icon
التغطية الحية

فورين بوليسي: هل سيشتاق الغرب لسوريا العلمانية؟

2024.12.24 | 15:18 دمشق

آخر تحديث: 24.12.2024 | 15:24 دمشق

بشار الأسد برفقة رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير - التاريخ: 31 تشرين الأول 2001
بشار الأسد برفقة رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير - التاريخ: 31 تشرين الأول 2001
The Foreign Policy - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- خلال مقابلة عام 2015، حاول بشار الأسد تقديم نفسه كحليف للغرب ضد الإرهاب، لكن الصحفي اعتبره شريكًا غير موثوق به بسبب رؤيته المضللة.
- بعد سقوط الأسد، أصبحت مصداقية مزاعمه موضع تساؤل، حيث كان نظامه قمعيًا وفاسدًا، بينما وعدت هيئة تحرير الشام باحترام حقوق الأقليات رغم تاريخها المرتبط بالقاعدة.
- يبرز المقال أن العلمانية لا تضمن الفضيلة، والتدين لا يعني القمع، مع استمرار الشكوك حول قدرة الثوار على تحقيق إصلاح حقيقي في سوريا.

بعد سقوط الأسد، كتب الصحفي الأميركي الذي يشغل منصب رئيس تحرير مجلة Catalyst وهو عضو رفيع لدى معهد جورج دبليو بوش، ورئيس تحرير سابق لدى صحيفة فورين بوليسي، ومدير تحرير سابق لمجلة Foreign Affairs، مقالة بعنوان: عدوي عدوكم، هذا نصها:

خلال الأسبوعين الماضيين، وفي أثناء احتفال العالم بإسقاط ديكتاتور سوريا الذي حكمها لفترة طويلة، عدتُ مرات عدة لمضمون الرسالة التي سلمها لي بشار الأسد في عام 2015.

حدث ذلك الحوار بيننا في أثناء لقاء جمعني به في دمشق، عندما كنت أعمل لدى مجلة Foreign Affairs وطلبت مقابلة مع الأسد قبل عامين على ذلك، وبعد مرور أكثر من سنة وثمانية أشهر على الصمت المطبق، وردني اتصال من مكتب الأسد يدعوني لإجراء حوار معه في غضون خمسة أيام، فرتبت أمور السفر مع مديري في التحرير، ووزارة الخارجية، وزوجتي التي كانت حاملاً آنذاك، ثم انطلقت إلى بيروت ومنها براً عبر سهل البقاع إلى الحدود التي توجهنا منها نحو العاصمة السورية دمشق.

كنت أول صحفي أميركي يلتقي بالأسد منذ سنين، فكانت تلك التجربة تجربة سوريالية، إذ في ذلك الوقت كان نظام الأسد يخسر الحرب (حدث ذلك قبل أن ترسل روسيا قواتها الجوية لتنقذ الأسد)، بما أن الثوار قد سيطروا على قرابة 55% من البلد، ولم يكن خط الجبهة يبعد عن قلب دمشق أكثر من 15 كيلومتراً.

في غرفتي بأحد الفنادق كتبت ملاحظة للنزيل حتى يقوم بإسدال الستائر منعاً للإصابة على يد أحد القناصة، وفي كل ليلة بعد حلول الظلام، كانت النوافذ تئز بسبب قصف المدفعية، ولكن في النهار، كانت الأرصفة تمتلئ بأصحاب المحال الذين يرتدون أجمل الثياب، وفتيات المدارس غير المحجبات، أما العائلات فكانت تملأ الحدائق حيث يخرج الجميع للتنزه.

والأغرب من كل ذلك كانت المقابلة نفسها، إذ على الرغم من أن بلده كان يحترق، وجنوده يقتلون المدنيين، رحب بي الأسد وكأن شيئاً لم يكن، وقد علت ابتسامة وجهه، وذلك عند باب مكتبه الخاص، وبعد سؤاله عن أحوال عائلتي، قدم لي فنجاناً من الكابتشينو وأدخلني إلى مكتبه. كان هنالك جهاز ماكنتوش كبير وضع على مكتبه الموجود ضمن غرفة عصرية بطرازها، وعلقت على أحد جدرانها صور لأولاده، مع نموذج خشبي لكنيسة ويستمنستر إلى جانب برج ساعة بيغ بين وضعت على أحد النضد (إذ قبل أن يصبح بشار مجرم حرب، درس طب العيون في المملكة المتحدة).

