فولتير أو العقل ملكا: قصة القرن الثامن عشر

فولتير أو العقل ملكا: قصة القرن الثامن عشر

13 أيلول 2019

لفت نظري عنوان هذا الكتاب، الذي صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، "ڤولتير أو العقل ملكاً". قرأت الكتاب فإذا هو سيرة شاملة جامعة مانعة لحياة ڤولتير. يصحبنا جان أوريو لنغوص في حياته، ونرى الكتاب يتميز بغزارة الحوادث وتتبع تقلبات شخصية ڤولتير وتناقضاتها: تقلبات قد تسبب للقارىء الدوار. ولبلوغ فهم هذه الشخصية تأخذ وقتاً لتلم بأحداث حياتها. ترى تاريخه الشخصي مرآة لعصره. لقد خصص جان أوريو عدة أعوام لدراسته، واختار هذا الموضوع بدافع المتعة، ولرغبته في أن يعايش الرجل الأذكى، والأفضل تهذيبا في عيون محبيه، والأكثر قحة في عيون أعدائه، على أنه في غمرة هذه التفاصيل قد تتبع نصيحة ڤولتير الذي قال "سر التسبب بالملل هو أن تقول كل شيء". فبدا للكاتب أنه ما من من شيء ڤولتيري كمثل درء الملل عن القارىء. وللحق فإن القارىء لا يمل من الكتاب فهو مترجم بلغة "عبود كاسوحة" البليغة، والكتاب درس في جزالة اللغة ورصانة العبارة وعذوبتها، ولا نبالغ.

ولد ڤولتير على سرير كاتبٍ عدلٍ في عام 1694، وعندما كان عمره عاماً واحداً تم الانتهاء من بناء قصر ڤرساي. اعتقدوا أنه ولد ميتاً، وسنراه يقول لاحقاً "ولدت قتيلاً". لكنه سيظل "كذلك" حتى الرابعة والثمانين. يذكرنا عارف حجاوي في أحد مقالاته بهؤلاء الذين يولدون ضعفاء فيهم علل ويخنقون الثمانين والتسعين، مثل ڤولتير ومثل المعري الذي ولد ضئيلاً وداهمه الموت في السادسة والثمانين، وكذلك سومرست موم الذي ماتت أمه وهو طفل وأصيب بالسل وعاش 91 سنة، وكذلك كان الزهاوي.

فقد ڤولتير أمه وهو في سن العاشرة، ونراه يتبجح بإنكار جدوده، فهم ليسوا على درجة من الشهرة، وهو لا يتكلم عنهم إلا باستهتار، رغم أن الكاتب يخبرنا أن ڤولتير مدين بكثير من السمات والشيم لتلك العائلة، ووالده هو أول واحد من عائلة أُروِيه -التي كان منها ذات سنة دباغ استأجر مكاناً لغسل الجلود - يتسنم مهنة سامية، ويصل إلى طبقة النبلاء.

سنشهد ڤولتير في أعماق مخدعه يضبط حساباته، فكأنه صورة لأبية، الأب الذي لم يكن ڤولتير راغباً في أن يشابهه. فالبراجوزية والمهن التجارية الوضيعة إذا قورنت بوضع النبلاء تثير سخط ڤولتير، أما الأرستقراطية فهي وسطه الحقيقي، لكنه يغفل شيئاً واحداً: لئن فتحت الأرستقراطية الفرنسية أبوابها له، فإنه مدين بذلك لأبيه. صحيح أن موهبته جعلته يتبوَّأُ منزلة رفيعة، لكنه ولجها بفضل كرامة الاسم الذي يحمله.

ويصحبنا الكتاب لمعرفة تاريخ العائلة: أخته مارغريت وأخوه أرمان التقيّ الذي أحدث تناقضاً مع ڤولتير المهرطِق. وكانت خيبة أمل أبيهم

انضم ڤولتير إلى مدرسة يديرها اليسوعيون وهناك تحديداً تعلم ذلك الشكل السامي من الذكاء والفن الذي يسمونه (الذوق). وفي المدرسة عرف نصوص الأدب الكلاسيكي

كبيرة حتى ليقول "لي ولدان أحمقان: واحد من قلة التقوى، والآخر من شدة التقوى". وقد ورث أرمان معظم حصة أبية من الميراث، ولم يكن على وفاق مع أخيه ڤولتير. وكان من أعظم أسباب غمه أن يموت بلا خلف وهو يفكر في أن ممتلكاته سوف تؤول إلى أخيه الكافر!

انضم ڤولتير إلى مدرسة يديرها اليسوعيون وهناك تحديداً تعلم ذلك الشكل السامي من الذكاء والفن الذي يسمونه (الذوق). وفي المدرسة عرف نصوص الأدب الكلاسيكي. واللغة التي سيكتب بها روايته "كانديد" تعلمها في تلك المدرسة. ويخبرنا المؤلف بعبارة بديعة عن مواهب ڤولتير فهو لم يكتسبها إلا بعد صقل طويل للذكاء عن طريق الروائع الأدبية. وكان زمان المدرسة زمان سعادة في نظر ڤولتير، فهو يحب الاجتهاد ويروقه تلقي المديح من معلميه، وظل طوال حياته يلهج بالعرفان لمدرسيه، واشتهر في المدرسة بسبب مهارته في نظم الأشعار.

نراه يغادر المدرسة ويندمج مع المستهترين بالعقائد، ويشعر بأنه ولد سيداً عظيماً وزنديقاً. ومن هنا بدت كلمته المذهلة التي توجه بها إلى أحد الأمراء في أثناء عشاء كان الجميع في أثنائه يتنافسون فطنة وجرأة، إذ قال "كلنا هنا أمراء أو شعراء"، كلمة قيلت في حضرة أمير من الأسرة المالكة. ڤولتير يرى أن الأمير والشاعر سيان، فالشاعر لا علاقة له بالناس العاديين وهو مماثل للأمراء.

