في تطورٍ يُنذر بتحولات عميقة في السياسة الإسرائيلية، لم تعد تل أبيب تكتفي بدور اللاعب المحافظ على توازن القوى في الشرق الأوسط، بل باتت تمضي قدماً نحو إعادة رسم خريطة الإقليم من خلال استراتيجية عسكرية هجومية تسعى لتغيير الواقع القائم.
من بوابة الصراع في السويداء جنوبي سوريا إلى سلسلة الضربات الجوية المكثفة على دمشق، تُبرز التطورات الأخيرة ملامح مرحلة جديدة تقودها حكومة بنيامين نتنياهو، حيث تتراجع فكرة "جزّ العشب" التقليدية لمواجهة الأعداء، لصالح رؤية أكثر شراسة ترتكز على "الانتصار الشامل" وفرض أمر واقع جديد.
لكن هذه الاستراتيجية الطموحة تصطدم بعقبات داخلية وإقليمية ودولية، من بينها تنامي الرفض الشعبي العربي للتطبيع، وتآكل فرص التسوية، وقلق الحلفاء الغربيين من انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.
يرصد هذا التقرير الذي نشرته مجلة فورين بوليسي تحولات الدور الإسرائيلي، ويفكك دوافع تل أبيب، وتبعات تحركها نحو "شرق أوسط جديد"... يتشكل تحت أزيز الطائرات لا عبر موائد الدبلوماسية.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المجلة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
في السادس عشر من تموز، صعدت إسرائيل تدخلها العسكري في سوريا بشكل كبير، إذ في خضم اقتتال داخلي بين الدروز والبدو وقوات الحكومة السورية في محافظة السويداء، أدلت إسرائيل بدلوها دعماً للدروز، حيث شنت أكثر من 160 غارة جوية في غضون 24 ساعة فقط، ثم قصفت عدة مبان حكومية في العاصمة دمشق. ولقد نشر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مقطع فيديو عبر منصة إكس كتب عنه: "بدأت الضربات العنيفة" في إشارة إلى أن مزيداً منها قادم لا محالة.
التحول الكبير
ولتبرير قرار مواصلة النزاع وتفضيله على التعاون مع سوريا، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن إسرائيل لم يكن أمامها أي خيار سوى أن تتدخل "حماية لإخوتنا الدروز" من المجزرة على حد تعبيره. وقوبل تصريحه هذا بانتقادات كثيرة، فقد قتل أكثر من 600 ألف إنسان خلال الحرب السورية، ومن المرجح أن هذا العدد يشتمل على المئات إن لم يكن الآلاف من الدروز، غير أن التدخلات الإسرائيلية خلال الحرب لم تصل لدرجة الهجمات التي شنتها مؤخراً.
إن أفضل طريقة لفهم ما تفعله إسرائيل يتمثل بالنظر إلى تحولها من كونها قوة تسعى للحفاظ على الوضع الراهن، إلى قوة تسعى لتغييره، إذ على الرغم من مواجهة عناصر فاعلة معادية في عدة مناطق حدودية، والمقصود بذلك حزب الله في الشمال وحماس في الجنوب، وجد صناع السياسة الإسرائيليين بأن وضعهم الاستراتيجي مقبول عموماً، ولهذا سعوا لإدخال تحسينات تدريجية على النظام الجيوسياسي القائم، فقد بذل نتنياهو أقصى ما لديه لإسكات صوت حماس، وعدم تحقيق حل الدولتين، كما عمل على عقد اتفاقيات سلام مع المستبدين من حكام المنطقة.
قبل هجوم حماس في السابع من تشرين الأول عام 2023، كانت إسرائيل هي أيضاً تعتبر الحرب السورية شأناً داخلياً، ولهذا لم تتدخل فيها إلا عندما حاولت إيران أن تستغل الفوضى الحاصلة في سوريا لتمد حزب الله بالسلاح المتطور أو لتعزز وجودها على الحدود مع إسرائيل. وفي سوريا وغزة وغيرهما، أمر نتنياهو القوات الإسرائيلية بـ"جز العشب" أي تنفيذ ضربات استباقية هدفها إضعاف الخصم لا القضاء عليه، وقطع الطريق على أي تهديد يمكن أن يغير المنطقة، وذلك بدلاً من السعي لتغيير النظام.
