فيديو المطعم الدمشقي

تاريخ النشر: 08.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 26.04.2018 | 14:20 دمشق

في دقيقة واحدة وسبع ثوان عَرَض شريط الفيديو، الذي انتشر في الأيام القليلة الماضية، لمحة من سهرة في مطعم داخل أحياء دمشق. 67 ثانية وحسب من ليلة طويلة عامرة بالأطايب والنارجيلات والشراب والموسيقى والرقص وأجواء الحبور. وهذا من عاديات الليل في المدن العربية إجمالاً، وخصوصاً في دمشق ما بعد العام 2000 وازدهارها السياحي المشهود في تلك الحقبة.

لكن الاستثنائي في هذا الشريط القصير وتلك الليلة، هو أداء "مطرب السهرة" المدعو بهاء يوسف، أغنية (أو أنشودة) خاصة بالسيدة زينب بنت الإمام علي، على نحو عابث وهزلي، وقيام الساهرين والساهرات بمجاراته رقصاً ولهواً، وتقليدهم - في أثناء الرقص والمرح - اللطم الكربلائي والعاشورائي الشيعي.

وعلى ما يبدو، أفضى انتشار هذا الشريط على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إغضاب الغيورين على السيدة زينب ومكانتها المقدسة، واستفظاعهم لهذا الانتهاك وهذا الخلط بين الخلاعة والرقص وطقوس الخمر وتدخين النارجيلة والاختلاط بين الجنسين مع نشيد تعبوي ديني شيعي من صنيع "حزب الله" وبيئته المتدينة والمحاربة. وربما تلك الغضبة هي التي أدت إلى إحراق المطعم الدمشقي،

المنتهكين والغاضبين هم سوية في "خندق" واحد، سياسي وعسكري، والسهرة أصلاً لا تخلو من إيحاءات الاحتفال والبهجة بانتصار جيش النظام الأسدي، والميليشيات الشيعية المساندة له، على أهل الغوطة

وإلى انتشار ملصق مجهول المصدر والتوقيع على جدران الحارات المجاورة، جاء فيه حرفياً (بخطأ إملائي شنيع): "بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكي يا مولاتي يا زينب الكبرى، يمنع دخول المطرب بهاء يوسف الى أحياء دمشق القديمة" مذيلاً بصورة شخصية لهذا المطرب، ما يجعله شبيهاً بالذي نعرفه من أفلام "الكاوبوي" (الوسترن): مطلوب حياً أو ميتاً.

والحال أن المنتهكين والغاضبين هم سوية في "خندق" واحد، سياسي وعسكري، والسهرة أصلاً لا تخلو من إيحاءات الاحتفال والبهجة بانتصار جيش النظام الأسدي، والميليشيات الشيعية المساندة له، على أهل الغوطة. فقد تزامنت هذه الليلة "الفاخرة" والعامرة بما لذ وطاب مع خروج عشرات الآلاف من سكان جوبر وعين ترما وحرستا وكفربطنا وعربين وسائر بلدات ومزارع شرق دمشق وضواحيها إلى شتات التهجير، وبدا في حماسة المغني لأنشودة "لبيك يا زينب"، وفي تهليل جمهوره لها، دعوة للانتشاء بهذا "النصر" وتصريحا فاحشاً عن عدم غفلة الساهرين بهذا الحدث وترحيباً بما حلّ بسكان الغوطة إلى حد التشفي والرقص فوق جراحهم. بل واحتفالاً بما سيستولون عليه من مغانم يغدقها عليهم النظام كعقارات وأراض وممتلكات ومزارع سيضع اليد عليها بقوانين شبيهة إلى حد بعيد بقوانين "إسرائيل" الخاصة بأملاك "الغائبين" (الفلسطينيين المطرودين من أراضيهم).

