في الحاجة إلى معارضة سوريَّة

2025.11.01 | 06:35 دمشق

5525
+A
حجم الخط
-A

في الفضاء السوري الحالي تتشظى الحدود بين الواقع والتمثيل كأنه نابع من مسرحٍ عبثيٍّ لا يميز بين الجدية والهزل. إلى حدٍ بات فيه المسار الواقعي يُقرأ - في كثير من الأحيان – على أنه مساحة هشَّةٌ بين الحقيقة والنكتة.

والمشهد في هذه الحالة يتجاوز كونه مجرد تضخّم في الأنا الفردية والذات الواحدة التي تبحث عن مركز وإن لم تجده تحاول اختراعه بلا قواعد ثابتة. التحولات الاجتماعية في سوريا بعد أكثر من عقدٍ من الحرب والانقسام والتهجير والاحساس العارم بالهزيمة، عمّقت هذا الانفصال بين الواقع المعيش والواقع المُمَثَّل، إذ صارت وسائل التواصل الاجتماعي منصةً لإنتاج نسخٍ متخيلة من الوطن، تتصارع فيها الخطابات لا البرامج، والشعارات لا السياسات. ذلك العالم الافتراضي وفّر مساحة للتنفيس لا للتنظيم، وكرّس وعياً زائفاً بالفاعلية السياسية على شكل احتجاج رقميٍّ بلا أثرٍ مادي، ومواقف متناقضة تُقال في العلن وتُمحى في الخفاء أو العكس في كثير من الأحيان.

في ظل هذا الفراغ، تبدو الحاجة إلى معارضةٍ حقيقية أشبه بالحاجة إلى ميزانٍ يعيد توزيع الأكسجين في الرئتين السياسيتين. فالمعارضة ليست نقيض الدولة، بل شرط حيوي لاستمرارها. هي الصوت الذي يختبر صدق الخطاب الرسمي، والعين التي ترى ما تحجبه السلطة عن نفسها، والذاكرة التي تمنع النسيان من التحول إلى سياسة. وإذا كانت الحرية التي تنالها الشعوب ليست سوى فرصةٍ لتكون أفضل. فإنَّ المعارضة هي تلك الفرصة التي تتيح للمجتمع أن يكون أفضل من سلطته، وأن يرى في الدولة شريكاً  لا وصياً.

حين تغيب المعارضة، لا يختفي النقد وحده، بل تختفي معه إمكانية الحلم.

المنطقة الرمادية

الخطاب العام الحالي في ظل غياب العملية السياسية يمكن وصفه بالخلطة القائمة على مزيج من السخرية المرّة والتبرير المستمر، وكأن المجتمع يعيش في منطقة رمادية يتناوب فيها الألم والتهكم على تفسير الواقع. هذا التداخل ليس عرضاً سطحياً، بل نتيجة لمسار طويل – امتد لعقود- من تفريغ المعنى السياسي وتحويله إلى طقسٍ شكليٍّ أو إلى أداة لاستمرار السلطة. في هذا السياق، يغدو الحديث عن المعارضة ليس مطلباً ديمقراطياً فحسب، بل ضرورة وجودية لإنعاش الحياة العامة واستعادة المعنى وترسيخ مفهوم الدولة. وبالتالي إنَّ وجود المعارضة ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة بنيوية لأي سلطة أو نظام يسعى إلى البقاء والتطور. فالمعارضة هي الوظيفة الحيوية التي يؤديها المجتمع الحيوي لمنع السلطة من التحول إلى عبءٍ عليه أو إلى أداةٍ لاحتكار الحقيقة. وحين تغيب المعارضة، يتحول الحاكم إلى مرآةٍ يرى فيها نفسه فقط، ويغدو الوطنُ صدى لصوته، فتفقد السياسة معناها وتصبح مجرد إدارةٍ للمخاوف الأمنية والاقتصادية والمجتمعية وغيرها.

