فورين بوليسي: روسيا تتاجر باللاجئين السوريين مقابل المال

18 تشرين الثاني 2020
فورين بوليسي- ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع

لم تكن أهداف روسيا في سوريا قائمة على الإيثار في يوم من الأيام، فقد أرادت هذه الدولة أن تحتفظ لنفسها بقاعدة عسكرية في الشرق الأوسط حتى تقوم بحراسة مصالحها الإقليمية، وهي تسعى لإقامة مشاريع لإعادة الإعمار بعد الحرب حتى تكافئ الشركات الروسية التي دعمت الديكتاتور بشار الأسد. وقد حققت موسكو هدفها الأول، إلا أن تحقيق الهدف الثاني يبدو أصعب بكثير.

وما تزال الآراء الدبلوماسية حول إعادة الإعمار في سوريا تتصارع، إذ يصر الغرب على ربط الأموال المخصصة لإعادة الإعمار بالعملية السياسية داخل سوريا التي تعتبر شرعية إلى حد بعيد، إلى جانب ربطها بإطلاق سراح الآلاف من السجناء السياسيين، وضمان أمن سائر السوريين. ومن جهتها، ترغب روسيا بجعل عملية إعادة الإعمار شرطاً مسبقاً لعودة اللاجئين السوريين، وقد حاولت تسويق هذه الفكرة عندما أعلنت أنه ليس بوسع اللاجئين السوريين الذين يتجاوز عددهم 6 ملايين شخص العودة إلى وطنهم إلا عندما يبدي الغرب استعداده لدفع الأموال من أجل إعادة بناء سوريا.

وخلال الأسبوع الماضي، حاولت روسيا أن تحقق هذه الرؤية بالنسبة لسوريا ما بعد الحرب وذلك عبر المساهمة في تنظيم أول مؤتمر حول عودة اللاجئين في دمشق، لكن المؤتمر فشل فشلاً ذريعاً.

اقرأ أيضا: بيان مؤتمر اللاجئين: وقف الأعمال القتالية لا يشمل "داعش ...

فقد شاركت فيه حوالي 20 دولة بينها الصين والهند والإمارات، إلا أنه سرعان ما تبين أن تلك الدول تمثل كل من وُجد في هذا المؤتمر، ويعود ذلك إما لرغبتها بالتكسب من ازدهار عملية إعادة الإعمار في سوريا، لا أن تقوم بالدفع من أجلها، أو لأنها ببساطة تحاول أن تستعرض دعمها السياسي للأسد. وباستثناء لبنان، ليست هنالك أية دولة استضافت عدداً كبيراً من اللاجئين السوريين على استعداد للقبول بشروط روسيا للحوار.

إذ رفض الاتحاد الأوروبي الحضور، وأصدر بياناً وصف فيه المؤتمر بأنه سابق لأوانه، وأضاف مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل بأنه حتى في حال رغب الجميع بعودة اللاجئين إلى ديارهم، يجب أن تتم هذه العودة بشكل آمن وطوعي وكريم بما ينسجم مع المعايير التي وضعتها المفوضية العليا في الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولهذا حضرت هيئة الأمم المتحدة هذا المؤتمر ولكن بصفة مراقب فقط.

غير أن المشاركة الضئيلة في هذا المؤتمر أثارت غضب روسيا، فقد عبر المبعوث الخاص الروسي إلى سوريا، ألكساندر لافرينتيف عن غضبه عندما تساءل الصحفيون عن السبب الذي جعل المؤتمر أقل من التوقعات بكثير، فقال: "إنها الضغوطات.. الضغوطات" من قبل الولايات المتحدة، حسبما ذكر لصحفي روسي في تلك المناسبة. وقد تودد لافرينتيف إلى الأردن قبل أيام قليلة من انعقاد المؤتمر حتى تعيد الحكومة الأردنية النظر بقرارها، إلا أن جهوده لم تؤت أكلها.

اقرأ أيضا: "الموجودون يتمنون الخروج".. مكروفون مفتوح يفضح "مؤتمر اللاجئين

فالأردن الذي يستضيف 650 ألف سوري توجه لهم اللائمة في كثير من الأحيان لأنهم بنظر كثيرين سبب تدهور الاقتصاد في البلاد، لا بد أن يسرّه عودة كل اللاجئين إلى ديارهم. أضف إلى ذلك أن عمان بحاجة ماسة إلى دعم موسكو لإبقاء الميليشيات الإيرانية الموجودة في الجنوب السوري بعيداً عن حدودها، إلا أن الأردن متحالف مع الغرب، لذا لا يمكنه أن يجبر اللاجئين على الرحيل عن بلاده.

