icon
التغطية الحية

فورين بوليسي: هل سيسلك النظام الإيراني الطريق نفسه الذي سلكه قبله النظام السوري؟

2025.03.26 | 14:53 دمشق

آخر تحديث: 26.03.2025 | 14:53 دمشق

العلم الإيراني يرفرف فوق العاصمة طهران أثناء خروج آلاف مؤلفة إحياء للذكرى السادسة والأربعين للثورة الإسلامية الإيرانية وذلك في 10 شباط 2025
العلم الإيراني يرفرف فوق العاصمة طهران في أثناء خروج آلاف مؤلفة إحياء للذكرى السادسة والأربعين للثورة الإسلامية الإيرانية وذلك في 10 شباط 2025
The Foreign Policy - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يشهد النظام الإيراني تراجعًا في الدعم الشعبي وتفككًا في "القاعدة الصلبة"، التي كانت تمثل الحصن الأخير للمرشد الأعلى والحرس الثوري، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على الدفاع عن النظام في حال اندلاع اضطرابات جديدة.

- فقدت الجمهورية الإسلامية دعم الطبقات الاجتماعية المختلفة بسبب السياسات المتشددة، الفساد، وسوء الإدارة الاقتصادية، مما أدى إلى تآكل الدعم الشعبي بشكل كبير.

- يواجه النظام تحديات داخلية وخارجية مع خيارات محدودة، حيث يسعى لاستعادة دعم القاعدة الصلبة عبر تشديد السياسات الأيديولوجية، مما قد يزيد من الاضطرابات الشعبية.

في تقريرٍ تحليلي موسّع، تسلط مجلة فورين بوليسي الضوء على التحولات العميقة التي يشهدها الداخل الإيراني بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، وتطرح تساؤلات جريئة حول مستقبل النظام في ظل تآكل الدعم الشعبي وتفكك ما يُعرف بـ"القاعدة الصلبة" التي لطالما كانت الحصن الأخير للمرشد الأعلى والحرس الثوري.

التقرير لا يكتفي برصد التراجع الداخلي، بل يذهب أبعد من ذلك، محذّرًا من أن إيران قد تسلك الطريق ذاته الذي سار عليه النظام السوري، حين انهارت قاعدته القمعية من الداخل وسقطت شرعيته أمام جمهورٍ أنهكته الأزمات والخيبات المتكررة. وفي ظل التشققات المتنامية داخل معسكر النظام، تتعاظم المخاوف من أن تواجه الجمهورية الإسلامية المصير نفسه الذي واجهه الأسد في دمشق.

وفيما يلي الترجمة الكاملة للتقرير كما ورد في مجلة فورين بوليسي:

عندما تأسست الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عام 1979، حصد النظام الديني الجديد تأييداً شعبياً واسعاً في عموم المجتمع الإيراني، لكنه خسر تلك القاعدة بالتدريج على مدار أربعة عقود، والآن، وبعد أن أصبح عمر الثورة الإسلامية الإيرانية 46 عاماً، ظهرت دلائل جديدة تشير إلى أنه حتى آخر من تبقى من الداعمين الأساسيين لهذه الثورة، وهم عبارة عن مجموعة تحمل أيديولوجية متعصبة موالية للمرشد الأعلى علي خامنئي وللحرس الثوري الإيراني، بدؤوا بالابتعاد عن تلك المنظومة.

ولأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ظهرت تساؤلات عن إمكانية مواصلة عناصر القاعدة الصلبة دفاعهم عن النظام الإيراني من دون أي تشكيك فيه في حال اندلعت الاضطرابات في البلد مجدداً، بما أن تلك القاعدة الصلبة تضم العساكر المشاة التابعين لهذا الجهاز القمعي. ولقد أثارت تلك التساؤلات حالة من الرعب لدى الطبقة الأولغارشية القائمة على حكم الأقلية في الجمهورية الإسلامية، كونها تدرك تماماً أن إضعاف معنويات قوات القمع التي كانت تعمل تحت إمرة الديكتاتور بشار الأسد، ومن ثم التخلي عنها في نهاية المطاف، كان السبب وراء انهيار نظام البعث في سوريا.

