تتناول مجلة "فورين أفيرز" الوضع الراهن في سوريا بعد الإطاحة ببشار الأسد، مع التركيز على دور الرئيس السوري أحمد الشرع مشيرة إلى الصعوبات التي تواجهه في إدارة التنوع الطائفي في سوريا، بما في ذلك العلويين والدروز والأكراد، وسط تصاعد التوترات والعنف.
ويدعي التقرير أهمية اعتماد نظام فيدرالي "يساعد الأقليات على الحكم الذاتي" مع الحفاظ على بعض السلطات المركزية. ويتناول أيضاً العواقب السلبية لعدم اعتماد هذه المشاركة، مثل احتمال تجدد الصراعات.
في النهاية، يطرح التقرير سؤالًا حول مستقبل سوريا وما إذا كانت ستتمكن من تجاوز النزاعات الطائفية واستعادة الاستقرار، وذلك يتطلب تقديم تنازلات من قبل الحكومة المركزية لما سماها بالأقليات.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المجلة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
في كانون الأول الماضي، ذهل العالم بثلة من الجماعات الثورية التي ترأستها هيئة تحرير الشام عند إطاحتها بالديكتاتور السوري بشار الأسد، بعد ذلك، قام قائد الهيئة، أحمد الشرع، بتشكيل حكومة لتشرف على العملية الانتقالية في البلد، غير أن الشرع كان جهادياً في السابق وقد ترأس أحد فروع تنظيم القاعدة في سوريا، ومع ذلك، سرعان ما دعمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووصفه بالشاب "الصلب" و"الجذاب" بعد أن التقى به في أيار الماضي، ومنذ ذلك الحين، علقت الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها على سوريا، وصدرت عنها تصريحات تدعم حكومة الشرع المؤقتة وتؤيدها.
منذ أن تولى الشرع زمام السلطة وهو يتودد للغرب طالباً الدعم وذلك عبر التبرؤ من عقيدته الجهادية ورفع نسبة احتمالات تطبيع سوريا علاقاتها مع إسرائيل، ولقد أقنع الشرع بخطابه هذا المسؤولين السابقين والحاليين الأميركيين، كونه جمع بينه وبين حكمه الناجح نسبياً لمحافظة إدلب السنية خلال السنوات الأخيرة من الحرب، وهكذا اقتنع هؤلاء بأن الشرع رجل المرحلة.
غير أن العنف هز سوريا من جديد اليوم، كما أن تحالف القوى الذي يتبع للشرع يضم جهاديين لم يتخلوا عن عقيدتهم، لذا فإن مشكلة سياسة واشنطن بالنسبة لسوريا لا تكمن في دعم أحد الحلفاء السابقين لتنظيم القاعدة، بل في موافقتها على رؤية الشرع القائمة على حكم مركزي لبلد متنوع متعدد الطوائف تمزقه حالة عميقة من انعدام الثقة. إذ في تموز الماضي، مضى توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، أبعد من ذلك عندما استبعد التأييد الأميركي لأي شكل من أشكال الفيدرالية، حتى لو اقتصر على مجرد السماح للأهالي بإدارة جهاز الشرطة في مناطقهم.
رفضت حكومة دمشق الفيدرالية رفضاً قاطعاً لأنها بنظرها مقدمة للفوضى، ولتفكك الدولة، ولخسارة هيئة تحرير الشام سيطرتها على البلد. كما أن نماذج الفيدرالية لا تبعث على الثقة بهذا النظام، ومنها نظام الحكومة التوافقية بلبنان والنظام الفيدرالي بالعراق، وذلك بسبب محدودية مهامها، ويعتقد بعض حلفاء الشرع بأنه من حق المسلمين السنة في سوريا أن يحكموا بقية الأقليات الدينية، بما أنهم يشكلون غالبية سكان هذا البلد.
يفتقر الشرع والمقربون من مستشاريه وناصحيه لرؤية واضحة للبلد الذي يريدون بناءه، فقد كانوا يحكمون إدلب التي تعتبر مدينة صغيرة تشتمل على شارع رئيسي واحد، وكانت موئلاً للإسلاميين، أي أنها لم تكن دولة كبيرة متعددة الأعراق. كما أن الشرع ليس حاكماً مستبداً يجمع كل السلطات بيده، بل إنه مقيد ببطانة ضيقة يتخذ القرارات بالتشاور معها، لذا فإن مستشاريه هم من يميلون لاحتكار السلطة.
