في الخطاب الاستعلائي (للديمقراطيين)

تاريخ النشر: 19.03.2021 | 06:04 دمشق

مع حلول الذكرى العاشرة لانطلاقة الثورة السورية، يعود الحديث مجدداً في أوساط العديد من الجماعات السياسية السورية حول ضرورة تشكيل أو إنشاء كتل أو تجمعات سياسية وازنة، استجابة لما تمليه المرحلة الراهنة التي تشهد استفحالاً لمأساة السوريين من الناحية الإنسانية، موازاة مع حالة الانسداد الكامل في مسار العملية السياسية التي تعكس كامل بؤسها في اللقاءات المترنّحة للجنة الدستورية. لا شك أن نبرة الحديث عن افتقاد الحالة السورية لتنظيمات سياسية ذات وزن وتأثير، هي الأعلى لدى مجموعات تسمّي نفسها (القوى الديمقراطية) وهي تعني بهذه التسمية الجماعات اليسارية التي ينحدر معظمها من إيديولوجيات شيوعية سابقة، وربما بعضها يعلن انحيازه لتيار ثقافي يتماهى في كثير من جوانبه مع المفاهيم الحقوقية من منظورها الليبرالي.

ولعل الواضح أن هكذا دعوات إنما تأتي استجابة لوجوب المراجعات النقدية الدائمة لمسارات الثورة، إلّا أن الغريب في الأمر، أن هذه المراجعات غالباً ما تكون مواكبة لمناسبة ما، كذكرى انطلاقة الثورة مثلاً، الأمر الذي يستدعي سؤالاً مقلقاً: هل التفكير بأي مراجعة نقدية بات محصوراً بالمناسبات فحسب؟ وهل بات تعاطي السوريين مع واقع القضية السورية يتخذ منحًى وظيفياً يقتضيه واجب المناسبة فقط؟.

بالعودة إلى الجهود التي تبذلها القوى (الديمقراطية) حول ضرورة إنشاء كيان سياسي ديمقراطي وازن، لا بدّ من سماع شرح طويل ومفصّل، واستعراض دقيق من (الديمقراطيين أنفسهم) إلى تشخيص الأسباب الحقيقية التي حالت دون وجود الكيان الديمقراطي المنشود طيلة السنوات السابقة، فذلك ربما يُعدّ الخطوة الأولى والضرورية التي تمهّد للانتقال إلى الخطوة أو المرحلة الثانية من العمل.

في الخطوة الأولى (التشخيص): نسمع شرحاً طويلاً ومفصلاً عن تغوّل القوى السياسية الإسلامية في مفاصل الثورة، وسعيها الحثيث نحو الهيمنة واستثمار العمل الوطني لصالح رؤاها الإيديولوجية ذات النزعة الصارخة نحو التسلّط، كما نسمع شروحات أكثر تفصيلاً عن الدور المدمّر للجماعات الدينية المتطرفة (داعش والقاعدة ومشتقاتهما)، وكذلك عن جميع الفصائل العسكرية المتأسلمة، ودورها التخريبي في استنزاف قوى الثورة من جهة، وفي تشويه الوجه الناصع للثورة السورية في أنظار المجتمع الدولي من جهة أخرى، بل بات من غير المستغرب أن نسمع الكثير منهم لا يكتفي بالحديث عن دور الإسلام السياسي في خراب الثورة فحسب، بل يمتد الكلام على الحاضنة المجتمعية السورية ذات الأكثرية السنية التي اتّسمت بالتديّن، ووفّرت المهاد والغطاء معاً لاستفحال نزعة التطرف والعنف، بل وربما امتدّ الحديث لاستحضار حقب سحيقة من التاريخ، بغية التنقيب في تضاعيفها واكتشاف البذور الفكرية والفلسفية التي أسست لكوابح الوعي والفكر الديمقراطي لدى السوريين، وبالتالي سنكون أمام إرثٍ مليء بالسواد والأوبئة الفكرية والثقافية، أضف إلى ذلك مجتمعاً محكوماً بوعيه وتفكيره الفطري الموروث بنزعة دينية لا تستجيب لأدنى دواعي الحداثة والتطور اللتين يستوجبهما الوعي الديمقراطي الحديث. وبناءً على هذا التشخيص ذي المنشأ (الديمقراطي)، يبدو المجتمع السوري بغالبيته غير مؤهل لاستيعاب، ليس الديمقراطية فحسب، بل جميع مفاهيم الدولة الحديثة، وفي طليعتها: الحرية. وفي هذا السياق تصبح نظرية (التجانس) التي تذرع بها بشار الأسد لتبرير التغيير الديموغرافي في سورية حاجة، ليس بالنسبة إلى السلطة فحسب، بل للقوى (الديمقراطية) أيضاً. إلّا أن المفارقة العجيبة التي ربما خفيت، أو أخفاها (الديمقراطيون) هو أن الشعب السوري الموصوف بالعقم من جانب الديمقراطيين، هو ذاته من فجر ثورة آذار 2011 العظيمة، والتي بفضلها يتحدث (الديمقراطيون) وسواهم بهذه الأريحية.