عندما تغيب المعارضة، لا يختنق النظام السياسي فحسب، بل يبدأ بالتحلّل البطيء من الداخل، كما يتهالك الجسد تماماً. عندها تفقد الدولة ديناميكيتها الطبيعية، وتتحول إلى بنية مغلقة تتغذى على ولاءات متبادلة لا على كفاءةٍ أو رؤية، ويغدو الانتماء فيها طقساً إجبارياً، لا خياراً نابعاً من قناعة. السياسة في مثل هذا المناخ تنزلق من كونها إدارة للاختلاف إلى أن تصبح فناً للخوف، تُدار به الجماعات وتُكبح به الرغبات، فيُستبدل النقاش بالتلقين، والحوار بالإذعان، والتعدد بالتماثل.

في غياب المعارضة، تضيع اللغة الثانية للمجتمع، تلك التي تُصحّح، وتجادل، وتضع مرايا أمام السلطة كي ترى ما لا تريد أن تراه. فحين تصمت الأصوات المختلفة، تتوهم السلطة أنها تمثل الجميع، وتفقد قدرتها على الإصغاء والتراجع والتصحيح. فكل نظام يحتاج إلى من يعارضه كي يحيا، لأن الاعتراض ليس نقضاً للوجود، بل اختبارٌ له، ووسيلةٌ لتجديد شرعيته عبر مساءلته المستمرة.

عند انكسار هذه الدائرة، يصبح المجال العام ساحةً خرساء تتكلم فيها الشعارات بديلاً عن البشر، وتعلو فيها الأصوات لا لتقول، بل لتُخفي غياب القول. المواطن، في هذا المشهد، لا يُشارك في صناعة مصيره، بل يراقبه وهو يُصاغ نيابةً عنه، فيتحوّل إلى متلقٍّ دائم، مستهلكٍ لما يُقال عنه، لا لما يقوله. ومع الوقت، تتآكل فكرة الإرادة العامة نفسها، ويُستبدل بها نوعٌ من الوعي المُملى، يُعيد إنتاج السلطة ذاتها في عقول الناس، حتى وهم يظنون أنهم أحرار.

حين تغيب المعارضة، لا يختفي النقد وحده، بل تختفي معه إمكانية الحلم. فالمعارضة ليست مجرد نقيضٍ للحكم، بل هي البوصلة التي تُبقي الاتجاه صحيحاً في خضمّ العواصف. إنها الذاكرة التي تذكّر مؤيدي السلطة بأنها قابلة لارتكاب الأخطاء، والصوت الذي يمنع التاريخ من أن يتحول إلى نشيدٍ واحد. فمن دونها، تتورم السلطة في ذاتها، ويذبل المجال العام، وتتحول السياسة إلى مرآةٍ واحدةٍ تنعكس فيها صورة الجماعة التي تحكم، في حين يتلاشى الصوت المجتمعي في الخلفية كظلٍّ بعيدٍ لا صوت له ولا ملامح.

الوحدة التي تُبنى على الصمت تبقى هشّة، أما تلك التي تُبنى على النقاش والاختلاف فهي أكثر رسوخاً.

المعارضة السياسية

في هذا السياق، تبدو إعادة بناء فكرة المعارضة السياسية في الحالة السورية مهمة تتجاوز المسمّيات التنظيمية أو الأطر الحزبية التقليدية، لأنها تمسّ جوهر العقد الاجتماعي نفسه، الذي تآكل عبر عقودٍ من احتكار الخطاب العام وتجريم الاختلاف. فالمعضلة لا تكمن فقط في القمع غير المباشر – عبر منصات التواصل الاجتماعي- لمن يعبّر عن رأي مخالف رغم مركزية دور هذا القمع في تشكيل المناخ العام. بل في تآكل البنية الذهنية والسياسية التي تجعل النقد فعلاً مشروعاً لا فعلاً معادياً. في بلادٍ اعتادت عقود السلطة فيها أن تساوي بين مفهومي الولاء والانتماء. يصبح من الطبيعي أن تتعطل آليات التوازن، ويتحوّل المجتمع إلى مجالٍ مغلق يُعاد فيه إنتاج الخوف جيلاً بعد جيل.