ولكن، حتى تكون هنالك فرصة حقيقية أمام بلد يرغب بالتعافي من آثار الحكم الاستبدادي الذي امتد لأكثر من خمسين عاماً ومن آثار الحرب التي دامت أكثر من عقد، يجب على هذا البلد أن يسمح للأقليات بالاحتفاظ بقدر معين من الاستقلالية، ويرجح لسوريا أن يحكمها حاكم مستبد، لذا، وفي ظل غياب شكل من أشكال الفيدرالية، لابد للعنف الشديد بين الطوائف أن يستمر. وإذا خشيت الأقليات من قيام حكومة مركزية تهيمن عليها، فإنها ستقاوم تلك الفكرة ويمكن أن تطالب قوى خارجية بمساندتها في محاربة تلك الحكومة، وهذا يعني بأن فكرة العودة للحرب ليست مستبعدة، ولذلك يجب على الدول الشريكة لسوريا، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن تشجع على مشاركة السلطة.
جيوش صغيرة في كل مكان!
عند الإطاحة بالأسد، اعتبرت حكومات دول أجنبية عديدة الشرع الشخصية الأنسب لحكم سوريا، في حين افترض السوريون من العرب السنة بأن البلد لا يجوز أن تحكمه أقلية دينية أو عرقية بعد اليوم، كما حدث مع آل الأسد العلويين، ولهذا فإن الإسلاميين الذين أطاحوا بالأسد يجب أن يشكلوا جزءاً كبيراً من الحكومة المقبلة. وهنا اعترفت واشنطن بأن نفوذها على العملية الانتقالية قد يكون محدوداً، صحيح أن الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ في شمال شرقي سوريا لأنها بقيت لسنوات طويلة تحتفظ بوجود جيش صغير لها هناك وذلك لمنع تنظيم الدولة من الظهور مرة أخرى، ولقطع الطريق أمام إيران ومنعها من الوصول إلى لبنان، ولكن الآن، بعد أن أصبح تنظيم الدولة مجرد هيكل فارغ لما كان عليه في السابق، وأصبحت حكومة جديدة تعارض إيران بشدة تحكم سوريا، بدأ ترامب بسحب قواته من سبعة قواعد من أصل ثمانية قواعد أميركية أقيمت في سوريا.
وخلال الفترة التي أعقبت سيطرة الشرع على السلطة، كانت هنالك فرصة لتعميم شعور الارتياح الذي ظهر بسبب رحيل الأسد مع التوق للاستقرار بحيث يمكن استغلال تلك المشاعر لوضع أسس حكم مركزي راسخ، أما اليوم، فقد أصبحت حكومة الشرع تسيطر على ممر يمتد من درعا في الجنوب حتى حلب في الشمال، ويضم طريق إم5 السريع، بالإضافة إلى إدلب والساحل السوري الذي يعتبر موطن الطائفة العلوية في شمال غربي البلد، إذ لم تسيطر هذه الحكومة على السويداء الواقعة في جنوب غربي سوريا وكذلك لا تسيطر على شمال شرقي البلد حيث يحكم الكرد.
بيد أن احتمال تحقيق المركزية تراجع في آذار الماضي، عندما أقدم مقاتلون سنة، بعضهم ينتمي لقوات الحكومة الجديدة، بقتل ما لا يقل عن 1500 علوياً وعلوية، وقد أنحت حكومة الشرع بلائمة ذلك على العلويين الذين افتتحوا جولة العنف هذه، وأعلنت بأنه لا مفر من وقوع عمليات قتل في ظل وجود رغبة طبيعية للانتقام من طائفة لطالما دعمت نظام الأسد الخبيث. ولكن على أرض الواقع، كانت تركيبة القاعدة المؤيدة للأسد أشد تعقيداً من كل ذلك، لأن كثيراً من السنة أيدوا النظام البائد وحاربوا في صفوفه، كما أن الأسدين، الأب والابن، لم يقدما أي شيء للحد من فقر العلويين وذلك حتى يضمنا بقاء تلك الطائفة أسيرة لحالة العبودية في الجيش والدولة. لذا، إن أردنا أن نفاضل بين الخير والشر في هذه المسألة، نجد بأن حكومة الشرع هي أيضاً أبدت تسامحاً تجاه العنف الانتقامي.