إذاً، "الخندق" الواحد هذا لم يمنع من وقوع الواقعة بين ملة السيدة زينب وملة الموالين للنظام (حرق المطعم ومطاردة المطرب). فرغم كل شيء، هذا الحلف العسكري والسياسي لا يرقى إلى سوية التناغم "الثقافي"، فالملة الأولى تتسم بصرامة ووضوح انضباطها الديني، كما تتصف بتماسك خطابها الأيديولوجي الأصولي.. في حين الملة الثانية تعتورها ادعاءات العلمانية والحداثة، وتلفيقات تجمع بين وعي مذهبي "علوي" وخطاب "بعثي" عروبي وقومي، يضاف إليها ادعاءات الليبرالية الاجتماعية والغربنة والعصرنة. وحتى على هذا المستوى، تعمد ملة النظام إلى صنع ثوبها من رقع "قومية سورية" ترطن بالمشرق الحضاري، ورقع "حلف الأقليات" (بوجه الخطر الإسلامي السنيّ)، ورقع "محاربة الإرهاب"، ورقع التقدمية والاشتراكية، إضافة طبعاً إلى رقع "الممانعة والمقاومة" والرقعة الأكثر ابتذالاً "تحرير فلسطين".

ومجتمع على هذا القدر من التلفيق، يسعه بسهولة الجمع بين الويسكي و"لبيك يا زينب" من غير عسر أو جهد. ويسعه أيضاً أن "تلطم" فيه إحدى الساهرات على نحو ضاحك ومتهتك من غير حرج أو تصنّع. وهو ما يذكّرنا في بيروت ببعض اليساريين الذين بعد أن يتعتعهم السكر في الحانات يروحون على سبيل التحدي والاستفزاز والاستقواء يصيحون "كاس السيد حسن نصرالله"..

والحق يقال، إن شريط 67 ثانية، ينقل لنا حمولة هائلة من الصور المعبرة، التي تتكثف فيها "ثقافة" النظام وحاشيته ومريديه، الترقيعية والتلفيقية. فالموسيقى، "الشرقية" افتراضاً، طالعة من آلات الكترونية يابانية، بألحان صاخبة وهجينة ومنحولة من خليط إيقاعات مبتذلة، تهدج بزجل ديني هو بدوره ليس إلا نسخ كسول لرطانة إنشائية حزبية ومذهبية ودعائية، تبناها أهل النظام وموالوه على عجل لتلفيق انتسابهم إلى شيعية خمينية، حين لم يعد يسعفهم الانتساب إلى "البعث" ورسالته الخالدة. والمزج العابث والبذيء بين تلك الموسيقى الدارجة في "النايت كلوب" العربي والأنشودة الحزبية الدينية الرائجة في المعسكرات والجبهات، هو وليد مجتمع اطمأن طويلاً لترهات "الأصالة والحداثة" وتفرعاتها على مثال "الثابت والمتحول". 

وعلى نحو ما صنعته ثقافة التلفيق في المسلسلات "التاريخية" (وحاراتها الشامية) من تدبير أيديولوجي يسوغ اختراع ماض متوهم،

موديلات الفساتين وموضات تصفيف الشعر واكسسوارات الزينة تنم عن مرجعية بورنوغرافية تعهيرية للنساء، من غير إدراك للفارق بين الأناقة والرهافة والتألق من جهة، و"الكيتش" والسوقية والفحش من جهة أخرى.

ديكوراً وأزياء وعادات وأحداثاً وشخصيات ومواقف وجماعات وسياسات، يحل محل التاريخ وحقائقه، وتبتكر فلكلوراً مصطنعاً وهجيناً ومختلقاً لا يتنازل عن ادعائه الأصالة والأمانة التاريخية... تبدو هذه السهرة المصورة صنيعة المخيلة ذاتها وادعاءاتها، ديكوراً وطعاماً ورقصاً وتدخيناً وطقوس احتفال وتسلية، وعلى مثال سهرات علي الديك وديكوره "القروي" المتلفز.

وتضطلع تلك المخيلة بتدبير قوام هذا التلفيق وجمع عناصره، في سبيل اصطناع عادات وتقاليد لطبقة "السوريين البيض" (حسب تعبير ياسين الحاج صالح الحاذق)، من حديثي النعمة وأهل السلطة وضباطها وشبيحتها ورجال أعمالها، من غير دراية أو عناية لا بالأصالة ولا بالحداثة. ويبدو هذا فاقعاً خصوصاً في "صنع" مظهر نساء هذه السهرة، فأسلوب الماكياج وآثار عمليات التجميل (ونموذجها في مواصفات الجمال) وموديلات الفساتين وموضات تصفيف الشعر واكسسوارات الزينة تنم عن مرجعية بورنوغرافية تعهيرية للنساء، من غير إدراك للفارق بين الأناقة والرهافة والتألق من جهة، و"الكيتش" والسوقية والفحش من جهة أخرى.

