icon
التغطية الحية

فيروز وماردين.. صوت عبر الحدود والجغرافيا وما زال يتجول في الحارات القديمة

2024.06.13 | 09:37 دمشق

2555555555555555555555555555
فيروز وماردين
ماردين - عبد الناصر القادري
+A
حجم الخط
-A

قلما تجد سورياً أو عربياً لا يعرف فيروز أو أغانيها أو يستمع لها رغم توقفها عن الإنتاج الجديد منذ ردح من الزمن، كانت فيروز في الغناء مثل نزار قباني في الشعر، سهلٌ ممتنع، معبرٌ وعفوي، كالرسم بالكلمات أو خرير الماء أو زقزقة العصافير، تفرح بها وتمشي إليها وكأنها غابة وافرة الأشجار تبعدك عن صخب المدن وتعب الأيام.

في ماردين جنوب شرقي تركيا تجد فيروز تطلُ فجأة دون سابق إنذار بصوتها الذي تميزه عن كل الأصوات، تتوقف وتبتسم حيث تعرف بصمة صوتها الخاص الذي يلاحق الأسماع، تسأل ماذا تفعل فيروز هنا؟ يخبروك أنها من ماردين!

في الأزقة العتيقة، والحارات التي تشبه حارات القدس وحلب، بين الجوامع القديمة وأجراس الكنائس، ولد وديع حداد والد فيروز، في مدينة تلتقي بها الحضارات من آشور وبابل إلى السريان والعرب والكرد والأتراك، ومنها انتقل إلى سوريا ثم حط رحاله في لبنان.

كان البحث عن قصة فيروز، لطيفاً ومتعباً بالوقت نفسه، ورغم أن فيروز أو نهاد وديع حداد (الاسم الأصلي لفيروز) من أصل سرياني مارديني، إلا أن الجيل الجديد لا يعرفها جيداً، بل الجيل الأكبر من أهالي المدينة.

بالطبع تغيرت ماردين منذ كانت عائلة حداد تعيش فيها، تقادم الزمن والأحداث الكثيرة التي مرت على المنطقة وتشكل الدول القومية الجديدة، أثّرت على ماردين، ولكنها بقيت مدينة للغات والأديان، يتحدث السكان إلى اليوم السريانية (الآرامية) والكردية والعربية والتركية، ويعيش المسلمون والمسيحيون جيراناً كما كانوا لمئات السنين.

755555555555555
فيروز

نهاد حداد الماردينية.. فيروز البيروتية

ولدت فيروز في قضاء الشوف بجبل لبنان عام 1935، وكانت الطفلة الأولى للعائلة وتربت في حارة زقاق البلاط ببيروت القديمة، تربت الطفلة نهاد في بيت فقير يسمع الأغاني من راديو الجيران، عمل والدها في مطبعة الجريدة اللبنانية (لوريون لوجور)، أحبت الغناء منذ صغرها وجذبها.

على بعد 200 متر من بيت البنت السريانية التي جاء أهلها من ماردين واستقروا في بلد جديد، نزلت ماشية إلى مبنى الإذاعة وطلبت من حليم الرومي أن تغني في الفرقة (الكورس)، حليم الرومي كان قادماً أيضاً من فلسطين.

يقول الكاتب اللبناني "سمير عطا الله" في مقالة فريدة له بصحيفة النهار اللبنانية عام 2005، "كل غريب للغريب نسيب. كان حليم الرومي فناناً متقشفاً، منضبطاً، حزين المعالم من آثار النكبة. وبرد التشرد. وفي هذه البيروت التي (كان) يأتي إليها الفازعون والحالمون والفقراء من الجنوب ومن ماردين ومن أرمينيا ومن كردستان العراق ومن بقايا آشور السابقة، يصنع الغرباء لها مجداً لا يعرفون أنهم يطرزونه حول عنقها الجميل مثل عقد من الخرز الأزرق. يصغي حليم الرومي إلى البنت السريانية الكئيبة الملامح، ويقول لها، بأسلوبه المتقشف الجامد المكتئب بالدوار من وطن إلى ملجأ، يقول لها، دون شيء من ابتسامة: "نهاد حداد اسم لا يعني شيئاً لأحد. سوف تسمين فيروز وسوف تكونين فيروز وسوف تخرجين من الكورس من أجل أن تكوني النغم الجديد في هذه الأمة" وبالفعل كانت فيروز واحد من أشهر المغنيات في العالم العربي على الإطلاق.

355555555555555
وديع حداد والد فيروز

بعد أكثر من 100 عام على مغادرة عائلة فيروز حداد لماردين، يعترف الكاتب وأستاذ الآثار في جامعة مرسين مراد أوزيلدريم، بأهمية الفن العربي وتأثيره على الفن التركي، من أيام الملحن المصري الشهير محمد عبد الوهاب، والموسيقار السوري فريد الأطرش إذ كانت أعمالهم تترجم للتركية لإعجاب الجمهور بأصواتهم وألحانهم.