خسارات متعاقبة

اعتمدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تداخل البنى الاجتماعية لمدة استمرت لأكثر من أربعة عقود وذلك حتى تبقى في الحكم، ولكن، ابتداء من مرحلة التأييد الشعبي الواسع في عام 1979 وصولاً إلى حالة التراجع الهائلة ضمن القاعدة الصلبة المؤيدة للنظام اليوم، خسرت المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران الدعم الذي قدمته لها كل طبقة اجتماعية ادعت تمثيلها في يوم من الأيام. إذ خلال العقد الأول من الثورة، بدأت الجمهورية الإسلامية تخسر الطبقة الاجتماعية العصرية في إيران ولكن بصورة بطيئة، ويعود السبب في ذلك إلى فرض سياسات إسلامية متشددة، تصدرها المرشد الأعلى الخميني وقتئذ من خلال ما سمي بالـ"الثورة الثقافية" والتي سعت للقضاء على كل التأثيرات العصرية والغربية والجاهلية في المجتمع الإيراني، كما أن الحرب العراقية - الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات منحت الخميني سلطات لم يتمتع بها غيره خلال الحرب، ما دفعه إلى استئصال شأفة القوى العلمانية التي أسهمت في إسقاط الحكم الملكي البهلوي السابق.

تميز العقد الثاني بعد الثورة الإسلامية الإيرانية بتغيرات واضحة طرأت على المجتمع الإيراني، إذ ترافق التعب من الحرب مع طفرة الشباب في إيران، بعد أن أصبح أكثر من ثلثي الشعب الإيراني تحت سن الثلاثين في ذلك الحين، وهذا ما أدى إلى ظهور موجة جديدة من العلمنة واللبرلة اخترقت أوساط الطبقة الوسطى في إيران، غير أن القمع العنيف الذي مارسه النظام على تلك الموجة والذي ترافق مع تزوير للانتخابات، بدأ يسهم في تراجع التأييد للثورة الإسلامية ضمن أوساط تلك الطبقات، وقد وصل ذلك القمع لأوجه في عام 2009 عقب هندسة الانتخابات الرئاسية على النحو المخطط لها، مع قمع المظاهرات التي خرجت ضد ذلك، ما أسفر عن خسارة النظام لتأييد الطبقة الوسطى في البلد بشكل كامل.

ولأول مرة، أدت قضايا تمس الحياة المعاشة يومياً إلى تراجع تأييد الطبقة العاملة للثورة الإيرانية، والتي تمثل أبناء وبنات الريف، الذين كان الخميني يصفهم بأنهم ينتمون إلى الطبقة "المسحوقة"، ما يعني تراجع تأييد القاعدة التقليدية للجمهورية الإسلامية، وذلك لأن العجز عن توفير السلع اليومية للطبقة الفقيرة من الشعب الإيراني أتى نتيجة لسوء إدارة الحكومة، ولتفشي الفساد في دوائر الدولة، وللضائقة الاقتصادية بسبب العقوبات الدولية المفروضة على البلد، وهكذا وصلت الانتقادات الحادة إلى شوارع إيران في عامي 2017 و2019، والتي شهدت ولأول مرة خروج مظاهرات للطبقة العاملة في مناطق كانت تعتبر معاقل للنظام الإيراني، مثل قم ومشهد. غير أن الحرس الثوري قمع تلك المظاهرات بشكل عنيف، وخاصة تلك التي قامت في عام 2019، ما أسفر عن مقتل 1500 شخص في غضون أسابيع قليلة، فكان ذلك المسمار الأخير الذي دق في نعش الثورة الإسلامية الإيرانية، كونه تسبب في نأي الطبقة المسحوقة عن هذا النظام إلى الأبد.

ظهور القاعدة الصلبة وعقيدتها

ومنذ عام 2019 حتى الآن، أي منذ أن صار عمر الثورة الإسلامية 40 عاماً، أصبحت قاعدة المؤيدين للجمهورية الإسلامية التي لاقت رواجاً شعبياً كبيراً خلال فترة من الفترات تعتمد بشكل كامل على قاعدة أيديولوجية متعصبة ضيقة للغاية، وهذه الفئة الاجتماعية التي تعرف باسم القاعدة الصلبة تؤيد النظام لأسباب أيديولوجية إسلامية تعصبية، بما أن تأييدها يرتكز على فرض سياسات إسلامية متعصبة في الداخل والخارج، بما أنها تعتبر ذلك بمنزلة عدالة الإسلام، وتشتمل تلك السياسات على فرض شرطة الحسبة في إيران، وتأييد "محور المقاومة" الذي يتبناه الحرس الثوري، والذي يضم حزب الله وحماس، مع الالتزام بالقضاء على إسرائيل بناء على عقيدة معادية للسامية، وإبداء شديد العداء لأميركا، والسعي لتطوير أسلحة نووية، أي بمعنى أصح، ترسيخ الدعائم الأيديولوجية الأساسية للثورة الإسلامية الإيرانية.

