في الثاني من نيسان من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي للتوعية بالتوحد، في محاولة لرفع الوعي باضطراب لا يزال يحيط به كثير من الغموض وسوء الفهم، رغم اتساع حضوره عالمياً، لكن خلف هذه المناسبة، لا تقف القضية عند حدود التوعية، بل تمتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بالفهم، والحقوق، وإمكانية الاندماج في المجتمع.
تعرّف منظمة الصحة العالمية اضطراب طيف التوحد بأنه مجموعة من الحالات المرتبطة بنمو الدماغ، تؤثر في طريقة التواصل والتفاعل والسلوك.
ولا يظهر التوحد بشكل واحد، بل يختلف من شخص إلى آخر بشكل كبير، سواء في القدرات أو الاحتياجات. فبينما يستطيع بعض المصابين العيش باستقلالية، يحتاج آخرون إلى دعم مستمر في حياتهم اليومية.
أرقام عالمية: انتشار واسع وفهم متزايد
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو شخص واحد من كل 127 شخصاً حول العالم مصاب بالتوحد، أي ما يقارب 62 مليون شخص.
وفي الولايات المتحدة، تُظهر بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن واحداً من كل 31 طفلاً بعمر 8 سنوات تم تشخيصه ضمن طيف التوحد، ما يعكس اتساع نطاق الاضطراب وأهمية التشخيص المبكر.
ورغم هذه الأرقام، تؤكد الجهات الصحية أن الاختلاف في نسب التشخيص بين الدول لا يعكس بالضرورة اختلافاً في الانتشار، بل يرتبط بمدى تطور أنظمة الرصد والخدمات الصحية.
سوء الفهم: العائق الأكبر
على الرغم من تزايد الوعي، فإن التوحد ما يزال يُختزل في صور نمطية، فبعض المصابين قد يواجهون صعوبة في التواصل اللفظي، أو حساسية تجاه الأصوات والضوء، بينما يمتلك آخرون مهارات عالية في مجالات محددة. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التوحد لا يعني بالضرورة وجود إعاقة ذهنية، بل يترافق مع طيف واسع من القدرات.
لقاح التوحد: جدل حُسم علمياً
من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً، الربط بين التوحد واللقاحات، حيث تؤكد منظمة الصحة العالمية، استناداً إلى مراجعات علمية واسعة، أنه لا يوجد أي دليل على وجود علاقة سببية بين اللقاحات واضطراب طيف التوحد، محذّرة من تأثير المعلومات المضللة على الصحة العامة.
أهمية التدخل المبكر
تؤكد يونيسف أن التشخيص والتدخل المبكرين يلعبان دوراً حاسماً في تطوير مهارات الأطفال المصابين بالتوحد، سواء في التواصل أو التعلم أو التكيف مع البيئة المحيطة.
لكن الوصول إلى هذه الخدمات لا يزال غير متكافئ عالمياً، خصوصاً في الدول التي تعاني من ضعف في البنية الصحية أو ارتفاع في تكاليف التأهيل.
في سوريا: غياب البيانات وواقع معقّد
رغم وضوح الصورة عالمياً، تبدو الصورة في سوريا أكثر تعقيداً، في ظل غياب إحصاءات وطنية دقيقة تحدد حجم انتشار اضطراب طيف التوحد.
وتشير دراسة منشورة على منصة Research Square حول واقع التوحد في سوريا إلى أن التشخيص يتم غالباً في سن متأخرة، نتيجة ضعف الوعي لدى الأهل وقلة الاختصاصيين، ما يحد من فرص التدخل المبكر الذي يعد عاملاً حاسماً في تطور حالة الطفل.
تأخر التشخيص ونقص الكوادر
توضح الدراسة أن نقص الكوادر المتخصصة، ولا سيما في مجالات العلاج السلوكي وعلاج النطق، يشكل أحد أبرز التحديات، إذ يؤدي إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات، خاصة خارج المدن الرئيسية.
كما تشير إلى تفاوت واضح في توزيع الخدمات، حيث تتركز معظم المراكز في المدن الكبرى، ما يترك مناطق أخرى مع خيارات محدودة أو شبه معدومة.
عبء متزايد على العائلات
وبحسب الدراسة نفسها، تعتمد معظم خدمات التأهيل في سوريا على مراكز خاصة، ما يرفع من كلفة العلاج ويجعلها خارج متناول كثير من العائلات، وفي ظل محدودية الدعم الحكومي، تتحمل الأسر العبء الأكبر، سواء من الناحية المادية أو النفسية، في محاولة لتأمين جلسات العلاج والمتابعة المستمرة.
نقص الوعي وضعف الدمج
تلفت الدراسة أيضاً إلى أن ضعف الوعي المجتمعي لا يزال عاملاً مؤثراً في تأخر التشخيص، إضافة إلى وجود مفاهيم خاطئة حول التوحد، ما ينعكس على طريقة التعامل مع الأطفال المصابين به.
أما على مستوى التعليم، فتشير إلى أن برامج الدمج لا تزال محدودة، في ظل نقص الكوادر المدربة وعدم جاهزية كثير من المدارس لاستيعاب هذه الحالات.
تكشف هذه المعطيات أن التحدي في سوريا لا يرتبط فقط باضطراب التوحد بحد ذاته، بل بغياب منظومة متكاملة للتشخيص والدعم والتأهيل، ما يترك العائلات في مواجهة شبه منفردة مع هذا الاضطراب.
.