في اليوم العالمي للمرأة

في اليوم العالمي للمرأة

الصورة
05 آذار 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

لم يكن ليوم المرأة الذي يصادف في الثامن من آذار ذلك الحضور الرسمي أو الشعبي في سوريا، فقد كان اليوم مرصودًا للاحتفال بثورة الثامن من آذار، الانقلاب العسكري الذي قامت به مجموعة من الضباط في الجيش بعثيين وناصريين وقوميين عرب ومستقلين، إذ سيطرت بعض الوحدات العسكرية فجراً على الإذاعة والتلفزيون وأركان الجيش وبعض مقرات الحكومة. وأذاع الانقلابيون بيانهم الأول رقم واحد صباح 8 آذار، وأعلنوا في بيانهم الثاني حالة الطوارئ التي بقيت البلاد تحت رحمتها إلى أن تم إلغاؤها نظريًا في العام 2012 بعد انطلاق الانتفاضة الشعبية في سوريا في آذار 2011، وكان أحد مطالبها إلغاء قانون الطوارئ.

وكانت "الثورة" التي استفاق الشعب من نومه حينها على بيانها الأول والثاني. لذلك، وبما أن ثورة الثامن من آذار "قد استطاعت وبما حققته من إنجازات ومكاسب جماهيرية خاصة بعد قيام الحركة التصحيحية المجيدة أن تعزز من التفاف الجماهير حول حزبها العظيم حزب البعث العربي الاشتراكي مفجر ثورة الثامن من آذار وحامل لوائها" كما كانت تصدح الخطابات في تلك المناسبة وغيرها، فإن مظاهر الفرح

المرأة التي تشكل نصف المجتمع لم تكن تحظى في هذا اليوم إلا بهامش يكاد لا يذكر

والاحتفال والبهجة كانت مرصودة لهذه المناسبة تستنفر لها وسائل الإعلام والمؤسسات والوزارات والمدارس، ويجري التذكير بها وبالاهتمام الذي أولته لقضايا الأمة وخصوصاً "ما يتصل منها بحاجات المواطن في القطر العربي السوري وقضاياه ورفع مستوى معيشته تأكيداً على أنها بحق جاءت ثورة للعمال والفلاحين"، ولابد من التذكير بأنه لولا الحركة التصحيحية المباركة لما ترسخت وأفاضت تلك الإنجازات.

بينما المرأة التي تشكل نصف المجتمع لم تكن تحظى في هذا اليوم إلا بهامش يكاد لا يذكر. وانطلاقًا من هذا الخطاب، ومما يقر الدستور من حقوق للمواطنين دون تمييز، وما تنص عليه المادة 23 من دستور الجمهورية العربية السورية "توفر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع"، تحضر القرائن من الواقع على مرّ العقود الماضية ونتائجها الكارثية في سنوات الجحيم السوري التي أكملت عامها الثامن متوجة خلاصة أزمة ثقافية وفكرية وسياسية واجتماعية وقانونية عاشتها سوريا في تلك العقود وكان لابد من نتائج حصدها السوريون ودفعوا أثمانًا باهظة وفي مقدمتهم المرأة التي تمثل الشريحة الأضعف والأكثر عرضة للتمييز وانتهاك الحقوق في مجتمعات تتحالف فيها كل أشكال السلاطين الجائرة، وأولها السلطان السياسي المتحالف مع الديني المستثمر في المجال الاجتماعي ليضمن ثبات حكمه واستيلاءه على المجال العام.

في الواقع قد تراجع دورها وتقلصت حركتها الرامية إلى تحقيق المساواة والتمتع بالحرية التي هي الشرط الإنساني الأول، ولم تكن في مستوى الشعارات الطنانة التي يُجهر بها. واقعيًا كانت قضية المرأة من القضايا الهامة التي احتلت مكانًا متقدمًا في المشروع النهضوي خاصة بعد نيل الاستقلال من الاستعمار القديم، فقد حصلت على حق الانتخاب في العام 1949، وبدأت بالمشاركة السياسية والتمثيل في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما دخلت ميدان العمل بكثافة، بالإضافة إلى حركة نسوية واعدة، لكن هذا الواقع لم يواكبه نهوض بالوعي واشتغال على مساعدة المرأة في إدراك ذاتها، بل بقيت مساهمات المرأة في تلك الميادين محدودة وليس لها ذلك الدور الفعال والمؤثر، إذ بقيت الصورة النمطية للمرأة نفسها، بل ازدادت نمطية وضيقًا مع التراجع الذي شهده المجتمع السوري في العقود الماضية بالرغم من ادعاء العلمانية والمواطنة وعدم التمييز والحريات التي يكفلها الدستور شكليًا فقط، فقد ترك المجتمع محكومًا مناطقيًا بحسب الأعراف والعادات المسيطرة.