أجرينا حوارنا هذا في وقت كانت إدارة أوباما تعيد فيه النظر بسياستها حيال سوريا، ولهذا قام سجال حول ضرورة تعامل الولايات المتحدة مع الأسد في محاربة تنظيم الدولة بدلاً من المطالبة بطرده، بما أن تنظيم الدولة كان قد احتل وقتئذ شرقي سوريا مع العراق.

ولهذا خلت بأن أهم شيء بوسعي القيام به في هذه المقابلة هو أن أكتشف ما إذا كان الأسد شخصاً بوسع الغرب التعامل معه أم لا.

استحالة الشراكة مع الأسد

لم تمض سوى دقائق من الاستماع لكذبه وإنكاره وهو يبتسم للفظائع التي ارتكبها نظامه حتى خلصت إلى أن هذا الرجل يعيش في واقع مختلف تماماً، وبأنه إما مضلل لدرجة التغييب، أو كذاب أشر، وفي كلتا الحالتين لا يمكن أن يتحول إلى شريك بوسع الولايات المتحدة أن تثق به.

بيد أن ذلك جعلني أقف أمام سؤال آخر، وهو: لماذا اختارني الأسد (أو حاشيته) لمثل هذه المقابلة؟

بعد نقاشات كثيرة تلت المقابلة أجريتها مع دبلوماسيين ومسؤولين في الاستخبارات وخبراء أميركيين متخصصين بملف الشرق الأوسط، إلى جانب مغتربين سوريين، خرجت بإجماع على الفكرة القائلة بإن الأسد أراد أن يوجه من خلالي رسالة إلى البيت الأبيض، وبما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بشكل مباشر بما أن العلاقات مقطوعة بين الولايات المتحدة وسوريا، لذا اختار فورين أفيرز المعروفة بأنها الناطقة بلسان المؤسسة الرئاسية في واشنطن، لتكون أفضل وسيلة بوسعه من خلالها أن يوصل رسالته.

مؤخراً، انشغلت بفحوى رسالة الأسد، وتحديداً منذ أن سيطر الثوار على دمشق في الثامن من الشهر الجاري، وتتلخص زبدة القول فيها بالآتي: أنتم في الغرب وأنا في سوريا لا يجوز لنا أن نبقى على عداوتنا، لأن كلينا علمانيان ينتميان إلى العالم العصري، وكلانا يحارب الأشخاص نفسهم، أي الإرهابيين الإسلاميين، فقد أخبرني بأن فكرة المعارضة المعتدلة ما هي إلا: "وهم" لأنك: "لا يمكنك أن تجعل التطرف معتدلاً" بحسب ما قال.

والمعارضة السورية برأيه ليست أكثر من: "تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وجبهة النصرة، فهل بوسعك أن تتفاوض مع القاعدة؟" إذن لنوحد الصفوف ضد هؤلاء الثيوقراطيين الملتحين المخيفين بحسب ما ذكر، وذلك لأنهم يهددونكم كما يهددونني.

تفنيد الكذب في مزاعم الأسد

والآن، وبعد سقوط الأسد وسيطرة الثوار على دمشق، أصبحت مصداقية مزاعمه، سواء أكانت صحيحة أم خاطئة محل دراسة ومساءلة في الوقت الراهن، ولهذا أقدم إليكم ما أدركناه الآن:

بداية: صحيح أن نظام الأسد كان علمانياً فعلاً أي أنه مثلاً منح النساء كثيراً من الحريات، وعلى رأسها حرية العمل وقيادة السيارة وارتداء ما تريده، إلا أنه كان نظاماً مستبداً قمعياً فاسداً تديره الطائفة العلوية التي همشت الأغلبية السنية (برجالها ونسائها) في سوريا، وحبست المعارضين وعذبتهم، وضربتهم بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية.

كما لم يكن نظام الأسد متعاوناً جداً مع الغرب، لأن أكبر داعميه في الخارج هم روسيا وإيران، كما أن السياسة الخارجية السورية التي قام نهجها على الهيمنة على لبنان وزعزعة الاستقرار فيه وشن حروب عدة على إسرائيل، لم تكن منحازة لواشنطن إلا فيما ندر.

