icon
التغطية الحية

فورين أفيرز: كيف خسرت إيران سوريا؟

2024.12.23 | 18:28 دمشق

آخر تحديث: 23.12.2024 | 18:39 دمشق

أحد الثوار السوريين وهو يحطم صورة ظهر فيها بشار بجانب خامنئي فالأسد الأب ثم حسن نصر الله إثر انتصار الثورة السورية وسقوط الأسد
أحد الثوار السوريين وهو يحطم صورة ظهر فيها بشار بجانب خامنئي فالأسد الأب ثم حسن نصر الله إثر انتصار الثورة السورية وسقوط الأسد
Foreign Affairs- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- سقوط نظام بشار الأسد أدى إلى انهيار سريع للنظام السوري، مما أثر على النفوذ الإيراني في سوريا وكشف عن ضعفها في مواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة.
- الولايات المتحدة تسعى لتعزيز الاستقرار في سوريا بدعم القوات الكردية وتشجيع الحوار، لكن التعاون مع إيران ضروري لتجنب استمرار المعاناة في المنطقة.
- إيران تحاول تعديل استراتيجيتها للحفاظ على نفوذها ببناء علاقات مع الجماعات الكردية والأقليات، بينما تسعى الولايات المتحدة لدعم الأكراد ومنع إيران من استغلال الفراغ في السلطة.

بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على بدء الثورة السورية، بدد السقوط السريع والدراماتيكي لبشار الأسد فكرة بقاء الوضع المستقر الراهن على حاله، بصرف النظر عن مدى قمعيته. فطوال ردح كبير من العقد الماضي، كمّ نظام الأسد أفواه معارضيه بوحشية، ودعمته في ذلك كل من إيران وروسيا من دون أي تقاعس أو فتور، لذا، فما بدأ كانتفاضة وثورة في عام 2011 تطور إلى حرب مدمرة توقفت في نهاية المطاف في مرحلة جمود مقلقة، وعلى الرغم من استمرار ظهور التحديات، بدت قبضة الأسد على السلطة راسخة، بيد أن هذا النظام انهار في غضون أيام من بداية هجوم الثوار الذي حظي بتنسيق عال.

كان من بين ضحايا هذا الهجوم النفوذ الإيراني في سوريا، والذي ما برحت إيران تنميه وتطوره بشق الأنفس على مدار سنين كلفتها كثيراً من الأموال في سبيل التدخل وتقديم الدعم الذي لم يتزعزع، فقد كانت طهران أكثر حليف رسوخاً وثباتاً لدى الأسد طوال فترة النزاع، إذ بمرور السنين، استثمرت إيران موارد هائلة وقدمت مساعدات عسكرية كبيرة حتى يبقى الأسد في الحكم، ولكن مع التفسخ السريع الذي طرأ على الجيش السوري، كان من اللافت غياب إيران عن المشهد، وعقب حدوث ما حدث، استنكر المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، سقوط الأسد ووصفه بالمؤامرة التي رتبتها قوى أجنبية، وفي ذلك ما يعبر عن سعي إيران لحفظ صورتها بوصفها قوة إقليمية تتسم بالمرونة، ولكن في الداخل الإيراني، ينقسم المسؤولون والمراقبون حيال هذا المشهد على ما يبدو، وذلك لأن الوتيرة السريعة للأحداث واستنزاف الموارد العسكرية والسياسية لطهران على مدار العام الماضي، وسط تصاعد المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل، ترك القيادة الإيرانية في حيص بيص وهي تسعى لترد بشكل يعبر عن تماسك النظام الإيراني.

تعتبر النكسة الاستراتيجية التي منيت بها إيران بمنزلة فرصة فريدة للولايات المتحدة حتى تمنع تجدد النزاع ولتضع أسس الاستقرار الدائم في سوريا، فعبر مواصلة دعم القوات الكردية السورية، والتشجيع على الحوار بين أهم العناصر من أصحاب المصلحة في سوريا، وتشجيع إسرائيل على ضبط نفسها تجاه هذا البلد، يمكن لواشنطن أن تسهم في رسم واقع سوريا بعد الأسد بحيث يسوده السلام والأمن على المدى البعيد. ولكن إعادة الاستقرار للمنطقة قد يتطلب مشاركة إيران في الحوارات المتعلقة بمستقبل سوريا، وفي حال فشل واشنطن وطهران في التشارك في ذلك، فلا بد أن تستمر المعاناة في سوريا.