ثم أتى شهر تموز الذي سهلت خلاله حكومة الشرع الهجمات التي استهدفت طائفة دينية أخرى، ألا وهي الطائفة الدرزية التي تقطن محافظة السويداء، والتي تمتد من جنوبي دمشق حتى حدود الأردن. يعيش دروز سوريا في منطقة فقيرة ويدينون بمذهب باطني ترفضه الغالبية المسلمة التي تراه بعيداً كل البعد عن الإسلام. وهكذا اتهمت الحكومة الدروز برفض حكمها، وشنت هجمات على القرى الدرزية بالتعاون مع الآلاف من مقاتلي العشائر البدوية، فقتلت مئات الناس، أغلبهم مدنيون، كما حاصرت السويداء، وقطعت الطرق المفضية إليها باستثناء الطريق الذي يمر عبر حاجز تفتيش أقيم جنوبي المحافظة، حيث أخذ عساكر الحكومة ينظمون عملية إدخال القوافل الإنسانية إلى السويداء. وعلى الرغم من رص العشائر البدوية والدروز الصفوف في محاربة الأسد خلال فترة الحرب، فإنهم ظلوا دوماً على خلاف، وقد جدد تهافتهم على الموارد حالة التنافس القديمة بين هذين الطرفين، وقد عمل المؤثرون الذين ينتهجون منهجاً إسلامياً متطرفاً على تأجيج العداء الطائفي بين البدو والدروز عبر تطبيق تيليغرام للمراسلة، وذلك عبر إشادتهم بعمليات القتل والاغتصاب التي طالت أهالي القرى الدرزية.
تعتبر إسرائيل نفسها حامية للدروز بما أن لديها أقلية درزية معتبرة، ولرغبتها بتحويل دروز سوريا إلى حاجز عازل بين إسرائيل والنظام الإسلامي الجديد في دمشق. ولذلك قطعت القوات الإسرائيلية الهجوم الذي استهدف الدروز عبر شن غارات جوية استهدفت مقاتلي البدو إلى جانب قصف مبنى الأركان في دمشق، أي أن إسرائيل لو لم تتدخل، لكان عدد من قتلوا أكبر بكثير.
يميل الشرع للاستعانة بالقوة من أجل الحصول على ما يريد ولقد تحول مقاتلو البدو إلى أداة مهمة تحت تصرفه، فخلال حكم نظام الأسد، جندت الدولة بعض العشائر البدوية لتخوض المعارك في صفها، لكن ذلك تم على نطاق أصغر بكثير مما نراه اليوم. أما حكومة الشرع، فقد تمكنت في تموز الماضي من حشد قوات البدو من مختلف أنحاء سوريا، ودعم هذا التوجه المؤثرون من ذوي التوجهات الجهادية عبر الإنترنت، على الرغم من أن معظمهم ليس لديه ما يربطه بالحكومة. ولقد أرعبت هذه الشبكة الرقمية الناشئة الأقليات المستضعفة كما أرعبها رفض الحكومة تأمين الدروز منذ أن شنت عليهم هجمات مع عدم السماح بمرور ما يكفي من المساعدات إلى السويداء، إذ يعتقد مسؤولون في حكومة الشرع بأن أي تنازل يقدم للدروز سيعتبر مكافأة لهم على تمردهم.
شجعت نوبات العنف هذه أقلية أخرى في البلد، وهي كرد سوريا الذين يحتلون مساحة واسعة من أراضي البلد في شمال شرقي سوريا. فقد تحالفت قوات سوريا الديمقراطية وهي ميليشيا غالبيتها كرد وفيها مقاتلون عرب، مع القوات الأميركية لمحاربة تنظيم الدولة في سوريا. وخلال سعي الشرع لإقامة حكم مركزي، ضغط على قسد حتى تسلم سلاحها وتندمج ضمن جيش سوري جديد ليحل محل جيش الأسد، ولكن بعد أن شهد الكرد دعم النظام الجديد للهجمات التي استهدفت العلويين والدروز، لم تعد لديهم أي رغبة بتسليم ترسانتهم من الأسلحة أو الاندماج ضمن جيش الشرع. بل إن ممثلي قسد وصفوا هذا التحول في موقفهم تجاه الحكومة المؤقتة بمصطلحين هما: "ما قبل السويداء" و"ما بعد السويداء".