ولترسيخ تلك القاعدة الصلبة بشكل أكبر، صنعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما يعرف باسم: "المجتمع العميق" المؤلف من تلك الفئة الاجتماعية، ليكون موازياً لمجتمع الدائرة الضيقة المحيطة بنظام الجمهورية الإسلامية، وذلك داخل الأوساط الأوسع من الشعب الإيراني (الذي يشار إليه غالباً بالعناصر التي تنتمي لخارج تلك الدائرة)، وهذه الفئة الاجتماعية هي التي تسهم في استمرارية عمل مؤسسات الدولة وبالتالي فإنها تحصل على الدعم والرعاية. وتمثل ذلك الالتزام الأيديولوجي بتلك الفئة بمشاركتها بشكل طوعي في المسيرات التي تتبنى دعاية النظام، وفي تسيير شرطة الحسبة (والتي تفرض مثلاً الحجاب على النساء وتبلغ السلطات عن أي امرأة سافرة)، إلى جانب خروجها إلى الشوارع بشكل طوعي لقمع التظاهرات المناهضة للنظام، كما حدث في عام 2022. والأهم من ذلك أن عناصر تلك الفئة هم نفس عناصر الحرس الثوري وميليشيا الباسيج التابعة له، وفي الوقت الذي لم تنشر فيه أي إحصائيات رسمية عن الأعداد التي تمثل تلك القاعدة الصلبة، تشير التقييمات إلى أن تعداد أفرادها يتجاوز الثمانية ملايين نسمة، أي ما يعادل تقريباً 10% من السكان. ويمكن التأكد من صحة هذا العدد من خلال عدد الإيرانيين الذين تطوعوا لتلقي لقاح كوفيد الذي صنع محلياً على عين الحرس الثوري بدلاً من تلقيهم لجرعات من اللقاحات الأجنبية المصدّق عليها دولياً.

بداية الشقاق

ولكن، خلال العقد الفائت، هزت سلسلة من الخيانات ما اعتبره خامنئي والقيادة العليا للحرس الثوري على الدوام بأنه قاعدة تطيع أوامرهم بلا أدنى تفكير، إذ بدأت الشقاقات بالظهور عقب الوفاة المفاجئة للرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي، الذي اعتمدت قاعدته الشعبية وإدارته على هذه القاعدة الصلبة بشكل كامل، إذ بعد وفاة رئيسي، كان من المتوقع أن يخلفه سعيد جليلي وهو أحد الحلفاء المقربين من الرئيس الراحل، وتلك التوقعات بنيت على أسباب واضحة، إذ منذ عام 2019، أطلق خامنئي خطة "تطهير" عقائدية حرصت على تمكين الجيل الجديد من المتعصبين المتشددين ضمن مختلف قطاعات هذا النظام، ولكن يعتقد بأن خامنئي والقيادة العليا للحرس الثوري قد تدخلا في هذه المرة لمنع جليلي من أن يكون الرئيس القادم ونصّبا بدلاً عنه رئيساً يقال إن توجهاته إصلاحية، ألا وهو مسعود بزشكيان.

رسم هذا القرار ملامح الأداء الضعيف لحكومة التكنوقراط الأيديولوجية التي ألفها رئيسي، والتي عجلت بظهور الأزمات في إيران، كما أعدت العدة لعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض ولفرضه سياسة "الضغط الأقصى"، إذ ظن خامنئي أن بوسعه خلق حالة انقسام في الغرب بشأن طهران وذلك بوجود رئيس يلتحف بستار الإصلاحات، غير أن هذا القرار تعرض لانتقادات لاذعة من القاعدة الصلبة التي اعتبرت رئاسة بزشكيان بمنزلة خيانة أيديولوجية للعهد الذي قطعته الدولة على مواصلة مسار رئيسي، مما أثار شكوكاً حول سبب تحطم المروحية التي أدت إلى وفاة رئيسي، كما انتشرت إشاعة مفادها بأن ما حصل وقع بتدبير من البطانة الداخلية للنظام.