استنزاف مكشوف

كان للتدخل الإيراني الكبير في الحرب السورية دور مهم في إبقاء نظام الأسد في الحكم، إذ منذ عام 2011، صرفت طهران ما بين 30-50 مليار دولار على الدعم العسكري وشحنات النفط والدعم اللوجستي الذي قدمته للأسد، كما عمل فيلق القدس الذي يعتبر جناح النخبة بين قوات الحرس الثوري الإيراني على تنسيق العمليات في سوريا خلال مرحلة مبكرة من تاريخ الحرب السورية وذلك بهدف تدريب الميليشيات المحلية التي تعمل على رفد جيش النظام، فضلاً عن حشد طيف واسع من المقاتلين الشيعة الأجانب، وعلى رأسهم تنظيم حزب الله، والميليشيات العراقية، والجماعات الأفغانية والباكستانية.

وبعد أن خبت جذوة القتال التي امتدت لأوسع نطاق في عام 2018، بدأت طهران بالتركيز على ترسيخ نفوذها في المنطقة الجنوبية وتلك الواقعة جنوب شرقي سوريا، حيث سيطرت على تلك المناطق وأخذت تدمج الميليشيات ضمن القوات المسلحة التابعة للنظام، بيد أن كل تلك الجهود لم تكن كافية لمنع سقوط الأسد السريع والذي تم في بداية شهر كانون الأول. إذ يبدو بأن إيران قد خُدعت بالمظهر الكاذب لوجود حكومة مستقرة تتمتع بإمكانات وقدرات قائمة في دمشق، على الرغم من أن طهران نفسها ساعدت الأسد على اختلاق هذا الوهم. ومع ذلك بقيت حكومة إيران غير مستعدة لانهيار جيش النظام السريع، وذلك عندما تداعت الخطوط الدفاعية مع عدم قدرة الجنود على القتال أو عجزهم الكامل عن ذلك. ولهذا، وفي غضون أيام قليلة، سيطر الثوار على ثاني أكبر مدينة في سوريا، ألا وهي مدينة حلب، ثم تقدموا جنوباً من دون أن يتركوا أي مجال أو وقت لإيران حتى ترد بشكل فعال، وقد اعترف حسين سلامي، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني بذلك، عندما ذكر بأنه: "لا يمكن لإيران أن تحارب عن الجيش السوري... بينما يقف جنوده مكتوفي الأيدي وهم يراقبون ما يجري".

ثم إن الضعف الذي اعترى حزب الله زاد من كمّ المخاطر التي هددت إيران، بما أن حزب الله يعتبر من الميليشيات المركزية بالنسبة لاستراتيجية إيران في سوريا، ولديه آلاف المقاتلين الذين أرسلهم لدعم نظام بشار الأسد طوال العقد الماضي، إذ بعد مقتل قائد الحرس الثوري، قاسم سليماني، في عام 2020، أصبح حزب الله المنسق الرئيسي للميليشيات المدعومة إيرانياً في سوريا، بيد أن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مقاتلي الحزب وبنيته التحتية خلال العام المنصرم قضت على قياداته وحرمته من تقديم مزيد من الدعم العسكري واللوجستي للأسد.

كثفت إسرائيل استهدافها للأصول الإيرانية في سوريا، وتلخص هدفها في البداية بقطع عمليات شحن السلاح الإيراني عبر سوريا إلى حزب الله، بيد أن هذه الاستراتيجية كانت جزءاً من المواجهة الإسرائيلية الأوسع مع حزب الله وبقية محور المقاومة المدعوم إيرانياً، والتي جرى تصعيدها لتتحول إلى حصار بري وجوي بحكم الأمر الواقع حدث في أواخر عام 2023، وتسبب بإنهاء تحركات القوات الإيرانية ولوجستياتها وانتقالها إلى سوريا، وخاصة تلك التحركات التي تتم عبر العراق. بل حتى خامنئي اعترف في أحد خطاباته التي ألقاها في مطلع شهر كانون الأول بأن إيران عجزت عن إمداد الأسد بسبب قطع كل نقاط الاتصال البرية معه.

في تلك الأثناء، ومع بدء العملية العسكرية للثوار في سوريا في أواخر شهر تشرين الثاني الماضي، امتنعت الميليشيات الشيعية العراقية التي لعبت في السابق دوراً مهماً خلال المراحل الأولى من عمر الحرب السورية عن العودة للمشاركة في القتال، بعد أن انشغلت بأولويات داخلية وأقلقها أمر التكاليف المتزايدة على عملية التدخل الخارجي، لذا، فإن غياب هذا الدعم من جهة حليفة وموثوقة حدَّ من قدرة إيران على الرد بقوة.

