نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية، تقريرا تناولت فيه مأساة اللاجئين السوريين في لبنان، مشيرة إلى أنّ خفض المساعدات الأميركية مدمر للاجئين السوريين في لبنان.
وقالت المجلة إن اللاجئين السوريين يعيشون في ظروف قاسية وغير إنسانية، مشيرة إلى أن قصص البالغين تتشابه في تفاصيلها: سكن غير لائق، فرص عمل شبه معدومة، وخوف دائم من مداهمات الشرطة، وأضافت أن معاناة الأطفال تفوق الوصف، فهم أكثر الفئات عرضة للخطر.
ووصفت المجلة ملامح الأطفال بقولها: “عيونهم الداكنة العميقة، نظراتهم الفضولية، وابتساماتهم الخفية” وذكرت أن هناك أطفالًا شوهدوا يلعبون في برك من المياه بجوار مبنى مدرسة مهجور شمال طرابلس، تحول إلى مأوى لـ 41 عائلة بالقرب من الحدود اللبنانية السورية.
وفي مشهد آخر، تحدثت عن ولدين صغيرين وأختهما الرضيعة، كانوا يلعبون على طريق حصوي في ما يسمى “مخيم”، قرب زحلة في سهل البقاع. وأوضحت أن وصف المكان بالمخيم ليس دقيقًا فهو من أسوء المخيمات، إذ يتكون من ألواح خشبية مهملة، وأغطية قديمة للمفوضية، وصفائح معدنية صدئة، وكل ما يمكن العثور عليه في أكوام القمامة.
وأشارت المجلة إلى أن الأهالي يدفعون 150 دولارًا شهريًا لمالك خاص، إضافة إلى رسوم لجمع القمامة التي لم تُجمع أصلًا، ووصفت مخيم زحلة بأنه من أسوأ المخيمات في المنطقة.
تراجع المساعدات الأمريكية وتأثيره المباشر
وأكدت المجلة أن الحرب والسياسة واللامبالاة والعداء حكمت على هؤلاء الأطفال بحياةٍ مهمشةٍ خاليةٍ من الكرامة، معرضين للعنف والاستغلال. وقالت إنه من المرجح أن هؤلاء الأطفال لن ينجوا من إرث قسوة نظام بشار الأسد البائد، ولا من الاستغلال السياسي والمالي للنخب اللبنانية، ولا من برود اللحظة السياسية الأمريكية الراهنة.
وأضاف التقرير أن الصحفيين والمنظمات الإنسانية وثّقوا معاناة اللاجئين السوريين في لبنان منذ سنوات، لكن “مشاهدة الواقع القاسي للمعاناة تختلف تمامًا عن قراءة الأخبار عنها.”
وتابعت المجلة أن ما يزيد الوضع سوءًا هو أن الولايات المتحدة أسهمت في تعقيد مأساة هؤلاء الأطفال، نتيجة الصراعات السياسية الداخلية في واشنطن بين “العولميين” وأنصار حملة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً”، ما أدى إلى خفض ميزانية المساعدات الخارجية الأميركية.
وقالت المجلة إن تقليص المساعدات أعاق جهود المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي تفتقر اليوم إلى الموارد اللازمة لإصلاح المدارس في شمالي لبنان أو توفير ملابس شتوية للأطفال.
وأضافت أن الآثار الواقعية لتقليص ميزانية المساعدات مدمّرة، مشيرة إلى أن لبنان، وهو بلد محدود الموارد، منع المفوضية من تسجيل اللاجئين منذ عقد من الزمن، مما جعلهم غير مؤهلين للحصول على المساعدات. وأوضحت أن الرعاية الطبية، والدعم النفسي، ومساعدة ذوي الإعاقة، وفرص العمل جميعها نادرة، وأن هناك أطفالًا لم يلتحقوا بالمدرسة قطّ.
تحذير من جيل ضائع
وحذرت أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى ظهور جيلٍ غاضبٍ ومحرومٍ من التعليم والانتماء، قد يصبح فريسة للتطرف والعنف وجيلًا ضائعًا عرضة للتطرف وأمراء الحرب والمتاجرين بالبشر والعصابات، وأشارت إلى أن نهج إدارة ترامب في تقليص المساعدات الخارجية فاقم الأزمة.
وحذّرت المجلة من انجذاب الشباب الساخطين والعاطلين عن العمل أو العاملين بدوام جزئي إلى الجماعات المتطرفة التي تمنحهم شعورًا بالهوية والانتماء والهدف. وأكدت أن تحوّل هؤلاء الشباب نحو التطرف أمر غير مستبعد في ظل غياب فرص التعليم والعمل، مشيرة إلى أنه ليس من الصعب تخيّل كيف يمكن أن تتحول المخيمات العشوائية وغير الرسمية إلى بؤرٍ محتملة للتطرف والعنف.
واعتبرت المجلة أن هذا الوضع ينذر بالخطر الشديد، مؤكدة أن الفوضى وعدم الاستقرار ليسا حتميين، لكن السياسات الأميركية الأخيرة تزيد من احتمالات التقلب والعنف من خلال إضعاف قدرة الحكومات والمنظمات الدولية على مواجهة التحديات الإنسانية.
ورغم ذلك، أشارت المجلة إلى أن الولايات المتحدة لا تزال أكبر مانح للمفوضية، لكنها شدّدت على أن المبالغ المخصصة لا تشكل سوى هامش بسيط من الميزانية الأميركية، لكنها قادرة على إحداث فرق كبير في حياة هؤلاء الأطفال.
واختتمت المجلة تقريرها بالتأكيد على أن المبالغ التي تقدمها واشنطن، رغم قلتها، قادرة على إحداث فرق كبير، إذ يمكن بها تأمين سترات شتوية للأطفال وتحسين الملاجئ المؤقتة لتلبي الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.