ويؤكد أوزيلدريم في ندوة عقدها مركز يونس إيمره ببيروت عام 2018، أن فيروز "صوت جبل لبنان"، لها حضور كبير في مرسين وهاتاي وأضنة وماردين وإسطنبول، مشيراً إلى أن أصولها الماردينية كانت عاملاً مهماً في انتشارها، خصوصاً أن الإذاعة التركية كانت تبث أغانيها ولديها في أرشيفها 25 أغنية مترجمة للتركية رسمياً. حتى أن المطربة التركية الشهيرة "أجدا بيكان" غنت في سبعينيات القرن الماضي عدداً من أغاني فيروز بالتركية.

اسأل.. من يعرف فيروز هنا؟

العديد من محال الذهب والفضة وصناعة الحلويات، أصحابها من كبار السن، معظمهم يستمعون لفيروز ويعرفون اللغة العربية ولكن لا يمتلكون معلومات عنها سوى أنها مغنية عربية أصولها من ماردين، ولكن كانوا جميعاً على درجة من اللطافة للمساعدة في الوصول إلى شخص يعرف قصتها أو يمكنه الحديث عن الغناء العربي الذي يسمعه المواطنون الأتراك من ذوي العربية الأم في ماردين.

وبعد جهد جهيد وصلنا في ماردين القديمة إلى أدهم أكسان، صاحب متجر لبيع الأشرطة الموسيقية (الكاسيت)، يخرج من المحل صوت غناء عربي عالٍ ينبه جميع السياح وزوار المدينة إلى شيء لا يعرفونه أو يدخلون ليتعرفوا عليه.

465555555555555555

أدهم أكسان من مواليد ماردين عام 1958، وتعود جذوره إلى القامشلي شمال شرقي سوريا، حيث يوجد أخواله وأقاربه إلى اليوم ولكن الحدود فرقت بينهم قبل قرابة قرن مضى، يعرف اللغة العربية إلى حد ما وخبير بالموسيقى والتسجيلات الموسيقية خصوصاً النادرة منها.

رحب أدهم أكسان بتلفزيون سوريا، وقبل بلطف شديد أن يحكي لنا قصته وقصة أهالي ماردين مع الأغاني العربية، فسكان المدينة حافظوا على تراثهم في الأطعمة والأشربة واللغة إلى جانب اهتمامهم بالمنتجات الثقافية القادمة من العالم العربي بما يتعلق بالأغاني والأفلام والمسلسلات والكتب.

2444444444444
فيروز

أشرطة كاسيت وأسطوانات فونوغراف

في زمن "الساوند كلاود" و"سبوتيفاي" و"أنغامي" و"اليوتيوب" وغيرها، لم يعد أحد يهتم بأشرطة الكاسيت وأسطوانات الفونوغراف القديمة، لم يعد هناك مكتبة موسيقية على الهواتف المحمولة الذكية حتى، فالإنترنت سرّع الوصول إلى كل شيء، لكن العم أدهم البالغ من العمر 64 عاماً لديه وجهة نظر أخرى.

زبائنه يأتون من أقاصي الدنيا، من كندا وأميركا وأوروبا وأستراليا واليابان ليزوروا متحفه الموسيقي الصغير، ويلتقطون معه الصور، حتى أن العديد من الصحفيين والمصورين أجروا معه لقاءات تلفزيونية.

يُصر الرجل الستيني على استمراره في عمله، رغم أن المهتمين بالأسطوانات النادرة والتسجيلات المميزة التي لديه أعدادهم قليلة، إلا أنه يريد أن يعطي هذا الكنز الموسيقي والغنائي لمن يعرف حقه.

صور لكل الفنانين الأتراك الكبار وأشرطتهم النادرة، زكي مورين المعروف باسم شمس الفن التركي، ومسلم غورسيس (مسلم بابا)، وسزن أكسو، ونشأت أرتاش، وأحمد حيسارلي وآجدا بِكان وآخرين.

عمل أدهم أكسان بالإلكترونيات، إلا أنه أولع بالموسيقى اعتباراً من عام 1979، وبدأ عزف الجيتار على المسارح، ما دفعه لترك عمله السابق مستمراً بالموسيقى وبيع أشرطة الكاسيت.

422222222222
أدهم أكسان

في  السؤال الأول طلبنا من أدهم أكسان أن يحدثنا عن نفسه فقال بصوته الهادئ وملامحه الشرقية اللطيفة:

بدأت العمل في مهنة بيع الأشرطة الغنائية منذ عام 1980 تحديداً، حيث كانت تشغل الناس بشكل كبير جداً، رغم أن المهنة كانت تتطلب الكثير من المال حينها، كان وضعي المالي جيداً لذلك استطعت الاستمرار فيها.