ويعود السبب في ذلك إلى أن الحكومة الإسرائيلية شعرت بأن الوضع الحالي على المستوى المحلي والإقليمي يخدم مصالحها إلى أبعد مدى، فقد سمح هذا الوضع لإسرائيل بإغلاق حدودها مع غزة، من دون تحمل أي مسؤولية تجاه سكان تلك المنطقة. وفي الضفة الغربية، أسندت إسرائيل الحكم المدني إلى جهة أخرى وهي السلطة الفلسطينية، إلى جانب ترسيخ احتلالها على المدى البعيد. وإلى جانب كل ذلك، طبعت إسرائيل العلاقات مع قوى أخرى يهمها أن تحافظ على الوضع الراهن، وعلى رأسها الإمارات والمغرب والبحرين، وبدت وكأنها على وشك أن تنجز ذلك مع السعودية في أواخر عام 2023.
"الساحر" نتنياهو
منذ أمد بعيد والإسرائيليون يصفون نتنياهو بالساحر وذلك لأنه بقي في المجال السياسي لفترة طويلة، ولكنه يستحق هذا اللقب عن جدارة بعد أن نجح في تربيع تلك الدائرة وتمكن من حل تلك المعضلة على مدار زمن طويل، إذ خلال فترة حكمه، بدت إسرائيل قادرة على الاحتفاظ بالضفة الغربية، كما تمتعت بأمن أكبر على المستوى العسكري وباندماج أعمق على الصعيد الإقليمي.
إلا أن هجوم حماس غيّر كل ذلك، ورداً على ذلك، تخلى نتنياهو عن الوضع الراهن، وسعى عوضاً عن ذلك لتحقيق "انتصار شامل" على حماس في غزة، وأفشل وقف إطلاق النار مرات عدة في المنطقة. كما صعدت إسرائيل هجماتها على حزب الله وإيران، مما أصابهما بشلل كبير. أي بالمختصر، قدم نتنياهو إسرائيل من جديد بوصفها عنصراً فاعلاً يعمل على تغيير الوضع القائم وإعادة رسم ملامح المنطقة من خلال القوة العسكرية.
خلال الشهور القليلة الماضية، ظهر جدل حول تحول إسرائيل اليوم إلى قوة مهيمنة في الشرق الأوسط، وهل ذلك أضحى حقيقة أم وهماً، إلا أن هذا النقاش لم يستوعب الاستراتيجية الكبرى الجديدة التي تبنتها إسرائيل والتي لم تعد تطمح لأن تكون تلك القوة المهيمنة كما يراها السياسيون الأميركيون في معظم الأحيان، أي تلك القوة التي تعمل على ترسيخ وتدعيم حالة توازن القوى بما يحقق فوائد كبيرة على المستوى الاستراتيجي، بل إن إسرائيل أصبحت عوضاً عن ذلك تستعين بقوتها العسكرية لتزعزع استقرار الشرق الأوسط برمته وذلك من أجل أن تعيد رسمه من جديد وتخضعه لنظام من نوع آخر.
وهذا يعني أنه بدلاً من "جز العشب" وتنفيذ ضربات استباقية ضد الخصوم بهدف احتوائهم وإضعافهم فقط، صارت إسرائيل تعتمد اليوم على تقدمها العسكري النوعي لتحقق "انتصاراً شاملاً" عليهم، ففي السابق، كان الصراع على جبهات متعددة لأجل غير مسمى أسوأ كابوس يمكن أن يحل بإسرائيل، ولكن بعد السابع من تشرين الأول، أخذت إسرائيل تطيل أمد "الحروب الأبدية" سواء على حدودها أم بعيداً عنها.
