فيلم (ريش).. ثورة في عالم السينما العربية وتعرية لأعرافها

تاريخ النشر: 06.11.2021 | 05:17 دمشق

عليوي الذرعي

تبدو فكرة الفيلم المصري (ريش) طفولية وأقرب للسذاجة منها لعمل سينمائي جاد؛ فهي عبارة عن رجل يتحول إلى دجاجة. وسرعان ما يتبادر للذهن أن الفيلم ينتمي إلى نمط  الخيال العلمي، ولكن يبدو أن الكاتب أراد أن تكون الفكرة وليدة الواقع وغير مستوردة، ولذلك وصل للفكرة وجعلها تنبع من معتقدات المجتمع وأعرافه المتوارثة.

فالرجل الذي تحول إلى دجاجة بفعل السحر وليس بفعل تجارب علمية؛ أحضر ساحراً إلى منزله ليقوم ببعض الألعاب البهلوانية بهدف إسعاد طفله في عيد ميلاده، واستطاع الساحر أن يحول رب الأسرة إلى دجاجة لكنه فشل في محاولات استعادته، فبقي الرجل دجاجة إلى آخر الفيلم تقريباً.

دكتاتورية التلقي وصلت لمستوى محاكم التفتيش

الفيلم من إخراج "عمر الزهيري"، وحاز على جائزتين من مهرجان "كان" السينمائي، كما فاز بجائزة فرايتي بمهرجان الجونة، لكن كثرة هذه الجوائز ترافقت مع اعتراض بعض الفنانين على عرضه بمهرجان الجونة، اعتراضاً وصل لدرجة مقاطعة العرض والخروج من القاعة في أثناء عرض الفيلم.

 

 

"فيلم مثير للجدل ويسيء لسمعة مصر" بحسب بعض الفنانين من أرباب السينما المصرية، واعتبروه تعدياً على حرمة السينما، والبعض الآخر من الفنانين والنقاد المشتغلين بهذه الصنعة أقاموا ما يشبه محاكم التفتيش للفيلم؛ وفي هذه الأثناء تم تسريبه على بعض المواقع ثم تم سحبه مرة أخرى. ويرجّح أن التسريب كان مقصوداً من قبل صناع الفيلم للاحتكام للشارع والاستقواء به.

لا شك أن الفيلم نخبوي نوعاً ما، ويمكن اعتباره فانتازيا اجتماعية، جاء في فترة سيادة الأفلام التجارية التي تعتمد على شهرة الممثل إضافة الى نمطية القصص. فغالبًا ما كانت الأفلام تحتوي على راقصة وبلطجي ونادي ليلي، فوصفةُ الأفلام التجارية جاهزة، وحتى عندما تناقش الأفلام قضايا الفقر فغالباً ما يتم تدنيس طبقة الفقراء.

 

 

لم تتجاوز كلفة الفيلم 400 ألف يورو، حيث استخدمت فيه أدوات بسيطة، وشارك في تمثيل أدواره ممثلون يظهرون لأول مرة، وتم اختيارهم من أوساط مصرية نائية وفقيرة. وتمكن الفيلم من تحويل فتاة أمّية لا تقرأ ولا تكتب إلى بطلة عالمية! ونجح بذلك في تعرية كثير من الفنانين وصنّاع السينما التجارية.

 

التفاصيل..

امرأة تبقى صامتة باستثناء كلمات معدودة تتفوه بها.. امرأة مقموعة فقدت القدرة على التعبير؛ يسلمها زوجها بعض الأوراق النقدية المهترئة لشراء حاجيات المنزل كل يوم، ويحدد لها ماذا سيأكلون، ولا ينسى تقريعها على سوء أدائها لواجباتها المنزلية في اليوم السابق.

وعندما يقيم الزوج حفلة عيد الميلاد لابنه، تحدث عملية التحوّل إلى دجاجة كما أسلفنا، لتدخل الزوجة المسكينة بعد ذلك في صراعات كثيرة، كأن تمرض الدجاجة (زوجها) مثلاً لتأخذها إلى الأطباء البيطريين وتشتري لها المبيدات الحشرية. كما تهتم أيضاً بحالة ومكانة زوجها/ الدجاجة، وتحافظ على هيبتها، فتجلسها على سرير الزوج في غرفته.

وعندما تفشل الزوجة في إيجاد الساحر الذي حول زوجها إلى دجاجة، تلجأ إلى سحرة آخرين لاستعادة زوجها إلى سابق عهده ولكن دون نتيجة.

في الختام، يغيب الزوج/ الدجاجة، فتخرج الزوجة للبحث عنه. وبعد طول عناء، تجد الدجاجة مع المشردين، وجسدها مليء بالجروح والطعنات، لدرجة أنها لا تتحكم بنفسها عند قضاء الحاجة. وينتهي الفيلم عندما تقتل الدجاجة.

التكثيف والرمزية

الفيلم ثورة في عالم السينما العربية، إذ تمكن من تحطيم مسلمات كتابة القصة وأعراف السينما. زمان الأحداث مجهول وكذلك مكانها الذي هو عبارة عن منطقة صناعية مهجورة استُخدمت فيها اللهجة المصرية بشكل مقنن، وهذه كانت الإشارة الوحيدة لوجود مجتمع.

