icon
التغطية الحية

فورين بوليسي: التورط في العلاقة مع روسيا بدلاً من إنهاء الخلاف معها

2025.10.19 | 12:09 دمشق

الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو - تاريخ الصورة 15 تشرين الأول 2025
الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو - تاريخ الصورة 15 تشرين الأول 2025
The Foreign Policy - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تسعى سوريا لتعزيز علاقاتها مع روسيا للحصول على دعم عسكري، خاصة نظم دفاع جوي متطورة، في ظل تراجع قدراتها الدفاعية بسبب الضربات الإسرائيلية، بينما تهدف روسيا لحماية مصالحها الاستراتيجية في سوريا.

- استراتيجية الرئيس السوري أحمد الشرع تتضمن مخاطرة كبيرة، حيث يحاول موازنة العلاقات بين موسكو والغرب، مستلهماً من نهج الرئيس التركي أردوغان، لتغيير الرأي العام السوري تجاه روسيا.

- تقارب سوريا مع موسكو قد يهدد المكاسب الدبلوماسية مع الغرب، ويعرضها لعقوبات أمريكية، بينما قد تشعر إسرائيل براحة أكبر بسبب النفوذ الروسي في سوريا.

بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع لموسكو، سلطت مجلة فورين بوليسي الضوء على استراتيجيّة الرئيس السوري الجديد في تعميق علاقاته مع روسيا، معتبرة أن هذه الخطوة تأتي في إطار حرصه على تأمين الدعم العسكري اللازم لسوريا بعد تراجع قدراتها الدفاعية إثر الضربات الإسرائيلية الأخيرة. وتحدثت المجلة الأميركية عن سعي الشرع عبر هذه التقارب للحصول على نظم دفاع جوي متطورة وأسلحة حديثة، في حين تسعى موسكو من جانبها إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في سوريا، بما في ذلك قاعدة حميميم الجوية وطرطوس البحرية، بغضّ النظر عمن هو الحاكم في دمشق.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الوجود الروسي في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المجلة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

 

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

 

في عام 2019، أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأنه: "لابد من تدمير وكر الإرهابيين"، مشيراً بذلك إلى هيئة تحرير الشام، أي تلك الجماعة المقاتلة التي التقى قائدها، أحمد الشرع، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم الأربعاء الماضي.

حظي الشرع بمديح وإطراء كبيرين على شخصيته البراغماتية، إلا أن التفاته نحو روسيا التي كانت شريكة بالكامل في عنف بشار الأسد ضد هيئة تحرير الشام وضد الشعب السوري، أصبح أكثر ما يلفت النظر اليوم.

مصالح متبادلة

لاشك بأن لدى دمشق الكثير لتكسبه من تلك العلاقة، فالشرع يسعى لتحصيل دعم ملموس، وخاصة في مجال السلاح، بما أنه بات بحاجة ماسة وفورية لذلك في وقت أصبح ينوع شبكة التحالفات التي يسعى لبنائها. بيد أن استراتيجيته هذه لابد أن تحمل مخاطر جسيمة، إذ في حال انتابها الشطط، عندئذ يمكن لحكومة سوريا أن تشهد استنكاراً غربياً كبيراً، فضلاً عن الانتقادات اللاذعة التي ستطالها من الشعب السوري.

بدأ تعامل الشرع بشكل براغماتي مع موسكو قبل أن تسيطر هيئة تحرير الشام على دمشق، فقد شرح الشرع ذلك في مقابلة أجريت معه منذ فترة قريبة، عندما قال: "بمجرد أن وصلت قواتنا إلى حمص، تراجع الروس عن المعركة بشكل كامل، وانسحبوا من الساحة العسكرية بموجب اتفاق". وبالفعل، وجهت موسكو تركيزها بعيداً عن حماية نظام الأسد الذي تداعى وقتئذ، وركزت على حماية مصالحها الاستراتيجية في سوريا، وخاصة في قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، التي تعتبر إحدى الموانئ القليلة التي تخضع لسيطرة الروس في المياه الدافئة.

ومنذ ذلك الحين، سمح النظام الجديد لروسيا بالاحتفاظ بقدرتها على الوصول إلى تلك القواعد، وبالمقابل، واصلت روسيا مد سوريا بالنفط والقمح، كما ستقوم روسيا أيضاً بطباعة العملة السورية الجديدة في كانون الأول من عام 2025. وتطمح الحكومة السورية الجديدة لإقامة علاقات أوثق مع موسكو بما أن ذلك قد يدفع روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن، للمساعدة في إزالة التصنيف الإرهابي الذي وضعته الأمم المتحدة على الشرع وعلى أعوانه السابقين في هيئة تحرير الشام.