أوشكت الخيانات على الانتقال إلى وضع أسوأ، عندما حدثت ضربة كبيرة أخرى وذلك عندما أعطى المرشد الأعلى الضوء الأخضر لبزشكيان في تعيين وزير الخارجية الأسبق، جواد ظريف، نائباً لرئيس الجمهورية في الشؤون الاستراتيجية. إذ على مدار ثماني سنوات، عمل خامنئي والحرس الثوري على حشد وتعبئة القاعدة الصلبة لتنفذ هجمات وتدير عمليات تتصل بالحرب النفسية ضد ظريف، كما اتهموه بأنه جاسوس للأميركان وخائن للنظام، بل إنهم حتى وصموه بإهانة القائد السابق للحرس الثوري، قاسم سليماني، الذي يعتبر أنموذجاً للشخصية الشيعية المحاربة.

تعقدت تلك النكبات الداخلية وتضاعفت عندما تدخل المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يديره خامنئي في إرجاء تنفيذ القوانين التي سنّت حديثاً من أجل شرطة الأخلاق التي تغولت في البلد، ما عرض قيادة النظام وقاعدته الصلبة لهجوم عنيف اتهمت فيه الطبقة الأوليغارشية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالفساد على المستوى الأيديولوجي، والتخلي عن أحد أهم أركان الثورة الإسلامية في إيران.

التشكيك بالتواطؤ مع إسرائيل

غير أن حالة خيبة الأمل والتحرر من الوهم هذه لم ترتبط بالشأن الداخلي فحسب في إيران، وذلك لأن إسرائيل بعد أن نجحت في قطع رأس ما يعرف بمحور المقاومة والذي يضم حزب الله وإيران، وبعد أن اغتالت أهم القياديين في حزب الله والحرس الثوري، أثارت حفيظة أفراد تلك القاعدة الصلبة، فشرعوا بالتشكيك وبشكل صريح بمدى الالتزام الأيديولوجي الذي تبديه الطبقة الأوليغارشية للحرس الثوري، كما شككوا في تردد القيادة بضرب إسرائيل، بل واتهموها بالتواطؤ مع الاستخبارات الإسرائيلية، حتى بعد أن نفذ الحرس الثوري هجمات مباشرة غير مسبوقة على إسرائيل، وذلك لأن عدم فاعلية صواريخ النظام الإيراني ومسيراته، التي لطالما تباهى بها قادة إيران، أضعفت الروح المعنوية لدى القاعدة الصلبة التي بقيت مؤمنة على الدوام بدعاية النظام فيما يتصل بإمكانات الحرس الثوري وقدراته.

سقوط الأسد وتداعياته على النظام الإيراني

ثم ظهرت القشة التي قصمت ظهر البعير على بعد 1126 كيلومتراً من إيران، وتمثلت بانهيار نظام الأسد في سوريا، وذلك لأن سقوط الأسد أثار من جديد ثائرة الشعب الإيراني الذي صب جام غضبه على خامنئي وعلى الطبقة الأوليغارشية من الحرس الثوري، إذ بالنسبة للقاعدة الصلبة التي قاتل معظمها الجماعات السلفية الجهادية بشكل طوعي وقدم دماءه رخيصة في سوريا، اعتبر قرار خامنئي المتمثل بالتريث ومراقبة سوريا وهي تخضع لحكم الثوار الذين تقودهم هيئة تحرير الشام بمنزلة خيانة أخرى، وذلك لأن القاعدة الصلبة كانت تسمع مراراً وتكراراً بأن الحفاظ على سوريا يعني الحفاظ على الإسلام الشيعي وعلى "المراقد الشيعية المقدسة" وبأن ذلك لا يعتبر مجرد حفاظ على الأسد.

والآن، وبعد أن ضعفت الروح المعنوية بسبب ما جرى في سوريا وبسبب عوامل أخرى غيرها، ثارت ثائرة القاعدة الصلبة عندما ألمحت قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى انفتاحها على التفاوض مع ترمب الذي أمر باغتيال سليماني خلال ولايته الرئاسية الأولى. إذ منذ وفاة سليماني، تعهد خامنئي وقادة الحرس الثوري بالأخذ بثأره واغتيال ترامب وكل من تورط في تلك الغارة التي قتلت سليماني، لذا فإن احتمال تفكير هذا النظام بمصافحة قاتل سليماني جعلت تلك الفئة من الناس ترغي وتزبد.