يتساوى في ذلك من حمل السلاح ليدافع عن نفسه وأمه وأبيه وإخوته في مواجهة العصابات الطائفية المتوحشة التي كانت تذبح الناس بالسواطير، مع الداعشي الذي يقطع الرؤوس لمجرد اعتقاده أن الآخرين كفرة.

ما هو مؤكّد، أننا لسنا بصدد محاكمة تشخيصات (الديمقراطيين) التي حالت – طيلة السنوات الماضية – دون الوصول إلى مبتغاهم، وذلك لسببين اثنين، الأول أنهم أحرار فيما يذهبون إليه ويستنبطونه، بل ربما يتفق المرء مع شطر لا بأس به مما يذهبون إليه. والثاني: أن تلك التشخيصات لم تعد جديدة، بل باتت ملازمة لأي حديث يطال مسار الثورة من حيث التقييم والتقويم، ولكن اللافت للانتباه، والموجب للدهشة بآن معاً، أن مراجعات (الديمقراطيين) غالباً ما تتجه خارج بناهم الفكرية ومرجعياتهم الإيديولوجية وتاريخ أحزابهم وذواتهم وكياناتهم المُحصّنة جميعها، وبقوة من أية سلطة نقدية، فهم غالباً ما يتموضعون، أو يضعون أنفسهم في الحيّز الناصع من تاريخ أي حدث، بل ربما ولّد لديهم الاستغراق في تشخيص الأسباب التي أجهضت تطلعاتهم ومبادراتهم (الديمقراطية) سردياتٍ عميقة من المظلومية التي تتماهى في أشكالها مع سواها من المظلوميات الرائجة، فهم – وفقاً لاستنتاجاتهم البحثية والنقاشية – ضحيّة مؤامرة أسهم في نسجها الدين والعادات والتقاليد والسلطات الحاكمة والجماعات الدينية المتطرفة، بل وربما الفطرة الاجتماعية للناس المختلفين عنهم لأنها غير صالحة لاستنبات الوعي الديمقراطي.

لم نشهد (للديمقراطيين) خلال ما فات من عمر الثورة، حديثاً واضحاً عن مُنجَز ديمقراطي بعينه، بل ما شهدناه في الغالب، هو مواقف صادرة عنهم تجاه قوى أخرى، وربما اعتقدوا أن تقييمهم لمنجزات الآخر يكفيهم عناء الفعل أو المبادرة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ما تعرّض له السيد رياض الترك من هجوم كاسح لكثير من القوى (الديمقراطية)، ليس لتقصير في مواكبة الثورة (وهو تقصير مفترض لا أؤيده)، ولكن بسبب موقفه غير المتصادم مع الإخوان المسلمين، سواء في (التجمع الوطني الديمقراطي عام 1979) أو في (إعلان دمشق عام 2007)، بينما شهدنا بالمقابل ثناء وتعظيماً وصل إلى درجة (رفع القبعات) للمنجز الذي حققه حزب الاتحاد الديمقراطي (pyd) في محاربة داعش.