السلام عبر الفوضى
بقدر ما لدى إسرائيل هدف نهائي وضعته نصب عينيها، فقد أصبحت لديها اليوم مطامح أكبر بكثير كما تحولت إلى قوة تسعى لتغيير الأوضاع بشكل كبير، ولعل نتنياهو لم يوضح رؤيته بالنسبة لغزة "في اليوم التالي"، لكنه تحدث وبكل وضوح عن رؤيته بالنسبة للشرق الأوسط الجديد، فهو يرى بأن تعطيل ما يعرف بمحور المقاومة لابد أن يساعد على تحقيق السلام الذي سيخرج من رماد النظام القديم، ولذلك أعلن بأنه أمام الدول العربية "المعتدلة" مطلق الحرية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بمجرد أن تتخلص من خوفها من العناصر المخربة مثل إيران.
والهدف الإسرائيلي ما يزال يتلخص هنا باستثار إسرائيل بالكعكة وتناولها لها بمفردها، وهذا يعني أنها وبصورة قاطعة ترغب بالسيطرة على أجزاء من غزة والضفة الغربية، بل حتى ضمها إليها، وذلك مع إقامة سلام مع دول الجوار، إلا أن الرؤية بالنسبة لتحقيق ذلك قد تغيرت، وذلك لأن الطريق برأي نتنياهو لتحقيق السلام اليوم يمر عبر فوضى إقليمية عارمة.
تقدم دبلوماسي.. فنكوص
غير أن الأحداث الأخيرة التي وقعت في سوريا بينت عدم واقعية هذه الرؤية، إذ بمجرد أن سقط نظام الأسد في سوريا خلال شهر كانون الأول الفائت، شنت إسرائيل عدداً غير مسبوق من الغارات التي استهدفت العتاد العسكري السوري ومقرات للنظام البائد، في حين احتلت قواتها البرية ما يقرب من 200 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية. ونتيجة لذلك، أسهمت الدول الخارجية الداعمة لسوريا، وعلى رأسها تركيا ودول الخليج، ومن خلال عدد من القنوات الخلفية بخفض التوتر، فتطورت الأمور نحو محادثات مباشرة بين إسرائيل وسوريا شارك فيها كبار حلفاء نتنياهو مثل تساحي هنغبي رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ورون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية لإسرائيل.
حدث هذا التطور الدبلوماسي أثناء شن إسرائيل لغارات على إيران وما تلا ذلك من وقف لإطلاق النار، وعندما سافر نتنياهو إلى واشنطن، خمن مراقبون بأنه سيستغل هو وترامب المواجهة الأخيرة كدافع لإنهاء الحلقة المفرغة للنزاع الذي ابتليت به المنطقة، وبدا نتنياهو ميالاً للانتقال من المرحلة الأولى للاستراتيجية الكبرى الجديدة لإسرائيل والقائمة على الصراع والفوضى، إلى المرحلة الثانية، وهي التطبيع، وكان من المرجح لسوريا ولبنان أن يكونا من أوائل الدول المطبعة في تلك المرحلة.
إلا أن ذلك لم يتحقق، فقد انتهى اللقاء المرتقب بين نتنياهو وترامب من دون اتفاق، وبعد ذلك بفترة قصيرة، ومع انعدام الاستقرار في محافظة السويداء السورية، شنت إسرائيل غارات أسفرت عن مقتل عدد أكبر من قوات الأمن السورية مقارنة بعدد من قتلتهم منهم من قبل، كما أهانت إسرائيل الحكومة السورية الجديدة بغاراتها التي استهدفت العاصمة.
وبخلاف ما يتمناه نتنياهو، فإن تلك التصرفات أضعفت احتمال التطبيع إلى أدنى المستويات، وذلك لأنها أثارت ثائرة الشعوب العربية التي تقف بالأصل ضد التطبيع، ما يعني بأن السبل ضاقت على الحكام العرب اليوم بالنسبة لما يمكنهم تقديمه [لإسرائيل]. والأهم من ذلك تزايد حالة الابتعاد الاستراتيجي اليوم عن الدول العربية الموالية للغرب، والتي بقيت تمثل قوى تعمل على الحفاظ على الوضع الراهن، وتسعى لإنهاء الحروب في المنطقة. أما بالنسبة للحكام العرب، فإن خطر التطبيع أصبح أكبر الآن، بعد تراجع فوائده الاستراتيجية.