والرقص الذي يأنس إليه الساهرون يبدو ممسوخاً ما بين الديسكو والدبكة والارتجال الأبله، وهو يحاول تأليف أجساد لا تفلح في الانسجام ولا في التناغم، فيبدو مسرحها قائماً على كوريغرافيا عرض العضلات الذكورية وفق استعراضات الشبيحة ولغة أجسامهم، أو عرض المفاتن الأنثوية وفق مخاتلة الإغواء "الحريمي".

وحتى احتساء الخمر، يبدو هكذا متأتياً من نهم وفجاجة وبلاهة استعراض الفحولة وادعاء القوة، وبشيء من نتعة العدوانية والتبارز. فلا إيحاء بالدعة ولا بحذر التلذذ والتذوق، ولا أريحية أو رقة أو أنس. خمر من صنف تشبيحي، لا من خابية الرقيّ ولا حتى من مزاج الصعاليك. بل وسورياً، بات هذا النوع من شرب الخمر عملاً سياسياً مفتعلاً، يشبه افتعال اللفظ القوي لحرف "القاف" وما يعنيه كهوية مذهبية مستقوية ومتحدية ومتسلطة.

والمكان نفسه، الذي يبدو بيتاً دمشقياً تراثياً وعريقاً، وإذ تحول مطعماً سياحياً لهذه الطبقة على وجه الخصوص، يسعف مخيلة أولئك الساهرين في حلمهم وسعيهم إلى الاستيلاء الرمزي والمادي على الوجاهة الارستقراطية وعلى العمران وعلى تملّك المدينة وانتهاك تراثها و"اغتصاب" ذاكرتها، بما يرفد تربعهم على هرم السلطة وفوق المجتمع، بقوة الامتياز الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

منذ التسعينيات، وما بين القاهرة وخيمها الرمضانية، ودبي وفائض استهلاكيتها، وبيروت وذاكرتها السياحية، ودمشق وخططها الانفتاحية، وبتأثير هائل من "انفجار" بث الفضائيات المباغت والغامر حينها، تمت صناعة نمط عربي جديد من "الترفيه" والسهر، فيه عناصر الخيمة الرمضانية ونارجيلتها وحتى طاولة الزهر والدومينو.. وعناصر المطعم اللبناني وتنويعاته، وعناصر الديكور الدمشقي وتهويمات مسلسلات حاراته، وعناصر مسرح الفضائيات المليء ببرامج فرق الغناء والموسيقى والرقص، بما يرضي السائح الخليجي والمحلي والسائح الأجنبي "الاستشراقي" على حد سواء. وترافق هذا مع نشوء طبقة جديدة عربية من الأثرياء والصاعدين سريعاً وحديثاً إلى سوية الاستهلاك والسياحة والترفيه، والذين يفتقدون لما نسميه "التهذيب البرجوازي" وتحفظه. وهم في الغالب الأعم من الذين جاوروا واستفادوا وعملوا في بيئة السلطة، وشكلوا "نخبتها" المستولية على الثروة والممسكة بأجهزة الدولة الأمنية والإدارية، وهم "الأقلية" التي تتقاسم الريوع والمداخيل وتضطلع بأعمال غسيل الأموال والتهريب ووضع اليد على المرافق ومشاريع الخصخصة والمقاولات وتأسيس الشركات، كما هم ضباط المخابرات وحاشية القصر ومستشاروه وإعلاميوه..إلخ. وهؤلاء وجدوا في تلك التوليفة لمعنى اللهو والترفيه والسهر ضالتهم في إشهار هويتهم "الثقافية".

هذا التشكيل كله ما بين السلطة والسياحة والتلفزيون ونوع السهر وأهله، أو جماع ثقافة التلفيق والترقيع، سرعان ما بات هو صورة العالم العربي، الصورة التي تختزل الهوة السحيقة ما بين أهل النعمة والسلطة وإمعانهم في الفجور وأهل البلد المحكومين الذين لم يجدوا سوى المسجد والتدين وإمعانهم في التشدد والتزمت جواباً متوفّراً.

لقد كانت هي صورة "الفساد" الذي أشعل ثورات الربيع العربي ذات يوم، الثورات التي ماتت فيها "الحداثة" وضاعت معها "الأصالة" (ولا أسف)، ولم يبق بعد هزيمتها سوى هذا اللهو البورنوغرافي فوق ملايين الجثث. 

كلمات مفتاحية