شخصيات الفيلم لا تمتلك أسماء، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن شخصياته عامة ترفض أن تُختزل بأسماء.

اختفاء صوت البطلة والاكتفاء بلغة الجسد وحركات العين وبعض الهمهمات، دليل على فقدانها القدرة على التعبير، حتى عندما يتحدث زوجها تبقى منصتة. عندما اختفى الزوج/ الدجاجة، لم تستطع أن تبلغ الجهات المسؤولة عن فقدانه، وبذلك يكون قد جنى على نفسه قبل أن يجني هو عليها.

أيضاً، يبدو أن المرأة لا تقوم بأي ردة فعل.. لا تستغرب، لا تبكي، لا تضحك. لم تبكِ أو تُظهر استغراباً حين تحول زوجها الجبار إلى دجاجة ضعيفة. حتى إنها لم تسأل السؤال الذي يجول بأذهاننا جميعاً: هل هرب الزوج بمساعدة الساحر نتيجة ديونه المتراكمة أم أنه تحول لدجاجة بالفعل؟

وإذا كان قد تحول إلى دجاجة؛ لماذا وجدته الزوجة بين المشردين في نهاية المطاف؟

القانون

عندما تُحاول الزوجة الحصول على راتب زوجها أو العمل مكانه، تصطدم بالقوانين التي تمنع عمل المرأة في المصانع. وحين حاولت الحصول على تعويضاته، رفض القانون ذلك بسبب غيابه غير المبرر عن العمل. تلجأ للعمل في البيوت كخادمة فتتهم بالسرقة وتمنع من العمل في أي بيت (محترم) بحسب ما هو متعارف عليه في القوانين؛ علماً أنها لم تأخذ إلا بقايا الأطعمة لأطفالها الجياع. تتعرض أيضاً لمحاولة اغتصاب من صديق زوجها لكنها لم تلجأ للجهات الممثلة للقانون، ليقينها أن القانون غير مصمم لحمايتها.

لم تستطع سلطة القانون حمايتها أو العثور على زوجها. لكن تلك السلطة، ممثلة بالكلاب البوليسية والحراسة المشددة، استطاعت بسهولة شديدة أن تكتشف (جريمة) سرقتها لبقايا الأطعمة من البيت الذي كانت تعمل فيه. وطبقت عليها القوانين بحزم: "منعها من العمل بأي بيت (محترم)".

التغيير

عندما استطاعت المرأة أن تعبر عن مشكلاتها بدأت الحلول تظهر، كان ذلك عندما طلبت من صاحب معمل السيراميك الذي تعمل لديه أن يسدي لها خدمة، حيث أخبرته بمحاولة الاغتصاب التي تعرضت لها، فنال صديق الزوج ما يستحق من قبل رجال صاحب المعمل.

هنا أيضا يبدو الإنصاف بوضوح فقد بين الفيلم أن الرجال ليسوا سواء؛ فهناك صديق الزوج الذي حاول اغتصابها، وهناك زوجها بحالتيه كرجل مستبد وكدجاجة، وهناك صاحب مصنع السيراميك الذي أنصفها من المتحرش بها وكذلك بحث عن زوجها المفقود ووجده، دون أن يطلب منها مقابلا.

يبدأ تمرد المرأة على أعراف المجتمع وقوانين الدولة عندما بدأت بالبحث عن عمل، ووصل أوج التمرد عندما قتلت الدجاجة.

الدجاجة التي ترمز للخنوع والخضوع في الثقافة العربية، الدجاجة التي تأكل وتبيض فقط، الفعل الوحيد الذي قامت به الدجاجة يعبر عن إرادة حرة وهو تحطيم البيض؛ أي أنها لا تريد أجيالاً جديدة تعيش هذا الذل وهذه المهانة.

المصانع خاوية أشبه بمدينة أشباح.. لا نسمع أصوات الآلات ولا ضجيج العمال، وترمز لانعدام الإنتاج. فالشعوب المقموعة بقوانين جائرة لا يمكنها أن تنتج إلا إذا تحررت.

عندما صادرت شركة الإسكان أثاث البيت، كان التلفاز من ضمن بقية الأثاث، وعندما بدأت المرأة بالعمل وتسديد بعض الأقساط لاستعادة الأثاث، كان أول شيء استعادته هو التلفاز!

أما التلفاز، فكان يعرض أفلام الكرتون طوال الفيلم، كناية على أن شخصية المرأة شبيهة بالشخصيات الكرتونية التي يتم التحكم بها. تحاول الزوجة تغيير القناة لكنها تفشل في كل مرة.

جميع ما يُعرَض لا يمت للفرح بصلة، ولا يظهر بشر على شاشة التلفاز إلا بعد أن تحررت المرأة من قيود المجتمع وبدأت بالتحكم بسير الأحداث، وذلك بعد أن قُتلت الدجاجة/ الرجل/ الزوج. وعندما تحررت، بدأ التلفاز بعرض شخصيات بشرية من لحم ودم، تغني وترقص.