أما بالنسبة للثوار، فحتى الآن، قامت هيئة تحرير الشام التي تعتبر الفصيل الرئيس ضمن جماعة الثوار، والتي يترأسها أحمد حسين الشرع بقول ما يجب أن يقال وفعل ما يجب أن يفعل، فقد وعدوا باحترام حقوق مختلف الأقليات العرقية والدينية في سوريا ومنحها استقلاليتها في مناطقها، كما دعا الشرع لحكم القانون، وأمر جنوده بعدم السعي وراء الانتقام، وتعهد بالعفو عن الجنود من أصحاب الرتب الصغيرة في جيش الأسد وكذلك في سلك الشرطة، مع توعده بإقامة العدل بحق أزلام الديكتاتور وأعوانه، وأمر الشرع رجاله بعدم الاحتفال عبر إطلاق النار من بنادقهم في الهواء خشية أن يخيف ذلك المدنيين.

بيد أن الشرع المكنى بأبي محمد الجولاني كان في السابق عضواً في تنظيم القاعدة وسجن في العراق بسبب تعامله مع المعارضة هناك، كما بدأت هيئة تحرير الشام نشاطها كفرع من فروع تنظيم القاعدة، ولهذا بقيت ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية لدى واشنطن، غير أن تاريخها في حكم إدلب بشمالي سوريا فيه الصالح والطالح، إذ وفرت الهيئة هناك الخدمات الأساسية، وحافظت على السلم إلى حد كبير، ويبدو أنها غير فاسدة نسبياً، لكنها أيضاً حرمت الموسيقا والتبغ وسيرت دوريات لشرطة الأخلاق ولو لفترة قصيرة فأخذت تجوب الشوارع وتعاقب كل من يخالف الشريعة الإسلامية.

يزعم الشرع بأنه هو وأتباعه أصلحوا أمورهم منذ ذلك الحين، ولكن، هل حققوا ذلك بالفعل؟ أم أن ذلك مجرد أسلوب لكسب ود معارضيهم ولتخفيف قلق الغرب؟ وهل أصاب قائد الثوار عندما تحدث عن طبيعة الحكام الجدد في سوريا؟ أم أن الأسد هو الذي كان مصيباً؟

لقد أظهر الرئيس السابق لسوريا بأن العلمانية في الحكم لا تضمن الفضيلة، والتدين لا يضمن الوقوع في الرذيلة أو ممارسة القمع أو استعداء الغرب. غير أن أهم أربعة أعداء لواشنطن اليوم هم موسكو وبيكين وبيونغ يانغ وطهران، وثلاثة منهم لا علاقة لهم بالدين على الإطلاق.

وفي الوقت ذاته نجد بأن للولايات المتحدة شركاء مهمين في الشرق الأوسط وعلى رأسهم السعودية والإمارات وإسرائيل ومصر، وجميع تلك الدول تتبنى نسبة معينة من القانون المستمد من الدين كما أدخلت عناصر ثيوقراطية إلى حكوماتها، ما يعني بأن ثنائية العلمانية مقابل التدين التي قدمها الأسد مبسطة لدرجة تمنعها من أن تتحول إلى دليل إرشادي في هذا المضمار، خاصة بعد أن تبين بأنه بوسع المرء في بعض الأحيان أن يجعل التطرف معتدلاً، وفي العالم نماذج لكلا الحالتين، إذ هنالك حكومات ذات عقلية متدينة لكنها تدعم حرية مواطنيها والنظام العالمي القائم على الأحكام والقوانين (وخير مثال على ذلك إندونيسيا)، وهنالك أنظمة علمانية كثيرة تمارس عكس كل ذلك.

ومع ذلك، وعلى الرغم مما أبديه من تفاؤل حذر تجاه تحرير سوريا، أحاول أن أخفف من شدة بهجتي بما حدث عندما أتذكر بأنه لا توجد دولة شهدت الربيع العربي ثم تمكنت من تحقيق انتقال نحو الديمقراطية الليبرالية بكل نجاح، ولهذا ما تزال إدارة بايدن تشك بأمر هيئة تحرير الشام ولذلك أبقتها على قائمة التنظيمات الإرهابية لديها.

لقد سقط طاغية ظالم، ويبدو أن من حلوا محله يتجهون نحو الوجهة الصحيحة، لكن تحديات كبيرة تعترض سبيلهم، ولن نتمكن من التحقق من صحة إصلاحهم لذاتهم قبل أن يشرعوا في التعامل مع تلك العقبات التي تواجههم خلال الأسابيع، أو الشهور، بل السنين المقبلة.

 

المصدر: The Foreign Policy