كما أثّرت عوامل داخلية على قرار طهران بعدم التدخل، إذ بعد جولتين من الغارات المتبادلة مع إسرائيل، وخاصة بعد سلسلة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية ودفاعات جوية إيرانية في شهر تشرين الأول الماضي، انكشفت مواطن ضعف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما أن الاقتصاد الإيراني أصبح اليوم أضعف بكثير مما كان عليه عند بداية تدخل طهران في سوريا عام 2011، وهذا ما حد من قدرة طهران على مواصلة تدخلها الخارجي مع دفع فاتورة باهظة أخرى من أجل تحقيق ذلك، ناهيك عن احتمالية حدوث تصعيد أكبر، ولهذا فضلت طهران تحصين دفاعاتها على إرسال مواردها لخوض نزاعات خارج حدودها.

محور مُتداع

لم يكشف سقوط الأسد نقاط ضعف إيران فحسب، بل كشف أيضاً عن تحديات جديدة وكبيرة تواجهها طهران وتهدد نفوذها الإقليمي واستقرار نظامها، ويأتي على رأس تلك التحديات صعوبة إحياء الإمكانات التي كان حزب الله يتمتع بها في شن العمليات، فلقد كانت سوريا على الدوام بمنزلة محور لوجستي حيوي ضمن الممر البري الذي يربط إيران بالبحر المتوسط ويمكّنها من نقل أسلحتها المتطورة ولوجستياتها إلى حزب الله. ومع انهيار الأسد، انقطع خط الإمداد هذا، ما تسبب بعزل حزب الله والقضاء على حالة الاتصال الجغرافية التي تربط عناصر "محور المقاومة" بعضها ببعض. وبما أن حزب الله قد اعتراه ضعف شديد من جراء الحرب التي خاضها مع إسرائيل والتي امتدت لعام وشهرين، بات الحزب اليوم أمام مهمة شاقة تتمثل بسعيه نحو التعافي في ظل دعم لوجستي أقل بكثير يصل إليه من إيران بصورة مباشرة.

سلط سقوط الأسد الضوء على الانقسامات الأيديولوجية والطائفية بين حلفاء إيران والتي قد تدمّر تماسك هذا المحور، ولذلك اعتبرت كل من إيران وحزب الله والميليشيات العراقية والحوثيون هذا الحدث بمنزلة نكسة كبيرة، بيد أن حماس وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وغيرها من الجماعات السنية التي تدعمها إيران، هنأت الثوار السوريين من هيئة تحرير الشام الإسلامية السنية عند انتصارها على الأسد.

وبالنسبة للمحور نفسه، فإن خسارة إيران لسوريا قد تقوض صدقيّة إيران أمام شركائها الإقليميين في العراق واليمن، وذلك لأن عدم تدخل إيران بشكل حاسم في الدفاع عن الأسد من المرجح أن يثير الشكوك بمدى التزام إيران والإمكانات التي تخوّلها تحقيقَ ذلك، فلقد أعرب نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق الذي حافظ على علاقة وطيدة مع إيران، عن استغرابه لعدم تحريك طهران لأي ساكن في سوريا وذلك في مقابلة تلفزيونية أجريت معه بعيد سقوط الأسد، قال فيها: "استغربت موقف هذه الدول التي كانت تقف إلى جانب سوريا... أي روسيا وإيران، إذ كيف غيرتا موقفهما؟ وما العواقب المترتبة على هذا التغيير؟" ولهذا قد تشكك الجماعات التي تعتمد على الدعم الإيراني بمدى صدقيّة إيران وقدرتها على الوثوق بها مستقبلاً.