في عام 1982 كان في ماردين 3 استديوهات فقط، لمعت فكرة تسجيل ما أعزفه، فبدأت بتسجيل شرائط كاسيت مع إعلانات، وأخرى للشعر الذي أكتبه، وصل عددها لثمانية أشرطة، مع الأسف لم تعد جميعها متوفرة.

لدي شغف كبير بالموسيقى العربية. لأن جذوري عربية في النهاية. بالطبع هناك قيمة كبيرة لبعض الفنانين الأتراك بالنسبة لي. ومنذ الثمانينيات وأنا وحيد في هذا المجال تقريباً هنا، ولذلك يعرفني الجميع في ماردين.

أستاذ أدهم، هل أنت مهتم بالموسيقى والأغاني العربية؟

بالطبع. لا يوجد أي نوع من الموسيقى أغنى من الموسيقى العربية. على سبيل المثال، لدينا فيروز، صباح فخري، جورج وسوف، والعديد من الفنانين الآخرين. لدي حتى ألبومات لفنانين لن يتم العثور على أشرطتهم في سوريا.

ماذا عن فيروز ذات الجذور الماردينية؟

بالنسبة لفيروز عندما كنا صغاراً كان كبارنا يتجمعون حول الراديو لنستمع إلى صوتها، كانوا يقولون إنها ماردينية. في الأصل من ماردين، ولكن عندما تم تقسيم الحدود بين سوريا وتركيا، البعض بقي في ماردين والبعض الآخر انتقل إلى سوريا ومنها إلى لبنان.

أهالي ماردين يحبون فيروز ويستمعون لها حتى اليوم، بالإضافة إلى سكان المدينة، يأتي الناس من خارج تركيا ويشترون ألبوماتها، فهي محبوبة جداً، عندما أشغل صوتها في بعض الأحيان، يسألونني من هذه؟ عندما أقول فيروز، يطلبون مني إعداد نسخة لهم.

522555555555555557
أدهم أكسان

ذكرت صباح فخري، هناك على سبيل المثال في تركيا إبراهيم تاتليسس، ما أبرز الفروق بين الرجلين أو لنقل بين الغناء في تركيا والعالم العربي؟

 صباح فخري لديه أسلوب موسيقي خاص به. أداؤه على المسرح مختلف تماماً. أما تاتليسس، مختلف. لا يجب المقارنة بين صباح فخري وإبراهيم تاتليسس، صباح فخري فنان مرموق جداً. بينما تاتليس مغرور! شخصياً، لا أحبه ولا أرى مناسباً مقارنته مع صباح فخري. ولكن إذا ذكرتم فنانين مثل أورهان كنجباي (مغن وموسيقى تركي)، مصطفى كيسير (مغن وملحن تركي). هؤلاء فنانون محترمون ولديهم تاريخ عريق بالغناء، هناك أيضاً مسلم غورسيس، من الذين لديهم حياة موسيقية حافلة ومهمة، ثم يأتي بعده باريش مانشو، وسيزين آكسو من المطربين الأتراك المميزين الذين تركوا بصمة في عالم الأغنية التركية.

2555555555554
صباح فخري

هل تعزف على أي آلة موسيقية؟

 كنت أعزف الجيتار. لقد تركت ذلك منذ نحو 45 عامًا. في ذلك الوقت، كنا نصنع شرائط كاسيت مع إعلانات، وكنا نقرأ شعراً في بداية الأغاني. كان هناك أحمد سلجوق حقان، الذي كان يقرأ الشعر في بداية الأغاني. كنت قد ابتكرت بعض القصائد لأغنياتي. وهذا بعض من شعري:

 "في الحياة لا يوجد أحد يستحق البكاء من أجله

من يستحق البكاء لن يجعلك تبكي

إذا كان يجب عليك البكاء ارفع رأسك ولا تسمح لدموعك بالنزول بنفس قدر الشخص الذي جعلك تبكي".

قلة قليلة من الناس يستمعون إلى شرائط الكاسيت اليوم. أنت ما زلت تعمل بهذه المهنة، رغم الظروف الصعبة؟

بالطبع الآن الأذواق تغيرت، أتحمل بعملي هذا كل الصعاب لجمع الثمار بالنهاية. وبدأ الناس في العودة إلى شرائط الكاسيت خاصة من الخارج. مثل اهتمامهم بالأنتيكا، لدي 15 ألف شريط كاسيت، وأبيعها ببطء. لماذا؟ لأنه لا يوجد من سيرث هذه الشرائط ويحافظ عليها، لذلك أضطر لبيعها. وإلا لما كنت سأبيعها. إذا كان هناك من سيحافظ عليها، لما كنت سأفرط في هذا الأرشيف الموسيقي المهم.

التقطت صورة أخيرة مع العم أدهم، تبادلنا الأرقام، سألته عن عائلته وأبنائه، "جميعهم يبحثون عن رزقهم خارج ماردين"، يعيش مع زوجته وحيدين في مدينة هامشية صغيرة، كانت يوماً ملتقى للحضارات، مر منها التاريخ وبقي عالقاً.