لافرينتيف يلتقي العودة

وقد تفهمت روسيا مأزق الأردن فأرسلت لافرينتيف إلى هناك في 27 تشرين الأول الماضي لطمأنة السلطات الأردنية. غير أن لافرينتيف التقى أيضاً بأحمد العودة قائد الثوار السابق الذي أصبح داعماً أمنياً كبيراً للسوريين المعارضين للنظام شرقي درعا بالقرب من الحدود السورية-الأردنية.

فقد أصبح العودة شخصية مشهورة خلال الحرب السورية المدمرة ضمن العديد من الميليشيات والفصائل الثائرة في تلك المنطقة، وحصل على دعم من الغرب والإمارات لمركز العمليات العسكرية في عمان خلال سنوات الحرب السورية. ولكن في عام 2018، مع اقتراب الهزيمة، وافق على الدخول في اتفاقية مصالحة بوساطة روسية، فكوفئ على براغماتيته بتعيينه قائداً للكتيبة الثامنة من الفيلق الخامس الذي تدعمه موسكو في الجيش السوري. بيد أن ولاءه ليس للأسد وإنما للسوريين المناهضين للنظام.

وقد أكد مصدران في الأردن لمجلة فورين بوليسي بأنه من بين الأسباب التي دفعت العودة لزيارة الأردن التخفيف من قلق الأردنيين حول الخطر الأمني الذي يهدد اللاجئين في حال عودتهم، وحول ذلك يعلق أبو ماهر وهو ثائر سابق كان بين من وقعوا على اتفاق المصالحة في درعا فيقول: "توجه أحمد العودة إلى الأردن ليناقش مسألة عودة اللاجئين".

وتصور روسيا قادة الثوار السابقين الذين انضموا إلى الفيلق الخامس على أنهم حراس الأمن بالنسبة لعودة اللاجئين، إلا أن هذه الفكرة حبلى بالتحديات، فمنذ أن تعهدت اتفاقية المصالحة في درعا بنشر السلام بين كل الأطراف في الحرب، بقي النظام والمعارضة يهاجمان بعضهما بلا هوادة، كما شهدت المنطقة كثيرا من الاغتيالات، وأصبح هنالك كثير من الدماء بين الثوار السابقين الذين تدعمهم روسيا والجيش السوري بشكل يمنعهم من التوصل إلى تسوية يمكن بموجبها ضمان عدم اعتقال اللاجئين بشكل تعسفي أو إخفائهم قسرياً، أو تعرضهم للتعذيب في حال قرروا العودة.

ويضيف أبو ماهر على ذلك قائلا: "يحاول الروس أن يوفقوا بين النظام وقادتنا ليقوموا بمناقشة موضوع تأمين اللاجئين، إلا أنه ينبغي على الجميع ألا يثقوا بنوايا النظام، لأنه يرغب بقتل الجميع".

ففي تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش في عام 2019 ورد بأن فروع المخابرات السورية واصلت عمليات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري ومضايقة الناس، وكان شقيق أبي سالم بين هؤلاء الذين عادوا إلى درعا في تلك السنة، وبعد عودته بمدة قصيرة، توجه إلى مركز المدينة، فتم إيقافه من قبل جنود تابعين للنظام عند أحد الحواجز، ثم قاموا باعتقاله حيث تعرض للتعذيب في أحد فروع المخابرات العسكرية، وهذا ما اختصره أبو سالم بالقول: "لقد ضربوه بشدة لدرجة فقد معها الجلد في بعض أجزاء جسمه، ولم يعد يقوى على الحراك لمدة 10 أيام، أقسم بالله على ذلك".

غير أن هذه القصص تشوه صورة روسيا بوصفها الشرطي الموثوق في سوريا وتعمق خوف السوريين من النظام الذي يتهمونه بارتكاب جرائم حرب ممنهجة، فقد أصبحت تلك المخاوف تشمل الآن الخوف على من ظنوا أن الوضع آمن فعادوا. أي أن النفوذ الروسي المفروض على الأسد وكذلك الفرقة العسكرية الموازية التي تضم ثواراً سابقين لم يفلحا في تغيير طريقة عمل النظام وأسلوبه.

هذا وقد اطلع الأردن وحلفاؤه على الوضع ميدانياً من خلال ناشطين حقوقيين جريئين يعملون في كل من سوريا والأردن ولبنان ولكن على حساب المخاطرة بحياتهم في معظم الأحيان، إذ يذكر درويش وهو أحد هؤلاء الناشطين السوريين بأنه تلقى تهديدات بالقتل لأنه موال للغرب، في حين تم اعتقال اثنين من زملائه وإخفاؤهم، ولهذا دفع لمهرب مبلغاً وقدره 1500 دولار ليقوم بتهريبه إلى لبنان قبل عامين، ثم نجح في جلب أسرته خلال الشهر الماضي.