كما أن خسارة إيران لحليفها في سوريا أظهرها بمظهر الضعيف أمام منافستها تركيا، وذلك لأن الدعم القوي الذي قدمته أنقرة للثوار السوريين عطّل توازن القوى على المستوى الإقليمي، إذ تحت حكم الأسد، سمح الوجود الإيراني الممتد في سوريا لطهران بأن تقف في وجه المطامح الإقليمية لتركيا، ولكن منذ أن سقط الأسد، وتحولت أنقرة إلى الراعي الرئيسي للثوار السوريين، وخاصة لهيئة تحرير الشام، حلّت تركيا محل إيران وروسيا بوصفها القوة الخارجية المهيمنة في سوريا، فوسعت عمق النفوذ التركي مع الحد من النفوذ الإيراني. ولذلك ظهرت في إيران حالة قلق حيال تركيا التي قد يشجعها الموقف الضعيف الذي تبديه طهران اليوم على السعي لكسب مزيد من النفوذ على حساب إيران في كل من العراق ولبنان وجنوبي القوقاز، إذ قد تزيد تركيا من دعمها للفصائل السنية في مواجهة الجماعات الشيعية الموالية لإيران في كل من العراق ولبنان، أما في جنوبي القوقاز، فإن سعي تركيا لإقامة ما يعرف بممر زنغزور وهو عبارة عن ممر استراتيجي للعبور يربط تركيا بأذربيجان عبر الأراضي الأرمينية، يهدد بقطع منطقة العبور البرية التي تصل طهران بأرمينيا، أي تلك الدولة التي تعتبر شريكاً استراتيجياً مهماً للحفاظ على موطئ قدم طهران في المنطقة، إلى جانب تهديد قدرة إيران في الحفاظ على طرق التجارة مع القوقاز، مما سيتسبب بعزل طهران اقتصادياً وجيوسياسياً.

وأخيراً، فإن سقوط الأسد غذَّى حالة السخط الداخلية بين عموم الموالين للنظام في طهران، فوصف بعضهم هذه الخسارة بالخطأ الاستراتيجي الفادح وصار ينتقد الحكومة علناً عبر المحطة التلفزيونية الرسمية، وهذا الشكل من المعارضة يعتبر تهديداً حقيقياً لهذا النظام الذي يعتمد بشكل كبير على قاعدة المؤيدين المتشددين له. والأهم من ذلك ظهور مخاوف من أن يشجع انتصار الجماعات السنية في سوريا الجماعات السنية المتطرفة في المناطق الجنوبية الإيرانية التي تسودها اضطرابات، وعلى رأسها تلك المناطق التي يسكنها العرب والبلوش، على خلق مزيد من الاضطرابات في وقت تعاني فيه الحكومة من ضعف شديد.

ماذا بعد سقوط الأسد؟

على الرغم من التحديات الكثيرة التي تواجهها طهران، عملت إيران على تعديل استراتيجيتها لتحافظ على نفوذها في سوريا وفي منطقة بلاد الشام وذلك عبر إدخال تعديلات تكتيكية عليها، فلقد أبدت إيران اهتماماً بالتعامل مع الجماعات الكردية السورية التي على الرغم من أنها لم تجابه الأسد بشكل مباشر، بقيت من بين العناصر الفاعلة المهمة طوال فترة الحرب، وخاصة عند مقارعة الجماعات السنية المتطرفة، بما أن الكرد ما يزالون يسيطرون على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا. فقبيل الإطاحة بالأسد، انسحبت القوات المدعومة إيرانياً من المواقع المهمة في المنطقة الشرقية بسوريا، وخاصة من محافظة دير الزور القريبة من الحدود العراقية، وسلمت سيطرتها لقوات سوريا الديمقراطية التي يهمين الكرد على تعداد مقاتليها وعلى تسلسل القيادة فيها، وهذه الخطوة تعبر عن المساعي التي تبذلها إيران لتقدم نفسها كشريك محتمل لكرد سوريا، خاصة بعد ظهور مخاوف لدى الكرد تجاه تراجع الدعم الأميركي المقدم لقسد بمجرد أن يعود دونالد ترمب إلى البيت الأبيض (إذ يتوقع كثيرون أن يقلص ترمب التدخل الأميركي في سوريا وأن يسعى لإقامة علاقات أقوى مع تركيا التي تعتبر قسد تنظيماً إرهابياً).

هذا وقد تدرس إيران احتمالية تعاملها مع هيئة تحرير الشام، عبر استغلال المشاعر المعادية لإسرائيل والمؤيدة للشعب الفلسطيني بين صفوف الثوار، على الرغم من أن قيادة الهيئة أعربت عن عدم استعدادها لخوض أي نزاع مع إسرائيل، بيد أن الغارات الإسرائيلية المستمرة مع التقدم البري الإسرائيلي في الأراضي السورية قد يدفع القيادة لتغيير رأيها. كما قد تقدم طهران الدعم لهيئة تحرير الشام مقابل تنازلات استراتيجية تقدمها الهيئة، مثل فتح الطريق من جديد أمام إيران للوصول إلى مقاتلي حزب الله في لبنان.

