فوضى في القصر الجمهوري..

تاريخ النشر: 20.01.2022 | 05:38 دمشق

ارتبط اسم الإمبراطور الروماني نيرون ارتباطاً وثيقاً بحريق روما، ربما لأنها الجريمة الأكبر والأشهر التي حفظها له التاريخ، وقد زاد في طنبور تلك الجريمة النغمة التي أطلقها نيرون حينما كان يعزف على القيثارة -كما تقول الروايات التاريخية- بينما روما تحترق..

النوتة الموسيقية ذاتها تكررت في سوريا من خلال احتفالات الأسد وأتباعه على إيقاع الدمار والحرائق، احتفالات سماها السوريون "الدبكات"، وهي تشمل الدبكات الحقيقية والدبكات الاصطلاحية المؤلفة من شتى أنواع الاحتفالات والمظاهر الزائفة وإجبار الشارع على لعب دور الكورس، ومن خلال الأبواق التي تروج لانتصار النظام، بينما سوريا تتآكل.

الفرق بين نيرون والأسد، أن الأول كان مسرحياً وموسيقياً، ولربما استطاع أن يعزف قطعة موسيقية منسجمة توازي فظاعة الجريمة التي ارتكبها، ولكن الأسد وأتباعه لم يقدموا سوى نغمات نشاز حتى في أسلوب الجريمة والاحتفال بها، ليس فقط بحكم جهلهم بالموسيقا، بل أيضاً بسبب افتقادهم لأي "دوزان" يمكن أن يحدده قائد أوركسترا الجريمة فيفرمل شهوة القتل والحرق عند الفرقة.

حرق روما لم يكن سوى جزء من جرائم نيرون البشعة، فقبل ذلك قام نيرون بقتل زوجتيه، أمر بقطع رأس إحداهما، وركل الأخرى الحامل على بطنها حتى ماتت، كما قام بتسميم أخيه غير الشقيق بعد تهديد أمه له بتسليم الأخير مكانه، ثم لم يتردد في إرسال حراسه لقتل أمه ذاتها بصورة بشعة عندما أحس أنها ستنافسه في الهيمنة على القرار، وعندما عرفت أجردينا (والدة نيرون) بأن الحارس جاء ليقتلها بأمر من ابنها، كشفت عن بطنها وطلبت من القاتل أن يطعنها في رحمها، في المكان الذي ولد منه نيرون، وهو ما حصل.

لو تأملنا حالة قصر بشار الأسد اليوم، لوجدناها شديدة الشبه بما كان سائداً في قصر الإمبراطور الروماني نيرون

لم تكن أجردينا بريئة، فلقد قامت بدورها بقتل زوجها، الإمبراطور "كلاوديوس" وهو خالها في الوقت نفسه، والذي تزوجته طمعاً بالسلطة، مخالفة الأعراف والقيم الرومانية، والجدير بالذكر هنا أن أجردينا هي أخت الطاغية "كاليجولا"، وقد تربت في بيئة سياسية إجرامية تتعامل مع القتل على أنه حالة طبيعية.

ولو تأملنا حالة قصر بشار الأسد اليوم، لوجدناها شديدة الشبه بما كان سائداً في قصر الإمبراطور الروماني نيرون، فثقافة القتل هي المهيمنة على أفراد تلك العائلة التي توارثت جينات الجريمة قبل وراثة الحكم، وغدا القتل بالنسبة لهم فعلاً اعتيادياً لا يختلف كثيراً عن الأفعال اليومية الأخرى من أكل وشرب ونوم.. إلخ، وطبعاً من يستمرئ القتل فلن يجد في السرقة والنهب والفساد وتجارة المخدرات وابتزاز الناس فعلاً خارجاً عن المألوف، فتلك أمور لا تلفت نظر القصر أو تستوقف أحداً من ساكنيه، لأنها جزء مكمل لأخلاقيات أصحاب ذلك القصر ومسلماتهم.

ومن ناحية أخرى، تبدو الحالة الداخلية للقصر والعلاقات التي تربط بين ساكنيه شديدة التشابه مع حالة العلاقات السياسية غير القابلة للانسجام والتجانس، والتي تربط بشار الأسد بحلفائه وخصومه، هي علاقة محفوفة بالمخاطر، حقل ألغام تعلم الأسد أن يمشي فوقه ولكنه لن يضمن انفجاراً يمكن أن يحدث في أية لحظة.

منذ يومين يضرب الحوثي قلب الإمارات، فيعلن عن حالة عداء ترقى إلى مستوى حرب، الحوثي خصم للإمارات وهذه تدعم الأسد بشكل مطلق والأسد هو حليف للحوثي الذي يضرب الإمارات ويعلنها كعدو، فضلاً عن دعم الأخيرة للسعودية خصم الأسد العتيد، وقيادتها عملية التطبيع مع إسرائيل التي يدعي الأسد مقاومتها وممانعتها، وقيادتها في نفس الوقت عملية التطبيع العربي مع الأسد رغم تحالفه العميق مع إيران عدوة العرب الحقيقية وفق كل المعطيات والشواهد التي ظهرت للعلن في السنوات الأخيرة..

وإذا ما أضفنا علاقة روسيا القوية اليوم مع تركيا رغم حالة العداء الشديدة التي يكنها النظام لتركيا، فسنجد المشهد الدولي المحيط ببشار الأسد شديد التداخل والتعقيد حيث الخصوم حلفاء والحلفاء خصوم أيضاً، وأن انفجاراً مرتقباً يمكن أن يحدث في أية لحظة، قد يطيح بكل المسلمات التي تم إرساؤها كقواعد لعبة دولية جديدة، تتشابه مع قواعد وأسس الخصومة والعداء وتفاصيل العلاقات القائمة داخل القصر الجمهوري نفسه.