ومن المرجح أن تظهر تداعيات كبيرة عند تراجع القاعدة الأيديولوجية الصلبة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما أن خامنئي والحرس الثوري يعيان تماماً بأن تراجع تلك القاعدة بحد ذاتها دون غيرها من الفئات السكانية الإيرانية يعرض وجود الجمهورية الإسلامية للخطر، بما أن أفراد هذه الفئة الصغيرة المتشددة أيديولوجياً يمثلون العناصر الراجلة التي تعمل على قمع الشعب الإيراني كلما خرجت مظاهرات مناهضة النظام.

احتمالات صعبة

وبالمقابل، لم يُضع خامنئي والحرس الثوري وقتاً طويلاً في محاولة تدارك تلك الأزمة الوجودية، على الرغم من قلة الخيارات أمامهم بحسب اعترافهم، إذ لكسب تأييد القاعدة الصلبة من جديد، لم يعد أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أي خيار سوى إعادة تفعيل سياساتها الأيديولوجية سواء في الداخل أم في الخارج.

وعلى الرغم من أن خامنئي يعرف بأن مجال المناورة في الشرق الأوسط بات ضيقاً أمامه بما أن إدارة ترمب الجديدة لم تضع أي وقت بل أعادت من جديد فرض حالة الضغط القصوى على النظام الإيراني وذلك للحد من قدرته على تمويل الميليشيات الإرهابية التابعة له، أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هو الآخر بأن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي ولن تسمح لإيران بالعودة إلى تسليح الجماعات التابعة لها والتي أعلنت جميعها الحرب ضد إسرائيل بعد هجوم السابع من تشرين الأول عام 2023.

إن الخيارات المحدودة المتاحة أمام خامنئي لتلبية مطالب القاعدة الصلبة لديه فيما يخص الشؤون الخارجية توحي بأنه سيسعى إلى تلبية مطالب تلك الفئة على المستوى الداخلي، ويبدو أن ظريف وعبد الناصر همتي، وهو وزير الاقتصاد لدى بزكشيان، هما أول ضحايا هذه القضية، لأن استقالة وزير الخارجية السابق من حكومة بزكشيان لم تكن لتحدث لولا تأييد خامنئي والقيادة العليا للحرس الثوري، بما أنهم يعرفون تماماً بأن سقوط ظريف سيساعدهم على كسب ما خسروه، وبالطريقة ذاتها أدهش المرشد الأعلى في خطابه الأخير كثيرين عندما استبعد فكرة التفاوض مع ترمب، بخلاف التلميحات الأولى التي أطلقها بخصوص إمكانية التفاوض مع الإدارة الأميركية الجديدة.

غير أن هذا وحده لن يرضي تلك الفئة من الناس، إذ لكسب التأييد من جديد على المستوى الداخلي، يتعين على خامنئي أن يتشدد في فرض السياسات الأيديولوجية الإسلامية، وألا يقتصر ذلك على التشدد في فرض سياسات شرطة الأخلاق. وبالطبع لا بد لتلك اللعبة أن تكون محفوفة بالمخاطر بالنسبة لآية الله لأنها ستؤدي إلى ظهور انتقادات حادة ضمن طبقات أوسع من الشعب، مما يزيد فرص ظهور حالات اضطراب شعبية عارمة ضد النظام من جديد، وهنا تكمن المفارقة بالنسبة لخامنئي، والتي تتمثل إما بالتخفيف من غلواء السياسات الأيديولوجية والمخاطرة بخسارة العساكر الراجلين التابعين لجهازه القمعي، أو التشدد بفرض تلك السياسات مع ازدياد فرصة خروج مظاهرات شعبية عارمة ضد النظام، وفي كلتا الحالتين يلوح ذلك الخطر الوجودي الذي يهدد الجمهورية الإسلامية الإيرانية كما يهدد بملاقاة خامنئي للمصير المحتوم نفسه الذي لاقاه الأسد من قبله.

 

المصدر: The Foreign Policy