قام مؤخرا رئيس جامعة، يقول الزملاء الجزائريون بأنه لم ينشر بحثاً واحداً، ويُلقّب بالبروفيسور، بمنع محاضرة لأحد أهم علماء الاجتماع في المنطقة العربية، ومتذرّعاً تارةً بأسبابٍ أمنية، وتارة أخرى بأن اسم المحاضر  المجهول بالنسبة له كما صرّح غير وارد في برامج الجامعة. وهذا الرقيب "الأكاديمي" خشي من موضوع المحاضرة الذي يتطرق إلى المسألة الأمازيغية في شمال إفريقيا، ليمنعها بحجج شتىّ، حامياً نفسه من إمكانية أو احتمال، تلقي أية ملاحظة من عونٍ أمني​.

الرقيب المتبرّع هو الأسوأ في غابة السوء السوداء الداكنة. فالآخرون يمارسون وظائفهم قبلنا بذلك أو رفضنا، أما المتبرع فهو يُمارس التزلّف والتمجّد سعياً لإرضاء الباب العالي أو الحفاظ على مكاسب آنية ولو على حساب الضمير  إن وجد والحرية الأكاديمية.

منذ أكثر من قرن، كتب عبد الرحمن الكواكبي واصفاً العلاقة بين المستبد والعلوم الاجتماعية: "ترتعد فرائص المستبدّ من علوم الحياة مثل الحكمة النّظريّة، والفلسفة العقليّة، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسّياسة المدنيّة، والتّاريخ المفصّل، والخطابة الأدبيّة، ونحو ذلك من العلوم الّتي تكبِّر النّفوس وتوسّع العقول وتعرِّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطّلب وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم النّاس بالخطابة أو الكتابة".

وتدلّ الأيام على أن هذه الفقرة تبقى راهنة ويمكن أن نصف بها مجمل الحياة الأكاديمية العربية في ظل الاستبداد.

 

شارك برأيك