جنون نتنياهو وفشل ترامب في لجمه
من جانبها، أوضحت إدارة ترامب في مناسبات عدة عن عدم استيعابها للتحول الاستراتيجي الهائل الذي طال إسرائيل، ومنذ فترة قريبة، وصف مسؤولون أميركيون في لحظة غضب نتنياهو بالمجنون الذي "يقصف أي شيء في أي وقت"، ولكن هنالك منهجية لجنونه، لأن نتنياهو حول واحدة من أقسى مآسي التاريخ الإسرائيلي، أي هجمات حماس التي نفذت في السابع من تشرين الأول، إلى حدث تغييري تحولي سمح لإسرائيل ببسط هيمنتها إقليمياً عبر تبني استراتيجية كبرى تعمل على تغيير الوضع الراهن.
وهذا ما يتسبب بإفشال مساعي إدارة ترامب بإنهاء الحرب في غزة، وإقامة تسوية مؤقتة بين إسرائيل وتركيا، وإقامة السلام بين إسرائيل وسوريا، بيد أن التغيير الاستراتيجي الأكبر صعب بل نادر الحدوث، فقد كانت إسرائيل بحاجة لشيء مثل هجمات حماس المفاجئة وغير المتوقعة التي نفذت في السابع من تشرين الأول حتى تقطع تعلقها بالوضع الراهن. وكان على ترامب تقديم شيء عظيم كهذا، لأن كل ما قدمه لنتنياهو لم يغر إسرائيل بالتخلي عن هذا النهج القائم على تغيير الوضع الراهن، ولذلك بقيت إسرائيل ترفض تحويل انتصاراتها التكتيكية على إيران وحزب الله وحماس إلى نجاحات سياسية طويلة الأمد.
والأسوأ من كل ذلك هو أن هنالك أمور كثيرة تدفع إسرائيل إلى نشر قوتها بأساليب جديدة تبدو وكأنها تحويلية وتسعى للتغيير، فلقد طالب الوزراء الإسرائيليون وبكل صراحة بتدمير شامل لغزة وتجويع أهلها. وخلال الاشتباكات التي وقعت في السويداء، دافع أحد الوزراء عن فكرة "قضاء" إسرائيل على الرئيس السوري أحمد الشرع. أما أشد الأمور سخافة فظهرت في صحيفة (إسرائيل اليوم) التي توصف بأنها بوق لنتنياهو، والتي نشرت مؤخراً افتتاحية دعت من خلالها إسرائيل "لتحرير" شمال قبرص من السيطرة التركية.
في حال استمرت إسرائيل بالسير على هذا الطريق، فمن المرجح للشرق الأوسط الجديد كما يقدمه نتنياهو أن يظهر بمظهر مشابه للشرق الأوسط القديم، أي من دون وقف إطلاق نار في غزة ومن دون تطبيع مع الدول العربية المجاورة لإسرائيل. بل إن هذه الاستراتيجية الكبرى القائمة على تغيير الوضع الراهن التي تنتهجها إسرائيل ستستمر بخلق حالة نفور وكره لدى دول المنطقة تجاه إسرائيل، وذلك لأن هذه الدول تخشى من أن تعم الفوضى التي ستحرم المنطقة من تحقيق أي نجاح على المدى البعيد. ولقد انتقد ترامب نفسه استراتيجية أميركية كبرى تقوم على شن "حروب أبدية" بهدف تغيير النظام في المناطق والمجتمعات عبر القوة العسكرية، غير أن فشل ترامب في كبح جماح نتنياهو يعني بأن هذا الرجل سيسعى إلى تحقيق هذا النوع بالذات من المغامرات الطوباوية غير المحسوبة.
المصدر: The Foreign Policy