والأهم من كل ذلك هو الأسلحة الدفاعية التي يسعى الشرع لتأمينها والتي لا يمكن إلا لروسيا تزويده بها، إذ بعد أن دمرت إسرائيل قرابة 85% من الإمكانات العسكرية لسوريا في كانون الأول عام 2024، أضحى جيش الشرع ضعيفاً من دون أي منظومة للدفاع الجوي، وبوجود عدد محدود من الدبابات والطائرات الحربية. وبالنسبة لبلد يخضع لتهديدات كبيرة كسوريا، سواء من الجهات الفاعلة الخارجية كإسرائيل وإيران، أو من المناوئين في الداخل كالميليشيات الدرزية وقوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية، فإن تشكيل جيش من العسكر بلا إمكانات لا يضمن أي استقرار أو ردع.

قدمت تركيا التي تعتبر داعماً مهماً للشرع بعض الدعم العسكري لسوريا، ولكنها بقيت على حذر من تقديم سلاح أثقل وذلك بسبب خوف إسرائيل من ترسخ الوجود التركي في سوريا بشكل أعمق. كما أن الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ليسوا على استعداد لتقديم ذلك، بسبب تخوفهم من تسليح قوة عسكرية تورطت في مجزرتين طائفيتين خلال هذا العام.

زيارة تمهيدية

وهكذا، في الثالث من تشرين الأول، زار موسكو وفد من وزارة الدفاع السورية ترأسه قائد الأركان، وهناك، عرض المسؤولون الروس مجموعة من العتاد العسكري الذي طورته صناعة الدفاع في بلدهم. وهذه المنظومات التي عرضت للبيع شملت نظم دفاع جوي، ومسيرات قتالية، ومركبات مصفحة. وبذلك ركزت الزيارة بشكل خاص على نظم الدفاع الجوي المتطورة التي صممت لمجابهة الذخائر الإسرائيلية والمسيرات التي يتم توجيهها بدقة بما أن هذه النظم شكلت خطراً كبيراً على الحكومة السورية الجديدة خلال الشهور الماضية.

صعوبة العمل بنهج أردوغان

تمثل علاقة الدفاع المزدهرة انتصاراً لانتهازية كلا الطرفين، إذ خلال الحرب السورية، كانت روسيا بالنسبة للأسد السمسار العسكري الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فقد مدت النظام البائد بمئات الدبابات ونظم الدفاع الجوي. والآن، تبدو موسكو متحمسة للعودة إلى لعب هذا الدور، ولكن هذه المرة مع رئيس مختلف تماماً، وهذا دليل على مواصلة روسيا لاستراتيجيتها القائمة على حماية قواعدها في سوريا، بصرف النظر عمن يحكم دمشق.

أما مقاربة الشرع فمحسوبة هي أيضاً، إذ كغيره من قادة العالم، يحاول هذا الرجل أن يوازن ما بين موسكو والغرب، فعلى سبيل المثال، يحتفظ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، ومع ذلك يستمر في شراء الغاز الروسي، بل إنه اشترى نظم دفاع جوي روسية. ويبدو بأن الشرع يتبع دليل العمل نفسه، فهو يطمح لأن يخلق تواصله مع روسيا حالة قلق بين قادة الغرب ليتخلوا عن أكثر مطالبهم صرامة فيما يتصل بتقاسم السلطة وحقوق الأقليات في سوريا.

ولكن، وكما اكتشف قادة من أمثال أردوغان، فإنه من الصعوبة بمكان اللعب مع روسيا والغرب والاستعانة بطرف ضد الآخر. ويزداد هذا الأمر صعوبة في بلد مايزال معظم شعبه يتذكر وبكل وضوح الغارات الجوية التي نفذتها روسيا ضده.

رأي الشارع السوري مهم أيضاً

ماتزال الذاكرة الجمعية لدى معظم السوريين والسوريات تحتفظ بغصة ألم عميقة تجاه ما تسببت به روسيا من قتل وتدمير منذ عام 2015، وهذا ما عبر عنه أحدهم في رد على استطلاع للرأي أجري منذ فترة قريبة، عندما قال: "قتل الروس نصف الشعب السوري، ودعموا نظام الأسد في تدميره لبيوتنا وقتلنا، فعلى أي أساس سنتصالح مع هؤلاء الروس المجرمين؟".