لم يكن في سوريا مجتمع متجانس، يقوم تجانسه على ثقافة المواطنة والحقوق وعدم التمييز، بل كانت لكل منطقة بيئتها الثقافية الخاصة ومنظومتها القيمية وأعرافها، وكانت في المقابل هناك خطوط عريضة ترسم الصورة النمطية للمرأة وتقيدها في حياتها وفي دورها الاجتماعي، تختلف شدتها بين منطقة وأخرى، وترك المجتمع ينظم نفسه بنفسه. كان التناقض كبيرًا بين ما يلحظه

الاتحاد النسائي كان منظمة ملحقة بالنظام كغيرها من المنظمات الشعبية والنقابات

الدستور وبين القوانين المعمول بها فيما يتعلق بالمرأة بشكل خاص، إذا استثنينا الحديث عن تناقض الدستور مع الكثير مما يمارس في الواقع بحق المواطنين على مختلف الأصعدة في ظل نظام قمعي شمولي مقيد للحريات يترك المجتمع غارقًا في حالة استنقاع يزدهر الفساد على سطحه وفي عمقه، واقعيًا لم تتخذ الحكومة الإجراءات المختلفة للقضاء على التمييز بين مواطنيها وخاصة بالنسبة للمرأة، ولم تعمل على تجسيد مبدأ المساواة انطلاقًا من الدستور، أو في القوانين الأخرى خاصة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، وتبنّي التدابير التشريعية بما في ذلك الجزائية منها، ولم يتم اتّخاذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة من جانب أيّ شخص أو منظّمة أو مؤسّسة، والعمل على تغيير الأنظمة والأعراف والممارسات القائمة والتي تشكّل تمييزاً ضدّها، حتى الاتحاد النسائي الذي طمس الحركة النسوية بعدما حوصر المجتمع المدني ومنظماته، كان يُنتظر منه أن يتبنى قضايا المرأة والعمل على النهوض بها ومساعدتها على تشكيل وعيها الذاتي وإدراك مكانتها في الحياة والمجتمع والدفاع عن حقوقها انسجامًا مع عناوينه العريضة وشعاراته، لكنه كان منظمة ملحقة بالنظام كغيرها من المنظمات الشعبية والنقابات، فلم تدافع عن حقوق المرأة والانتهاكات التي تتعرض لها، ولا عن أولئك النساء اللواتي دفعن حياتهن ثمن موقف يدافع عن الحرية كشرط إنساني فغيبتهن المعتقلات والسجون.

وضع المرأة السورية الراهن، في كل المناطق السورية، بين مناطق النظام والأخرى الخاضعة لسيطرة المعارضة أو الفصائل العسكرية، كما في مخيمات اللجوء، هو نتيجة تلك العقود من تغييب الفكر ومحاصرة الرأي وقمع الحريات، وترك المجتمع لرجال الدين والأعراف والتقاليد والموروث بكل ما يحمل من أفكار جائرة بحق المرأة ومعيقة للتقدم والتطور، علمًا بأنها تتحمل العبء الأكبر في إدارة الحياة تحت ضغط ظروف الحرب وهذا دور يشهد لها به، فأي دور كان يمكن أن تلعبه في النهوض بالمجتمع فيما لو مُنحت من الحقوق والحريات ما يساعدها في استثمار طاقاتها وقدراتها الإبداعية؟ لا يمكن فصل قضية المرأة عن قضية الإنسان بشكل عام، فالنهوض بالمجتمع والمضي قدمًا في بناء دولة حديثة لا يمكن أن يتم إلاّ بتكريس مفهوم المواطنة والعمل عليه، المواطنة التي يتساوى الجميع فيها في الحقوق والواجبات بضمانة الدستور وتفعيل القوانين وتطويرها، وردم الفجوة القائمة بينها وبين الدساتير التي تبدو في شعاراتها مثل فقاعات الصابون الملونة غاوية لكنها بالغة الهشاشة. مجتمع أفراده مقموعون سياسيًا مرتهنون لرجال الدين معتقلون بالنصوص الجامدة محاصرون بخيمة الأعراف ومنظومات قيم جائرة، لا يمكن أن ينهض، ولا يمكن أن يكون للمرأة فيه المكانة التي تمنحها رتبة مواطنة، لذلك فإن اليوم العالمي للمرأة يعد بدعة بالنسبة لرجال الدين المتحكمين في المجال العام، وأداة إشهار لخطاب خلّبي يُستثمر للخارج بالنسبة للنظام السياسي، وفي الحالتين فإن الاحتفال بالمرأة يجري فقط في دورها كأم، على أهمية هذا الدور، لكنها ليست أمًا فقط، وكي تكون أمًا فعالة يجب الاعتراف بها كإنسان بالدرجة الأولى.

شارك برأيك