في البديل السياسي

تاريخ النشر: 01.06.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 20.12.2018 | 04:32 دمشق

 عاجلا أم آجلا، سيبرز الفراغ السياسي في سوريا، وسيُطرح السؤال عن البديل مجدداً.

نحن لم نسأل أنفسنا كيف وبأي ظروف استولى نظام الأسد على السلطة في البلاد. اكتفينا بالقول إنه نظام غاصب. وأعفينا أنفسنا من مهمة تغيير تلك الظروف والكيفيات التي تحدد النظام "المأمول" الذي نطمح إليه.

لقد نشأت دولتنا السورية في حضن المستعمر الفرنسي، الذي بناها سياسياً مؤسساتيا وإدارياً على شاكلة الدولة الفرنسية الحديثة، التي نشأت وتطورت في سياق تاريخي مختلف كلياً. ينضاف إلى ظروف النشأة الشاذه هذه، أنه حين تركها للسوريين لم يكن يملك هؤلاء لا الخبرة ولا القدرة على إدارتها.

إن الثوار أسقطوا النظام فعلياً، على الأقل في المناطق التي تم تحريرها، إلا أننا فشلنا في إقامة أي نموذج يعتد به لما نأمل.

 فانحرفت الدولة بسرعة إلى مجرد سلطة، مغلفة بإطار حداثي، بمضمون ضارب في التقليدية. وانتهى إلى سلطة طائفية عشائرية متوارثة، لا تمت إلى مفهوم الدولة أو الوطنية أو القيم الجمهورية المزعومة بأي صلة. ولم يبق من تلك الدولة سوى الحدود التي رسمها، وجماعة بشرية هائمة على وجهها، داخل ذلك القفص الوهمي، وفي شتى بقاع الأرض.

ولأن نخبنا السياسية والثقافية لم تطور تاريخياً مفهوما جاداً للنظام السياسي المأمول، ولم نحظ برجال دولة أكفاء يتكفلون بالمهمة، فقد تخبطنا في مرحلة الثورة، شأننا عندما تخبطنا في فجر الاستقلال. ومع أن الثوار أسقطوا النظام فعلياً، على الأقل في المناطق التي تم تحريرها، إلا أننا فشلنا في إقامة أي نموذج يعتد به لما نأمل. ووصل العجز إلى درك النكوص إلى مقترحات غرائبية، عن دول وإمارات خرافية، لا يمكن تحقيقها سوى في خيالات بعض المهووسين. على نحو ما حدث بعيد الاستقلال، حين طرح العسكر شعارتهم الكبرى في مرحلة الانقلابات السوداء.

منطلق النظام السياسي الجديد هو المجال السياسي، الذي أغلق قسريا لنحو نصف قرن.  وبناته هم الأجيال الجديدة، التي عركتها التجربة القاسية. وريادته معقودة للأكثر معرفة ومثابرة.  

لم تكن كبوة الدولة الأولى ناتج النزعات السلطوية لدى فئة معينة فحسب؛ كانت نتاج ثقافة مجتمع كامل. لقد تغير هذا المجتمع في العمق. وواجب الفئة القائدة، إعادة تأسيس العلاقات داخله، وبين الوسط السياسي والمجتمع، على أسس صحيحة. والإمساك بمبادئها وقيمها، بالتشدد أخلاقي والقيمي، الذي يسم المؤسسين عادة.

سوريا التي تحيا، لا يمكن أن تبنى إلا على أساس تفويض الشعب. لكن هذا المبدأ لا يستقيم إلا إذا اتبعه تحديد معنى الشعب،

ولكي ينجز النظام السياسي وظائفه على أكمل وجه، لابد من آليات تضمن سلاسة مرور الأفكار والنشاطات والتفاعلات، سواء كانت سياسية أو غير سياسية.

الذي لن يكون ممكناً تعيينه أيضا سوى وفق مفهوم المواطنة، أي التساوي الكامل بين جميع أفراد المجتمع. هذا سيقتضي في المحصلة نظام سياسي منفتح، وقابل للاختلاف بأوسع درجاته، ولا ينطوي على قيود أو آليات إقصاء أو تهميش أو اغتيال أو تصفية سياسية مقنعة.

ولكي ينجز النظام السياسي وظائفه على أكمل وجه، لابد من آليات تضمن سلاسة مرور الأفكار والنشاطات والتفاعلات، سواء كانت سياسية أو غير سياسية، وصولاً إلى إرساء توازنات جديدة حداثية، تقصي الآليات التقليدية وتفككها. وتفتح الباب لتغيير عميق في الثقافة والعلاقات السياسية، وتنقلها من الأهلي والشخصاني، إلى الفكري والبرامجي.

الفساد أيضا، بكل أشكاله ومعانيه، يجب أن يكون هدف عملية استئصال جذري، لا مجرد حرب أو محاربة.

تتوفر المرحلة الحالية على كم هائل من المؤهلين مبدئياً لقيادة عملية التأسيس الثاني للدولة ونظامها السياسي، ولدينا المناسبة، ولدينا الظروف الملائمة، ولدينا الضرورة. ولا ينقصنا في الواقع سوى إرادة التصدي لهذا الاستحقاق، ووضوح الرؤيا. فالصراع على الدولة، أو أزمة الحكم، الذي شكّل تاريخنا منذ فجر الاستقلال، آن له أن ينتهي. وآن لمستقبل بلدنا أن يبدأ.