وحين قرر أن يكون أديباً، وقع النبأ وقع الصاعقة على عائلته، وردَّ عليه أبوه "إنها حال رجل يريد أن يكون عديم النفع في المجتمع، وأن يتحمل أهله أعباء الإنفاق عليه، ويرغب في أن يموت جوعا". فانضم إلى مدرسة الحقوق لكنه لم يتكيف فيها واعتبرها مستودع أعلاف، لا عجب فشخصية ڤولتير لا ترضى إلا بصحبة النبلاء أو الأمراء، وهو في حاجة إلى أماكن مزدانة بالزخارف ليبتهج فتتفتح قريحته. لا يسعى ڤولتير إلى الانضمام إلى النبلاء فقط، بل يريد أن يكون نداً للملوك.

خاف عليه أبوه من حرفة الأدب لأنها كانت مهنة على قدر من الوضاعة في ذلك العصر، لكن ڤولتير من أوائل من سيصنعون للأدباء مكانة اجتماعية مرموقة. ابن عائلة يقطع الأواصر بينه وبين وسطه البرجوازي ليكون فناناً. ورغم محاولة ڤولتير أن يكون فناناً نراه في أعوام شبابه خفيفاً، أو قل مندمجاً في التفاهة الاجتماعية وتصدر عنه كلمات جميلة، أو قصائد غزلية لكنها تتلاشى تلاشي العطور الخفيفة التي تفوح من الدوقات. على أنه كان متألقاً حسن القيافة حين يمشي، يتكلم مثل الأمراء، ويتمتع بكياسة فطرية، فنحن في عصر الصالونات، وطلاوة الحديث يؤهلك لمصاحبة علية القوم، فهم ينتشون بالحديث الذكي انتشاءهم بكؤوس النبيذ.

وفي عام 1715 توفي الملك لويس الرابع عشر أعظم وأشهر ملوك فرنسا الملك الشمس. كان أديبنا في الحادية والعشرين من العمر، وبوفاة الملك تنفست أوروبا البروتستنتية وفرنسا الكاثوليكية الصعداء. لقد كان موته خاتمة مُلك ونهاية عصر، مُلك اتصل اثنتين وسبعين سنة، عصر بدأ بأمجاد الانتصارات الحربية، وبهاء الروائع الأدبية، وفخامة فن الباروك، وإرهاق الشعب وإفقاره، وتطلع الجميع في

لا يسكر ڤولتير من الخمر، بل من الصحبة الرقيقة في القصور وعلى ضفاف نهر اللوار، فالشعر والمسرح وحفلات رقص البالية هي أجواؤه الاجتماعية

أمل وشك إلى الحكومة التي ستخلف الملك المهيب الذي راح غير مبكي عليه وظهر وصي العرش الذي سيخوض مع فولتير صراعاً جديداً، وتدفق نهر الانحلال الذي كان يجري في السر، ليتدفق تدفقاً مباغتاً في العلن وسط المجتمع. وينتشر الإلحاد في كل مكان، وتتراخى الأخلاق دفعة واحدة، أي أن الناس باتوا يفعلون علانية من دون رياء ما كانوا يرتكبونه في الخفاء. ويكتب ڤولتير المسرحيات ويدخل هذا العالم الخفي من كواليس الممثلين والفنانين.

نتوقف عند منتصف العشرينيات من شبابه ونتخيله عذب اللسان يجلس أمام الدوقات والنبلاء ويقرأ مسرحياته، لا يسكر ڤولتير من الخمر، بل من الصحبة الرقيقة في القصور وعلى ضفاف نهر اللوار، فالشعر والمسرح وحفلات رقص البالية هي أجواؤه الاجتماعية، لكنه شديد الملل وينتقل من مدينة إلى أخرى ويقول عن نفسه: لست مُهيأً للإقامة طويلاً في المكان نفسه. ولسوف يجوب في حياته المديدة الكثير من الطرق. موطنه الحقيقي هو المنفى، أو بالأحرى التنقل والحركة.

الأساس في حياة الإنسان سنوات الطفولة والشباب الباكر، وكان الكتاب مميزاً في التعمق في هذه السنوات. فأما فولتير العظيم فسيرته معروفة، وعلاقته الندية مع ملك بروسيا فريدريش الأكبر التي تراوحت بين الرضا والغضب كانت من أحداث القرن الثامن عشر الثقافية الموحية ولعلنا نزور القرن الثامن عشر في مقالة آخرى.

كلمات مفتاحية
روسيا تنفي استهدافها الجنود الأتراك وترسل سفناً حربية إلى سوريا
أتراك من أمام القنصلية الروسية في إسطنبول: بوتين قاتل
اجتماع طارئ للناتو بطلب من تركيا
مسؤول تركي: لن نمنع السوريين من الوصول إلى أوروبا برا أو بحرا
ضحايا مدنيون في تجدد القصف الجوي والصاروخي على إدلب
الأمم المتحدة تعلن مقتل 21 مدنياً في حماة خلال يومين
بعد السيطرة على سراقب.. الفصائل تشنّ هجوماً من محور جديد
الكرملين: بوتين لن يلتقي بأردوغان في الخامس من آذار
تركيا: قواتنا ستنفذ مهمتها بعد انتهاء مهلة إدلب
حصيلة إصابات فيروس كورونا في دول الشرق الأسط (إنفوغراف)
الصحة العالمية: أكثر من 80 ألف إصابة بفيروس كورونا حول العالم
كورونا تضرب حلف المقاومة..