بالنسبة للشرع، يحتاج التقارب مع موسكو إلى تغيير الرأي العام، فإن نجح في تأمين نظم عسكرية متطورة باتت سوريا بأمس الحاجة إليها، عندئذ يمكن لذلك أن يساعده على تحقيق ذلك. فمنذ سقوط الأسد، أثارت الغارات الجوية الإسرائيلية التي زاد عددها عن 770 غارة ما بين كانون الأول ونيسان الماضي فقط، حالة من الغضب تجاه إسرائيل، ولذلك بوسع الشرع أن يستغل تلك المشاعر، فيطرح علاقة شراكة أقوى مع روسيا بوصفها وسيلة لردع الهجمات الإسرائيلية وللدفاع عن سيادة سوريا.

إسرائيل مع روسيا ضد تركيا في سوريا

هنالك أيضاً تكاليف مستحقة في الخارج، على الرغم من عدم تبين مدى جسامتها حتى الآن.

وخلال زيارته لنيويورك لحضور اجتماع الجمعية العمومية في أيلول الماضي، التقى الشرع بعدد من كبار قادة الدول الغربية، كان من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما التقى بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي وافق على إعادة العلاقات الدبلوماسية بين كييف ودمشق. ولكن، في حال تقارب الشرع مع موسكو اليوم، فإن ذلك لابد أن يهدد بتقويض كل تلك المكاسب الدبلوماسية. إذ إن أعضاء البرلمان الأوروبي سبق لهم أن طالبوا الحكومة السورية الجديدة بحظر الوجود العسكري الروسي في البلد، وفي آذار الماضي، نشروا بياناً طالبوا فيه سوريا "بالتحرر من تحالفاتها الوطيدة القديمة سيئة الصيت مع كل من طهران وموسكو".

وبخلاف تلك الدول، قد تشعر إسرائيل براحة أكبر لتوطد العلاقات بين دمشق وموسكو، إذ في شهر شباط الماضي، تحدثت تقارير عن قيام مسؤولين إسرائيليين بالضغط على واشنطن من أجل الإبقاء على القواعد العسكرية الروسية في سوريا، بما أن إسرائيل تعتبر تلك القواعد بمنزلة قوة مضادة للنفوذ التركي المتزايد على الحكومة السورية الجديدة.

تاريخياً، حافظت إسرائيل على علاقة وطيدة مع روسيا طوال فترة التدخل الروسي دعماً لنظام الأسد في سوريا، فقد اعتمدت الدولتان آليات للتواصل ولخفض النزاع، بعد أن قلقت إسرائيل بشكل كبير من توسع النفوذ العسكري الإيراني في سوريا. واليوم، يبدو بأن هذا القلق قد تحول، بعد أن حلت تركيا محل إيران فأصبحت موضع القلق الأكبر بالنسبة لإسرائيل في سوريا. لذا، وخلال الأشهر القليلة الماضية، وضعت إسرائيل خطوطاً حمر واضحة فيما يتصل بترسيخ الوجود العسكري التركي، كما ضربت مواقع كان من المقرر للجيش التركي أن يستعين بها، فلم تعترض روسيا على تلك الغارات، ولا أحد يرجح لها أن تعترض على تزايد النشاط الإسرائيلي مستقبلاً. وحتى لو أعلن الشرع بأنه يسعى للحصول على الأسلحة الروسية ليدافع عن بلده ضد الغارات الجوية الإسرائيلية، قد تفضل إسرائيل ذلك على تعزيز الوجود التركي في سوريا.

سيناريو مرعب: عودة العقوبات

مازلنا ننتظر واشنطن لتعلن عن سياسة واضحة فيما يخص مستقبل القواعد الروسية في سوريا، وذلك لأن حميميم تلعب دوراً استراتيجياً في دعم فيلق إفريقيا الروسي، في حين تسمح القاعدة البحرية بطرطوس لروسيا بالوصول إلى المتوسط.

أبدت إدارة ترمب موقفاً متناقضاً تجاه معاقبة الدول على إقامة علاقات اقتصادية مع موسكو، غير أن الكونغرس قد يفرض عقوبات من جديد على سوريا في حال شرائها وبشكل مباشر نظم أسلحة من روسيا ومن الشركة التي تصدر السلاح الروسي والتي تعود ملكيتها للدولة الروسية، غير أن معظم النظم التي أضحت قيد النقاش تصل لمستوى الصفقات "المهمة" التي حددها قانون "مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات"، سواء لأنها تتطلب تعاملات مالية كبيرة مع صناعة الدفاع الروسية أو لأنها تمثل تطوراً كبيراً في الإمكانات العسكرية السورية.

بالمختصر، يمكن القول بإن الشرع يلعب لعبة خطرة مع الروس، إلا أنه لا يمكن لأحد أن يصفه بالساذج في تعامله معهم.

 

المصدر: The Foreign Policy