وبالتالي فإن إعادة بناء المعارضة هنا ليست مجرد استعادة لصوتٍ مفقود، بل هي إعادة تأسيس للسياسة كمجالٍ عمومي. فالمجتمع لا يحتاج إلى معارضين بالاسم، بل إلى فضاء يتيح ممارسة الفعل النقدي من دون أن يُترجم فوراً إلى تهمة. ووفقاً للمنظور البنيوي في العلوم السياسية، لا يمكن لأي نظام أن يستمر في غياب ما يُعرف بآليات التصحيح الذاتي التي تعني القدرة المؤسسية على مراجعة الذات وإصلاح الأخطاء عبر النقد والمساءلة. وحين تغيب هذه الآليات، تدخل الدولة في حلقة مغلقة من التبرير الدائم، ويُختزل المجال العام إلى وظيفة إعلامية أحادية تُعيد إنتاج الخطاب نفسه بأصوات مختلفة.

وبناء على ذلك فإنَّ التحول المطلوب في سوريا – بعد ما يقارب العام من إسقاط نظام الأسد- لا يبدأ بإعلان أحزاب جديدة، بل بتفكيك الثقافة السياسية السلطوية التي رسخت مفهوم الطاعة كقيمةٍ عليا، وأفرغت السياسة من مضمونها المدني. وبناء المعارضة الفاعلة في هذا المناخ يعني بالدرجة الأولى إعادة الاعتراف بالمواطنة كهويةٍ سياسية، لا مجرد انتماء إداري؛ ويعني أيضاً تحويل الفضاء العام من ميدانٍ للنجاة الفردية إلى ساحةٍ للفعل الجماعي القائم على التعدد والتنافس المشروع.

المفارقة التي يمكن لمسها في الحالة السورية تكمن في أن الدولة والمجتمع كليهما بحاجة إلى معارضة حقيقية. الدولة لتستعيد شرعيتها التاريخية وتمنع تحلّلها البطيء، والمجتمع ليستعيد ثقته بنفسه وقدرته على الفعل. وهنا لا بد من الإدراك أن فعل المعارضة ليس  مشروعاً مضاداً، بل آلية لإعادة إنتاج التوازن داخل البنية السياسية والاجتماعية للدولة. وقبول الاختلاف وإطلاق عنانِه لا يهدد وحدة الدولة، بل يرمّمها؛ لأن الوحدة التي تُبنى على الصمت تبقى هشّة، أما تلك التي تُبنى على النقاش والاختلاف فهي أكثر رسوخاً.

المعارضة ضرورة لا خصومة، ويفرض على المعارضة في ذات الوقت أن تنظر إلى ذاتها كطرفٍ مسؤول لا كندٍّ غاضب، ضمن هذه الثنائية يمكن للمجتمع أن يغادر تلك المنطقة الرمادية بين السخرية واليأس.

مصفوفة آيزنهاور

في المقاربة العلمية لهذا العرض إذا ما تم إسقاط نظرية "مصفوفة آيزنهاور" التي تميّز بين ما هو عاجل ومهم، وما هو غير عاجل وغير مهم، على الحالة السياسية السورية، يمكننا أن نرى بوضوح كيف انقلبت الأولويات بين السلطة والمعارضة على نحوٍ عطّل إمكانات التطور السياسي والاجتماعي معاً. فكلتاهما، في لحظات كثيرة، انزلقتا إلى إدارة العاجل وإهمال المهم، وهو ما جعل الزمن السياسي السوري زمناً قصيراً، متقطعاً، متشنجاً، لا يمتلك رؤية استراتيجية لما بعد اللحظة التي يعيشها.