كان من المقرر للحكومة المؤقتة أن تجري محادثات مع قيادات قسد في باريس خلال هذا الصيف، لكنها انسحبت في آب، وعللت ذلك بأن وقت التفاوض قد انقضى وبأن قضية اندماج الكرد سيجري تسويتها "على الأرض" أي بالقوة، ومن المحتمل أن تكون دير الزور نقطة الانطلاق لتلك العملية. بيد أن قوات الشرع ليست قوية بما فيه الكفاية حتى تخضع الميليشيات الكردية أو تقف في وجهها. فقد أعلنت الحكومة السورية عن تجنيد 100 ألف مقاتل، بينهم ثلاثون ألفاً من الجيش الوطني السابق، ولكن يبدو أنها قد ضخمت تلك الأعداد، وحتى إن نجحت دمشق بتنظيم جيش بهذا العدد وتدريبه وتزويده بالعتاد، فإنها ستصبح مسؤولة عن إدارة مساحات شاسعة من الأراضي، وبذلك ستحتفظ قسد بتفوقها ضمن المنطقة الأصغر مساحة التي تسيطر عليها. أما القيادات الدرزية التي كانت عبر التاريخ مقسمة إلى فصائل، فقد توحدت في رفضها لمسعى الحكومة بالسيطرة على أراضيها ضمن دولة مركزية تهيمن عليها هيئة تحرير الشام. وهكذا توحدت الميليشيات الدرزية وشكلت ما يعرف بالحرس الوطني لحماية وحدة أراضي السويداء.
قواعد الأغلبية
كلما اشتد قمع الحكومة للأقليات، زادت مقاومتها لضغط الحكومة من أجل إقامة حكم مركزي، والنتيجة مزيد من حمامات الدم، وفرص أكبر تلوح أمام الدول الأجنبية لتتدخل في سوريا، وعلى رأس تلك الدول إسرائيل وإيران، ناهيك عن استمرار إفقار وتجويع السوريين العاديين من كل الفئات. لذا من الحكمة أن تقف الولايات المتحدة ضد فكرة رفض الفيدرالية وأن تشجع على نقل بعض السلطات لهيئات محلية، في حين يجب أن تبقى السياسة المالية والنقدية والعلاقات الخارجية والدفاع عن حدود البلد بيد الحكومة المركزية، لأن هذا النظام بوسعه أن يتجنب حالة الانغلاق والشلل السياسي التي أفرزتها الحكومة التوافقية في لبنان، وذلك عبر السماح للأقليات بممارسة بعض السلطات في الأجزاء التي يشكلون فيها أكثرية داخل سوريا، وذلك بدلاً من فرض حالة المشاركة على المستوى الفيدرالي. وينصح بإتباع تلك الوصفة مع النظام العراقي الذي ابتلي بنزاعات اقتصادية لا تنتهي، بعد منحه صلاحيات كبيرة لحكومة إقليم كردستان العراق. وعلى الرغم من أن لبنان والعراق مايزالان يعانيان من مشكلات كثيرة، فإن وضعهما لابد أن يسوء في حال عدم وضع قيود على الحكومة المركزية في كلا البلدين، ولهذا يجب على واشنطن أن تحاول إقناع قادة سوريا بأن سعيهم لتحقيق مركزية كاملة في السلطة سيعود عليهم بنتائج عكسية لأن ذلك سيدق أسافين كثيرة وعميقة بين الطوائف، وسيغذي العنف، وسيعيق النمو الاقتصادي، وسيضعف ثقة الدول بهذا البلد.
واليوم، يبدو بأن السياسيين الأميركيين باتوا يتبنون فكرة قيام نظام فيدرالي في سوريا، ولكن بشكل متدرج، وذلك لأن مكتب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ما يزال يصر على إيمانه الكبير بقدرة الشرع وكفاءته والتزامه بإقامة سوريا تعددية، إلا أن ما يقلقه أكثر هو الكلفة الكبيرة للحكم المركزي ومدى جدواه، ولذلك أعلن باراك في آب الماضي تأييده لما وصفه بأنه شيء" ما دون الفيدرالية".
وفي الختام، فإن الشعب السوري هو من سيقرر نظام حكمه وطريقه عمل هذا النظام، ولكن ينبغي على إدارة ترامب أن تعترف بأهمية كلامها وأن تضمن عدم تشجيعها بشكل غير مقصود لأسوأ النزعات التي تظهرها الحكومة المؤقتة، لأن ذلك من شأنه دفع البلد نحو الحرب الأهلية من جديد.
المصدر: The Foreign Affairs