اقرأ أيضا: روسيا تنتقد الدول التي تجاهلت مؤتمر اللاجئين السوريين

ويخبرنا درويش أنه بالرغم من تفاقم الوضع الاقتصادي في لبنان وازدياده سوءاً، وبالرغم من ارتفاع نسبة الفقر بين اللاجئين لتصل إلى 90% خلال الأشهر الماضية، إلا أن ذلك يبقى أفضل من البقاء في سوريا، إذ يخبرنا من ضاحية في بيروت فيقول: "هنا على الأقل لا يمكن للجيش أن يهددنا أو أن يقوم بإخفائنا قسرياً، فلقد بقيت في سوريا طيلة مدة الحرب، ولكن عندما اقتحم الجيش بيتي بحثاً عني، أدركت ما سيحصل بعد ذلك".

يذكر أن لبنان شارك في مؤتمر اللاجئين، إلا أن النخبة الحاكمة فيه صمت أذنيها عن قلق اللاجئين من الاعتقال التعسفي والتجنيد الإجباري في الجيش وغيرها من الرزايا التي تفرزها الحرب. ولطالما اعتبر لبنان مساعدات الأمم المتحدة عنصرا يعمل على تأخير عودة اللاجئين وإبطائها، إذ يستضيف لبنان 1.5 مليون لاجئ سوري، وبالرغم من الحملات التي شنتها الحكومة بشكل مباشر أم غير مباشر بهدف دفعهم إلى العودة لم يعد منهم سوى 65 ألفاً حتى الآن.

فقد ذكر الرئيس اللبناني ميشال عون بأن وجود اللاجئين كلف بلاده 40 مليار دولار، مستشهداً بما قدمه صندوق النقد الدولي، وأشار إلى أن المساعدات الدولية المقدمة للسوريين داخل سوريا لا بد أن تشجعهم على العودة حسب وصفه.

اقرأ أيضا: مؤتمر اللاجئين السوريين طبخة بحص

وشأنه شأن روسيا، يتوقع لبنان أن يستفيد كثيراً من عملية إعادة الإعمار المعلقة في سوريا، والتي من المتوقع أن تكلف حوالي 200 مليار دولار. ولهذا يقوم لبنان بالترويج لمرفئه في طرابلس شمال البلاد، الذي لا يبعد إلا 20 ميلا عن سوريا (ما يعادل 32 كلم) ليصبح مركز العمليات اللوجستية بالنسبة لعملية إعادة الإعمار في سوريا. إذاً باستثناء لبنان، لا يوجد من يتعاطف مع روسيا في هذه المنطقة.

هذا وقد لاحظت الصحفية الروسية ماريانا بيليكايا التي غطت وقائع المؤتمر كيف تجاوز لافرينتيف تركيا مباشرة بعد انتهائه، فأخبرتنا في مكالمة هاتفية من العاصمة السورية بأن: "روسيا طلبت من دمشق دعوة تركيا، إلا أن موسكو أدركت سبب عدم التمكن من ذلك، ولهذا سافر لافرينتيف إلى تركيا للتأكد من أن ذلك لن يكون مصدر إهانة لهم وأجرى مباحثات حول قضية عودة اللاجئين".

اقرأ أيضا: واشنطن: مؤتمر اللاجئين في دمشق عرض مسرحي

أما في سوريا، فليس بوسع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يطالب الأسد بتنازلات من شأنها أن تقنع الغرب بدعم مؤتمر دولي لعودة اللاجئين، وعلى رأس تلك التنازلات فكرة التخلي عن التجنيد الإجباري، وإطلاق سراح السجناء، والسماح بوصول المفوضية العليا للاجئين إلى كل المناطق دون قيد أو شرط. غير أن السبب الأهم الذي يمنع كثيرا من السوريين من العودة هو الأزمة الاقتصادية في سوريا، إذ لم يعد لدى الناس ما يكفي من الطعام، كما سويت مدنهم بالأرض، وتحولت دورهم إلى ركام في أرض قاحلة مترامية الأطراف.

ولهذا أوضحت دول كثيرة أنها لن تشرعن محاولة روسيا لاستغلال قضية اللاجئين لتحقق لنفسها مكاسب دبلوماسية واقتصادية، إلا أن هذا لا يعني أنهم يفتقرون إلى أفكار منطقية خاصة بهم تتصل بالحد من معاناة سوريي الداخل أو الذين تشرد منهم في بقاع العالم.

 

المصدر: فورين بوليسي

مقالات مقترحة
المرأة التي اختارها بايدن لحقيبة الدفاع قد لا تسدي له أي معروف
فلاديمير بوتين لم يدّخر أي وقت لدعم نظريات المؤامرة لدى ترامب
رأيه بسوريا.. 9 أمور عن مرشح بايدن للخارجية الأميركية
تركيا.. 28 ألف مصاب جديد بكورونا بينهم 6814 في المستشفيات
وفيتان وإصابات جديدة بكورونا شمال شرقي سوريا
فرض حظر كامل على الحسكة والقامشلي واستياء شعبي من القرار