في "التنظّم" السياسي السوري

تاريخ النشر: 25.05.2018 | 00:05 دمشق

الثورة تمرد؛ فعلٌ عسير التنظيم. الثورة السورية كانت مثالية من هذه الناحية، عجزت القوى الإقليمية والدولية عن حشرها في إطار، ولهذا حظيت بكل هذا الكم الهائل من مناوئة الأعداء، والأصدقاء.

ثار السوريون على البطريركية، ليس على سلطوية نظام الأسد وحسب، ثمّة سيرة ضاربة الجذور في الإرث، وثمّة جوانب من النظام العالمي المعاصر، الذي يفتقر إلى العدالة، مشمول بتلك الثورة.

يجب أن لا نتوقع إذن، حصيلة سياسية "مؤطرة" لهذه الثورة، ولا لثورات الربيع العربي الأخرى، ولا لأي ثورة. هي فقط تهدم المنعات والأسوار، لتتيح لقوى جديدة أن تتقدم، وتنشئ سيرة جديدة، تقترب بهذا القدر أو ذاك، من "الحلم"، دون أن تلامسه بالطبع.

من الناحية العملية، تعني عبارة قوى جديدة: “انتظامات جديدة"، تنبثق عنها مؤسسات جديدة.

من الخطأ انتظار قيام الدولة لبناء التنظيمات السياسية، ذلك سيدفع بالمجتمع المنفلت من عقال المواضعات التقليدية إلى سجون الماضي

والمؤسسات لها جزء مادي، وآخر فكري، وسلوكيات يلتزم بها المنضَّمون. والهدف هو إيجاد "قوة تنفيذية" قادرة على تمثيل رؤى ومصالح جماعة أو فئة أو مجتمع ما.

بما أن السوريين يطمحون إلى بناء الدولة التي طالما افتقدوا إليها، فنحن نتحدث بداية عن تنظيم سياسي، هذا الذي لا يمكن تخيله أو بناء أركانه سوى من خلال مؤسسات صغرى عاملة، تنمو وتندمج وتتشارك، أو تنجز تسويات بينية للوصول إلى الشكل الأفضل من الاجتماع، المفكر به، والمرضي عنه، مع ضمان الفعالية: "الدولة".

من الخطأ انتظار قيام الدولة لبناء التنظيمات السياسية، ذلك سيدفع بالمجتمع المنفلت من عقال المواضعات التقليدية إلى سجون الماضي، وسيطرح مجدداً التضامن الأهلي بديلا عن منهجية المؤسسة. وهذا خطأ، ومن غير الممكن ارتكابه كاملاً، لحسن الحظ.

"المؤسساتية" في مرمى إدراك السوري الثائر، لمس فعاليتها وخطورتها منذ أن شكل مؤسساته "الثورية" الأولى: التنسيقيات، لجان التنسيق المحلية، كتائب الجيش الحر في نسختها الوطنية، المجالس المحلية غير الخاضعة لأجندات الداعم، المنابر الإعلامية الحرة...إلخ. وخبرها بصورة أكثر تقدما من خلال علاقاته المديدة مع المؤسسات الدولية التي تعاطى معها، وتلك التي عاش في كنفها حين تمّ تهجّيره، في أوروبة على وجه الخصوص.

نويات التنظيمات السياسية يمكن أن تتكون في أي مكان وداخل أي مجموعة، في سوريا أو في المهجر،

الحقيقة أن السوريين يقفون على أعتاب بلورة تجربة تاريخية، وإعادة تنظيمها على رقعة واسعة جداً، تحت العنوان الصحيح والدائم: السياسة

لا تقتضي سوى لثلاثة عناصر: الأفكار، والأشخاص الراغبين في العمل السياسي، والعلاقة "الالتزام".  

على العنصر الأخير يتوقف النجاح، فهو يخلق الترابط المنهجي بين الفكرة والفرد والمنظمة، ويحدد الاهداف والمراحل والمسؤوليات والصلاحيات... يخلق "السلطة"، التي لا يمكن للمؤسسة أن تنجز عملها بدونها.

يبدو الأمر للوهلة الاولى وكأن السوريين فقدوا كل أوراق القوة، ولم يتبق أمام نشطائهم والفعالين بينهم سوى الاستقالة من الشأن "السوري"، أو الاحتماء بمؤسسات وهمية غير منتجة. بينما الحقيقة أن السوريين يقفون على أعتاب بلورة تجربة تاريخية، وإعادة تنظيمها على رقعة واسعة جداً، تحت العنوان الصحيح والدائم: السياسة. وتذكّر بموجة بدايات القرن العشرين، عندما أطلقوا هم ذاتهم القاطرات السياسية الكبرى في المنطقة العربية، قبل أن يقتل العسكر الطائفيون، ذلك الشغف السوري بالسياسة، لعدة أجيال.

المسألة الإشكالية التي يفترض أن تبنى عليها التنظيمات السياسية الجديدة نفسها، كما التنظيمات الجديدة المدنية والثقافية والحقوقية، هي: الآن، وبعد أربعين عاماً، ماذا تحتاج سوريا؟

غالبا أن الجواب سيكون بالنسبة للقوى الوطنية الديمقراطية هو أننا نحتاج اليوم لآلية عمل سياسي لطرد المحتلين واستعادة استقلال القرار الوطني. أما على المدى البعيد فيجب البحث عن أفضل الطرق لتحقيق حياة كريمة للسوريين، شأنهم شأن كل شعوب العالم المتحضرة. وتلك تنطوي على رؤى وتفاصيل متباينة جداً، لكنها ستكون المادة الأكثر ثراء للتجربة الديمقراطية الحتميَّة.