وإذا ما تأملنا ما يحدث اليوم في القصر الجمهوري، فسنجد ذات الصراعات التي سادت في القصر الروماني في نهايات حكم نيرون، فبصرف النظر عن جرائم القتل، نهب نيرون الإمبراطورية الرومانية وارتكب الكثير من الجرائم، ولكنه تحلى بالجرأة على الانتحار في نهاية المطاف، أما في حالة الأسد وحلقته الضيقة، فلا يملك أحدهم تلك الجرأة على الانتحار ولا الرغبة فيه رغم كل الأسباب التي تدعوهم إلى ذلك، ويبدو أن الجشع والشراهية للسلطة والمنافسة السرية، والتآمر المكبوت وتحيّن كل ساكن في القصر الفرصة لإزاحة الآخر والاستئثار بالسلطة، بات عنواناً أساسياً للقصر الجمهوري.

ثمة صراع على منصب الرئيس نفسه، ولكنه صراع شديد الحذر، فالموت قتلاً يترصد المخطئ، وكل من في القصر مشكوك فيه، دائرة من الشك تهيمن على أفراد العصابة التي ظلت متماسكة إلى أن انتهت من ارتكاب الجريمة ولم يعد أمامها سوى الاختلاف على الغنائم..

كل ذلك باتت سبباً رئيسياً لفوضى عارمة تجتاح القصر الجمهوري في الفترة الأخيرة، فوضى صامتة كالهدوء الذي يسبق العاصفة، ولكن الانفجار متوقع في أية لحظة ومفتوح على احتمالات الحرائق داخل القصر نفسه هذه المرة..

ربما يلعب انتصار الأسد العسكري على السوريين بمساعدة داعميه، الدور الحاسم في تآكل نظامه من الداخل، صحيح أن الصورة الخارجية لا تزال متماسكة وتدل على هيمنة الأسد وسيطرته على قرار القصر، ولكن الإشارات غير المباشرة الصادرة من الحلقة الضيقة تقول شيئاً آخر، هناك صراعات نسائية بين أسماء الأسد ومنافساتها على بشار وعلى رأسهن لونا الشبل، صراعات بين بشار وماهر، وصراع من خارج القصر ولكنه لصيق به مثل محاولات سومر وسوار الأسد- ولدي رفعت- مؤخراً، التنسيق مع دول عربية وغربية لإزاحة بشار، بماهر كبديل مؤقت، وهو الخبر الذي انتشر مؤخراً على وسائل الإعلام..

وبصرف النظر عن دقة الخبر، فهو يأتي في سياق منطقي، حيث لا يزال أقارب الأسد ومنافسوه الذين تمكنت منهم شهوة السلطة، يسعون بكل إمكانياتهم لتحقيق حلمهم بالوصول إلى كرسي الحكم، حتى إن رفعت الأسد ذاته لم يتخل يوماً عن ذلك الحلم، وقد تُفسر عودته في سياق صفقة معينة يستفيد منها بشار، ولكنها قد تخفي خلفها جزءاً من الخطة التي وردت في الخبر المتعلق بسومر وسوار..

لقد سلم بشار أمره خارج القصر لإيران وروسيا، مما جعله يفتقد تماماً لأي قرار على مستوى سياسة البلد، أما داخل القصر فثمة فوضى عارمة، أهمها فوضى الرأس والقيادة

تعيش عائلة الأسد اليوم في دائرة الحذر، حذر من الأخ والزوجة، ولربما من الأبناء، ألم تقتل أجردينا والدة نيرون زوجها من أجل تسليم ابنها السلطة؟ ومن يضمن أن أسماء الأسد لا تخطط لشيء مثل هذا؟ لقد قيل قديماً الملك عقيم، أي أنه لا يراعي صلة القربى بما فيها الأب والابن والأخ والعم، وبحكم خبرتهم في القتل، يعرف آل الأسد أن أحداً منهم لن يتوانى عن قتل الآخر للوصول إلى السلطة.

لقد سلم بشار أمره خارج القصر لإيران وروسيا، مما جعله يفتقد تماماً لأي قرار على مستوى سياسة البلد، أما داخل القصر فثمة فوضى عارمة، أهمها فوضى الرأس والقيادة، مما يعزز فرضية فقدان بشار السيطرة داخل قصره أيضاً، وهي ذات الفوضى التي سبقت انتحار نيرون.

ووفق المعادلات الدولية السائدة اليوم، لا يلوح في الأفق المنظور أن المجتمع الدولي سيمارس أي ضغط جاد على بشار الأسد يدفعه للتنحي، ولذلك فالأمل الوحيد يمكن تعليقه على صراعات القصر ذاتها، فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله..

بعد موت نيرون، أصدر مجلس الشيوخ في الإمبراطورية الرومانية مشروعاً سمّوه: لعنة الذكرى، وقاموا بتحطيم تماثيل الديكتاتور المجنون، وطمْس كل ملامح المرحلة التي حكم فيها في محاولة لمحو تاريخ نيرون بالكامل من ذاكرة روما، ولكن ذلك المشروع باء بالفشل، فلا يمكن محو مرحلة متوحشة من التاريخ مهما بلغت ظلاميتها، ما فعله الأسد وحده يمكن أن يساهم في تحقيق حلم روما ومحو ذكرى نيرون، حيث تفوق عليه في الجريمة والتوحش بما يضمن طيّ صفحته من التاريخ..

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار