في التقاط الأنفاس وواجب المجتمع المدني الحلبي

2024.12.04 | 05:04 دمشق

قلعة حلب
+A
حجم الخط
-A

استطاعت المعارضة السورية ضمن عمليتي "ردع العدوان" و"فجر الحرية"، بسط سيطرتها على كامل مدينة حلب، وهذه المرّة الأولى التي تستطيع فيها المعارضة السيطرة على حلب، لا سيما "القسم الغربي" منها، الذي يشهد تنوعاً دينياً متمايزاً عن المناطق التي سبق أن سيطرت عليها المعارضة.

قدَّمت المعارضة عبر غرفة "إدارة العمليات العسكرية" خطاباً أقرب إلى الوطني منه للأيديولوجي، في رغبة جلية في إدارة الانطباع العام أمام الرأيَين العامَّين المحلي والدولي، في محاولة للتدليل على وجود بديل مدني وعسكري جديد عن النظام السوري قادر على فرض السيادة على المنطقة.

مع أنّ "هيئة تحرير الشام" تقود العملية، إلا أن التجاوزات المدنية والانتهاكات تعتبر أقل مما كانت عليه ضمن العمليات العسكرية السابقة، وهذا يدفع بالضرورة لأجل التفاؤل الحذر من مآلات السيطرة المستقبلية وآليات العمل المنتظرة.

أرسلت "حكومة الإنقاذ" تطمينات كبيرة لأهالي حلب، ما جعلهم في حالة أفضل لكنها لم تصل بعد إلى الشعور الكامل بالحرية والأمان، لأسباب مختلفة لا شك أن أبرزها الخوف من عودة النظام للمدينة..

تستقدم الهيئة "حكومة الإنقاذ" إلى مدينة حلب من أجل إداراتها، وفي الوقت ذاته تدعو منظمات المجتمع المدني السوري والفرق الإنسانية والصحافة الغربية للدخول إلى حلب والعمل من أجل المدينة؛ لكن انتشار لافتات جهادية في أحياء مسيحية كالميدان جعل المراقب لهذه التطورات حذراً أمام السلوك الذي تنتهجه "الهيئة".

أرسلت "حكومة الإنقاذ" تطمينات كبيرة لأهالي حلب، ما جعلهم في حالة أفضل لكنها لم تصل بعد إلى الشعور الكامل بالحرية والأمان، لأسباب مختلفة لا شك أن أبرزها الخوف من عودة النظام للمدينة كسيناريو سابق والانتقام من الأهالي، والثاني متعلق بخلفية بعض قوات المعارضة كالهيئة التي ما زالت الشكوك حول ارتباطها بـ"القاعدة" حاضرة رغم تحولات كبيرة في إدارة الجولاني؛ لكنها تبقى من ناحية السلوك مربكة وغير كاملة أو حقيقية، في ظل انتشار عناصر جهادية غير سورية في حلب كما أظهرت إحدى الصور أمام القلعة، عندما رُفعت راية "هيئة تحرير الشام" على قلعة حلب إلى جانب علمي الثورة السورية وفلسطين.

تتطلب المرحلة الجديدة، ضرورة "إدارة التكامل الوطني" من خلال دخول أهالي حلب أنفسهم الذين سبق أن كانوا جزءاً من المشهد المدني والإنساني قبل تهجيرهم، أواخر العام 2016، ويبدو أن هذا يحصل بدخول تلفزيون سوريا، وفريق ملهم، والدفاع المدني السوري، واتحاد طلبة سوريا (SSU)، ونقابة المهندسين السوريين الأحرار للمدينة والعمل ضمن القطاعات المدنية؛ بجانب وجود ناشطين بأعداد كبيرة يجولون في المدينة ويزورون الأهالي، خاصةً في الأحياء التي تشهد تنوعاً ثقافياً ودينياً.