وعوضاً عن كل ذلك، من المرجح أن تتجه إيران إلى إقامة علاقات جديدة مع الأقليات الشيعية والعلوية في غربي سوريا بما أن أفرادها باتوا يخشون على أنفسهم من التعرض للتمييز والقمع على يد المتطرفين السنة، إذ عبر الانحياز لتلك المجموعات، سيصبح بوسع إيران بناء شبكة من القوى والأذرع الموالية لها لضمان بقاء نفوذها في سوريا حتى في ظل عدم وجود نظام حاكم يعمل رهن إشارتها. كما قد تعيد إيران تنظيم صفوف مئات من جنود نظام الأسد الذين فروا إلى العراق وذلك لتشكل قوات تعمل على تحريك ثورة مضادة، مما قد يساعدها على استعادة موطئ قدمها في سوريا.

ملء الفراغ

يعتبر سقوط الأسد وطمس موطئ قدم إيران في سوريا فرصة فريدة من نوعها للتجديد، لكن تحديات جسيمة تكتنف هذه الفرصة، وحل هذه المعضلة لا بد أن يحتاج لتدخل أميركي فاعل، إذ في البداية لا بد من القول إن مواصلة الدعم الأميركي لكرد سوريا مسألة حاسمة في هذا المضمار، وذلك لأن قسد ذات القيادة الكردية تعتبر حليفاً مهماً في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وعنصراً أساسياً من عناصر نشر الاستقرار في شمال شرقي سوريا. غير أن المواجهات التي وقعت مؤخراً من جماعات الثوار المدعومة تركياً أجبرت قسد على تعليق عملياتها ضد تنظيم الدولة، لذا فإن مواصلة الدعم الأميركي الذي يشمل الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي لابد أن يزيد من قوة الكرد في مواجهة تلك الأخطار إلى جانب ردع إيران ومنعها من استغلال أي فراغ حاصل في السلطة.

وفي الوقت ذاته، ينبغي لواشنطن تشجيع إسرائيل على ضبط نفسها وخفض تصعيد عملياتها في جنوب غربي سوريا، إذ عقب سقوط الأسد، وسعت إسرائيل وجودها خارج نطاق مرتفعات الجولان، فاحتلت مناطق في عمق الداخل السوري، وبررت تحركها بخوفها على أمنها، بيد أن أي احتلال إسرائيلي طويل الأمد قد يهدد بخلق حالة من النفور بين السوريين وهذا ما سيوفر لإيران ذريعة لتعود إلى العمل على أجندتها المعادية لإسرائيل في سوريا.

هذا ويجب على الولايات المتحدة التعاون مع حلفائها في الشرق الأوسط وأوروبا على تشجيع قيام حوار سياسي شامل بين جميع أطياف السوريين، لأن الفراغ في السلطة المترتب على هروب الأسد قد يهدد باشتداد المنافسة بين العديد من الأطياف السورية وبين الأقليات العرقية والدينية الكثيرة في هذا البلد، لذا فإن دعم قيام حوار شامل قد يسهم في تأسيس حكومة تمثل الشعب تحافظ على وحدة أراضي سوريا وتحمي حقوق الأقليات فيها، مع تقليص احتمال استغلال إيران أو أي عنصر فاعل خارجي آخر لهم من أجل كسب النفوذ.

ومن الأهمية بمكان أيضاً ضمان الأمن في سوريا عبر المساعي الدبلوماسية التي تعمل على منع زعزعة الاستقرار بشكل أكبر في إيران، وذلك لأن إحساس طهران المتزايد بانعدام أمانها عقب سقوط الأسد قد يدفع قيادتها إلى تصعيد أنشطتها التي تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن ذلك تلك الجهود التي تعمل من خلالها على تعزيز قوة الميليشيات المتحالفة معها في كل من العراق واليمن أو عبر التحريض على إحداث توترات طائفية في سوريا، ولذلك يجب على الولايات المتحدة أن تعرض على إيران المشاركة في المحادثات الإقليمية بشأن مستقبل سوريا، إلى جانب معالجة مخاوف إيران الأمنية مع دعوة قياداتها لخفض التصعيد على جبهات أخرى، لأن هذه الاستراتيجية من شأنها أن تحد من النفوذ الإيراني التخريبي في سوريا وفي منطقة الشرق الأوسط ككل، كما يمكن لذلك أن يفتح الباب أمام قيام مزيد من المحادثات الدبلوماسية الشاملة بين واشنطن وطهران.

 

المصدر: Foreign Affairs