السلطة، في تطبيقها العملي لمصفوفة آيزنهاور – عن وعي أو من دون وعي-  تمارس نمط إدارة الأزمات لا إدارة الدولة. فنراها تنشغل بما هو عاجل: أمنٌ يومي، ضبطٌ للمشهد، امتصاصٌ للغضب، ومتابعة الانطباعات العامة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. لكنّها تهمل ما هو مهم وغير عاجل مثل بناء مؤسسات تشاركية، إصلاحات قانونية وهيكلية، وتأسيس بيئة ثقة تسمح بمشاركة المجتمع في القرار. إنها تتعامل مع السياسة بوصفها دائرة إطفاءٍ مستمرة، لا بوصفها مشروعاً استباقياً للتوازن والتنمية. هذه المقاربة تُنتج استقراراً شكلياً، لكنها تزرع هشاشةً عميقة في البنية العامة، لأن كل ما يُرحّل اليوم سيعود غداً على شكل أزمة مضاعفة.

في المقابل نرى أنّ المعارضة تورطت في منطقٍ مشابه، إذ انشغلت هي الأخرى بالعاجل: الردّ اللحظي، البيان الغاضب، الموقف العابر، والمنافسة الرمزية على تمثيل الصوت المعارض على وسائل التواصل. في حين ظلّ المهمّ - أي بناء بدائل فكرية ومؤسساتية، صياغة برامج واقعية، وتأسيس خطاب مدني قادر على مخاطبة الداخل- مؤجلاً إلى أجلٍ غير معلوم. فكما تكافئ الخوارزميات في العالم الرقمي الانفعال والضجيج، تكافئ البيئة السياسية الحالية سرعة الرد أكثر من عمق الفهم، ما جعل الأصوات المعارضة أسيرة الإيقاع ذاته الذي أرادت تجاوزه بشكل أو بآخر.

لو استُعيد منطق مصفوفة آيزنهاور في التنظيم السياسي للحالة السورية، لأمكن للسلطة والمعارضة أن تلعبا أدواراً تكاملية لا تصادمية. فـدور السلطة ينبغي أن يتركّز على المهم العاجل من مثل: حماية الأمن العام، تسيير مؤسسات الدولة، والاستجابة السريعة للأزمات، ولكن من دون أن تُهمِل المهم غير العاجل من قبيل إصلاح البنى الدستورية، تمكين المشاركة، وإعادة تعريف مفهوم الشرعية على أساس الكفاءة والشفافية لا الولاء والبراء. أما دور المعارضة، في المقابل، فيجب أن يتمحور حول المهم غير العاجل تحديداً وهذا يتمثل في بلورة الرؤى بعيدة المدى، إنتاج النقد البنّاء، وصياغة التصورات المستقبلية للدولة والمجتمع، من دون أن تستنزف نفسها في ردود الأفعال اليومية والآنية التي تستهلك قدرتها على الإقناع والتأثير.

بهذا التوازن، تصبح مصفوفة آيزنهاور خريطةً لإدارة العلاقة بين السلطة والمعارضة. الأولى تحافظ على إيقاع الدولة وتماسكها، والثانية تحافظ على عمقها واتجاهها. وعندما يتبادل الطرفان الأدوار بوعي، يتحول الصراع من نزاعٍ على البقاء وإدارة الدولة إلى توزيعٍ للوظائف التاريخية في خدمة المجتمع، حيث العاجل والمهم يلتقيان لا ليتنازعا الزمن، بل ليصنعا مستقبلاً قابلاً للدوام والحياة.

كل ما سبق يتطلب من السلطة الاعتراف بأن المعارضة ضرورة لا خصومة، ويفرض على المعارضة في ذات الوقت أن تنظر إلى ذاتها كطرفٍ مسؤول لا كندٍّ غاضب، ضمن هذه الثنائية يمكن للمجتمع أن يغادر تلك المنطقة الرمادية بين السخرية واليأس، ويستعيد ثقته بالواقع كحقيقةٍ قابلةٍ للتصديق لا كتمثيلٍ دائمٍ للحياة. عندها فقط، تُولد السياسة من جديد، لا كاستعراضٍ للبطولة أو طقسٍ للولاء، بل كحوارٍ مستمرٍّ حول معنى العيش المشترك في وطنٍ يريد أن يتنفس من جديد، لا أن يتفرّج على مصيره من بعيد ويشاهد عملية إعادة إنتاج الحقيقة المطلقة عبر مفهوم ومركزية الحزب الواحد الجديد.