وهذا بالفعل يشي بوجود نية ورغبة لدى "إدارة العمليات العسكرية" بإدارة التنوع في مدينة حلب؛ لكنه يبقى في مراحله الأولية؛ فسؤال السياق هو الأهم بمعنى هل "حكومة الإنقاذ" جادة في إدارة التنوع مع إفساح المجال أمام المجتمع المدني وناشطي حلب للعمل، أم أن ذلك مرتبط فقط بالمرحلة الحالية وضرورتها واستثماراً بها؟

ثمّة نضال ضد الديكتاتورية يتبعه آخر ضد العسكر، فسيادة المجتمع المدني مواجهاً المجتمع العسكري من أصعب استحقاقات الثورة، ولا يمكن اعتبار "حكومة الإنقاذ" و"الجولاني" سوى مجتمع عسكري لن يكون قادراً على فهم ظروف حلب وسياقها وتنوعها من دون التعاون مع أهلها وناشطيها والمجتمع المدني الحقيقي فيها، وعند هذه النقطة سيكون من غير الصائب خلق مجتمع مدني مشوّه، كما فعل "الجولاني" في إدلب، لأنّ ذلك سيعني نهاية الفرصة الذهبية الثانية للمعارضة السورية.

ضمن هذه الظروف، فإن "إدارة العمليات العسكرية" مطالبة بالدعوة الحقيقية إلى تشكيل حكومة "مدنية" ائتلافية تضم الأطراف السورية جميعها، والتفاعل مع قيمة وحجم الحدث والمدينة، فإلحاق حلب بـ"حكومة الإنقاذ" في إدلب غير ممكن، بينما الدعوة السريعة لتشكيل حكومة تضم الجميع وتصدّر أبناء المدينة أمر مهم للغاية وسيفتح المستقبل أمام السوريين والنموذج السوري الحقيقي البديل عن "الأسد".

لا بدّ من دخول المجتمع المدني السوري إلى حلب على وجه السرعة وأخذ الأدوار المناطة به قبل فوات الأوان؛ فإمكانية خلق نموذج وطني ممكنة وهي بيد المجتمع المدني وحده، بقدر أهمية التطمينات، لكنها غير كافية للاسترخاء والتسليم بالانفتاح..

"حكومة الإنقاذ" أمام تحد كبير وخيارات عديدة وممكنة إن أرادت التنازل عن الفكر العسكري لصالح المدني، وإدارة التنوع والتكامل الوطني السوري وإفساح المجال أمام الحريات؛ ليس من بوابة الخطاب فقط وإنما في السلوك والنموذج، وهذا ممكن عبر التعاون ومد اليد الوطنية للجميع، لأن الرفض ستكون ضريبته كبيرة وأهم مفرزاتها المواجهة مع المجتمع المدني السوري في حلب ولربما سيكون هو الأهم لخصوصية المدينة وطبيعتها.

ومن هنا، يأتي دور المجتمع المدني السوري، لا تسمحوا لأحد أن يفرض عليكم أجندته مهما كانت، حلب لا يمكن إدارتها إلا بالتنوع والخطاب الوطني المحلي، ومن كبرى الأخطاء رفع أي رايات في حلب سوى علم الثورة السورية، وتتحمل النقابات والمنظمات مسؤولية كبيرة بعدم ترك حلب لمصيرها والتسليم بأي أمر واقع، كما تتحمّل مسؤولية التعلم من التجارب السابقة؛ بمعنى أن تتحول النماذج الحوكمية الوطنية السورية إلى أمر واقع وليس العكس.

ما يعني أنه لا بدّ من دخول المجتمع المدني السوري إلى حلب على وجه السرعة وأخذ الأدوار المناطة به قبل فوات الأوان؛ فإمكانية خلق نموذج وطني ممكنة وهي بيد المجتمع المدني وحده، بقدر أهمية التطمينات، لكنها غير كافية للاسترخاء والتسليم بالانفتاح؛ فالعمل السريع واجب قبل أن يجد المجتمع المدني السوري مهجراً للمرّة الثانية من حلب، فليكن تحرير حلب هو الأخير وليكن النموذج السوري الوطني الذي طال انتظاره.