ولكي تكون الخطوة الثانية منسجمة مع مقدمات ونتائج الخطوة التي سبقتها (التشخيص)، فأول ما يجب الإفصاح عنه، بل وضرورة الجهر به كي يسمع العالم أجمع، هو التبرؤ من معظم الظواهر والتداعيات ذات المآلات المؤلمة في الثورة، وفي طليعتها العسكرة التي لا تنسجم بالمطلق مع مفهوم التغيير الديمقراطي ولا مع النزعة السلمية للثورة، بل ربما بدا مجرّد حمل السلاح سمةً طاردة لأي مفهوم ثوري ديمقراطي وفقاً لخطاب (الديمقراطيين)، وبالطبع، حين يطال الحديث موضوع العسكرة، فإنه لا يُطرح في سياقه الزمني، من حيث دوره الوظيفي منذ ظهوره وحتى مآلاته الراهنة، بل غالباً ما يُنظر إليه في أكثر حالاته قذارة وخراباً، ثمّ تُؤخذ هذه الحالة على أنها سمة ثابتة، وبناء عليه: يتساوى في ذلك من حمل السلاح ليدافع عن نفسه وأمه وأبيه وإخوته في مواجهة العصابات الطائفية المتوحشة التي كانت تذبح الناس بالسواطير، مع الداعشي الذي يقطع الرؤوس لمجرد اعتقاده أن الآخرين كفرة. مما لا شك فيه أن عقداً من الزمن، قد فات من عمر الثورة، يُظهر كمّاً هائلاً من الفواجع والكوارث التي نتجت بفعل عوامل متعددة، منها ما هو ذاتي، ومنها ما كان بفعل التدخل الخارجي القاهر للجميع، ولئن كان التقييم السليم لما جرى ويجري يستدعي المزيد من الموضوعية والتجرّد من النزق الفكري المنبعث من رواكم الإيديولوجيا، وهذا بالطبع يدعو إلى مزيد من بذل الجهد والعناء فضلاً عن الإحساس بالمسؤولية، إلّا أن البعض ربما اختار طريقاً آخر من المراجعة، ربما لاعتقاده بأن هذا الطريق هو الأسرع للوصول للمبتغى، وهو القفز فوق الوقائع، والخلود إلى ما هو راكن في الذهن، ذلك أن المآلات الراهنة للثورة، والتي – بالتأكيد – لا تسرّ أشدّ مناصريها والمتحمّسين لها، قد تكون مغرية للتبرؤ الكامل حتى من أبسط مظاهرها الرمزية، وهو علم الثورة، وبالفعل فإن عدداً من القوى (الديمقراطية) ترى بعد عشر سنوات، بضرورة إلغاء العلم الأخضر، والرجوع إلى اعتماد علم الجمهورية العربية السورية.

لعله في غاية الموضوعية، أن تختلف القوى السورية المتعددة في تقييمها لما جرى ويجري، وربما من حقها جميعاً أن تتباين في تفسير حدث واقع بالفعل، ولكن من غير الطبيعي هو حذف الفعل، من حيث كونه مرجعية مادية للخلاف، والتعالي عليه بخطاب هو أقرب للثقافوية التي تتحاشى مقاربة الوقائع خشيةً من افتضاح خوائها.

النزعة المتعالية لخطاب (الديمقراطيين) عن الثورة، بدلاً عن البحث والتفكير الموضوعي في عمق إشكالياتها، يقود بسهولة إلى القول: بإمكان أي امرىء أن يبحث عن ثوب على مقاسه ومزاجه، ولكن من غير المنطقي أن يبحث عن ثورة تحدد مصير شعب كامل وفقاً لمقاس أفكاره وتصوراته، فسعيُ (الديمقراطيين) نحو تعزيز القناعة بأن كل مظاهر الدعشنة والعنف والتطرف، وتخلف الوعي، هي امتدادات طبيعية لسمات متجذّرة في المجتمع السوري، يشبه إلى حدّ بعيد مسعى الإسلام السياسي لتعزيز القناعة – وبالقوة ذاتها – بأن جميع الأفكار والرؤى غير الإسلامية، والقوى الحاملة لها، إنما هي مصدر وباء داهم يهدّد بالخراب كينونة الأمة. بل إن حال (الديمقراطي) الذي ما يزال يتوهم بأن (ابن تيمية والغزالي والشافعي) ما يزالون يضغطون على خناقه كي لا يتنفّس هواءً ديمقراطياً، هو مماثل من حيث التفكير، للإسلامي الذي يرى في الحريات بجميع أشكالها، والقيم العلمانية، كابحاً له، يحول دون انطلاقته لتحرير القدس، وربما فتح الأندلس.