icon
التغطية الحية

فورين أفيرز: ترامب حاضر حيثما حل الخراب

2021.01.13 | 16:40 دمشق

90483016-be73-4051-b57f-703fc84bd2ba.jpg
فورين أفيرز- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

منذ البداية قام جوهر سياسة ترامب الخارجية على تعطيل الترتيبات والسياسات التي قدمت خدمات جليلة للولايات المتحدة الأميركية طوال 75 سنة، فانسحاب الرئيس دونالد ترامب المفاجئ من الاتفاقيات القديمة والمنظمات العريقة، وتهجمه على الحلفاء، واحتضانه للحكام المستبدين مع تجاهله لانتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسونها، وعادته التي تمثلت بالإعلان عن أي تغيير في سياسته عبر تويتر، دون مشاورة أحد، أو بعد التشاور مع عدد قليل من المستشارين، كل ذلك، لابد وأن يؤدي إلى انحسار ملحوظ في النفوذ الأميركي، وهذا يصب في صالح الصين وإيران وروسيا، ويضر بالجهود الدولية الساعية لمعالجة مشكلة التغير المناخي وهذا المرض المعدي، وانتشار الأسلحة النووية، والتهديدات الإلكترونية.

إلا أن الدمار الذي ألحقته الأحداث الأخيرة في واشنطن في السادس من كانون الثاني، والذي تمثل بالفوضى والعنف في مبنى البنتاغون الأميركي بعد رفض ترامب والعشرات من الجمهوريين في الكونغرس القبول بنتائج الانتخابات الرئاسية التي ظهرت في شهر تشرين الثاني، لابد وأن تكون آثاره أكبر بكثير على السياسة الخارجية الأميركية، وعلى الديمقراطية الأميركية أيضاً. أي أننا انتقلنا من مرحلة: (حاضر حيثما حل التعطيل) إلى: (حاضر حيثما حل الخراب)، وذلك لأن ما حدث خلال الأسبوع الماضي يعبر عن فشل أميركي متأصل، إلا أن عواقب ذلك ستصل إلى شطآن بعيدة عن أميركا. أي أن عالم ما بعد أميركا الذي لا يحدده التفوق الأميركي، بات على الأبواب وأقرب مما نتوقع، إذ لا يترتب ذلك على الصعود الحتمي للقوى الأخرى بقدر ما يترتب على ما فعلته الولايات المتحدة بنفسها.

العالم بأسره يراقب

لقد راقب العالم عن كثب الأحداث التي جرت في الولايات المتحدة منذ أمد طويل، ابتداء من حركة الحقوق المدنية، والاحتجاجات التي خرجت ضد حرب فيتنام في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وفضيحة ووترغيت، والأزمة المالية في عام 2008، وصولاً إلى ما حصل خلال السنوات الماضية، مثل قضية تشارلوتسفيل، ومقتل جورج فلويد، وفشل الولايات المتحدة في مواجهة جائحة كوفيد-19. إلا أن محاصرة مبنى البنتاغون واحتلاله في السادس من كانون الثاني كان الأميز بين كل تلك الحوادث، حيث قام رئيس الولايات المتحدة مع عدد كبير من مؤيديه ومتعاونين في الكونغرس وفي مختلف أنحاء البلاد، بالتحريض على العنف وممارسته بهدف الإطاحة بالديمقراطية الأميركية (كما ظهر الفشل في حفظ النظام، ليؤكد على القضايا التي تتصل بقدرة أميركا بالأساس وأهليتها، وقد تمثل ذلك بالاستجابة المعيبة لكوفيد-19 والهجوم الإلكتروني الذي نفذته روسيا دون أن يتمكن أحد من اكتشافه).

لقد عززت تلك الصور الإحساس بين الدول الديمقراطية الأخرى بأن ثمة خطب كبير يعتري الولايات المتحدة، وتساءلت تلك الدول كيف يمكن للكثير من الأميركيين أن يصوتوا من أجل قائد تهجم –حتى قبل الأسبوع الماضي- على المؤسسات القضائية والإعلامية المستقلة، ورفض أن يمثل نموذجاً وقدوة فعالة في وجه الجائحة الفتاكة، كما قام بخرق كثير من القواعد السياسية القديمة في بلاده؟ وقد انصب خوف تلك الدول على أنه حتى بعد مغادرة ترامب للمكتب البيضاوي، لابد وأن يظل هذا الرجل ضمن المشهد السياسي، ليؤثر على السياسة الأميركية ويهيمن على الحزب الجمهوري لبعض الوقت مستقبلاً، كما أن العودة إلى السلوك الأميركي المعتاد في ظل حكم جو بايدن وكامالا هاريس قد يبقى ضمن إطار فترة راحة محدودة ومؤقتة، وذلك بحسب رأي كثير من حلفاء الولايات المتحدة.

وبالنتيجة، لم يعد أمام الحلفاء كثير من الخيارات إلا أن يفكروا في قرارهم بالنسبة لعهدة الأمن في بلادهم التي أودعوها لدى الولايات المتحدة. إذ بالأصل ظهرت شكوك حول هذا الأمر جراء بعض التصرفات التي ظهرت أيام إدارة أوباما، ثم ظهر كثير منها أيام حكم ترامب (وذلك عندما تهجم على الحلفاء، وتودد إلى الديكتاتوريين، وتصرف بشكل منفرد وغير متوقع). وهذه الشكوك إن دلت على شيء فإنما تدل على توجه أكبر نحو تجاهل تلك الدول للتوسلات الأميركية التي تطالبهم بأن يعهدوا بأمور السياسة لها وأن يضعوها بين يديها، سواء أتم ذلك عبر تهدئة دول الجوار صاحبة النفوذ، أو عبر دعم واستخدام قوتها العسكرية. وقد ظهرت علائم ذلك في الشرق الأوسط، وأوروبا، وفي آسيا، وحرب السعودية في اليمن، والتدخل التركي في سوريا ودعمها لأذربيجان في ناغورني-قرة باخ، وفي اتفاقية الاستثمار التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع الصين، وفي التكتل التجاري في آسيا الذي يعتمد على الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية. وهكذا بالنتيجة، سيظهر عالم أكثر عنفاً وأقل انفتاحاً من الناحية السياسية والاقتصادية، وستبقى الولايات المتحدة مهمة في هذا العالم، إلا أنها ستفقد نفوذها المهيمن وقوتها وسيطرتها على غيرها فيه.

إن العنف الذي ظهر في مبنى البنتاغون لابد وأن يضعف قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الديمقراطية وحكم القانون على وجه الخصوص، إذ ما لك عزيزي القارئ إلا أن تتخيل تلك الصيحات التي ستتهم الولايات المتحدة بالنفاق عندما تحاضر واشنطن مستقبلاً حول هذا الموضوع أو تفرض عقوبات على حكومة أخرى بسبب سلوكها. أما الأنظمة المستبدة مثل الصين فقد أبدت شماتتها قبل ذلك، ولهذا فهي تعتبر المشاهد التي رأيناها خلال الأسبوع الماضي خير دليل على تفوق أسلوبها، ونفاق المسؤولين الأميركيين عند انتقادهم لقمع هونغ كونغ أو ذلك الذي يمارس في شينغيانغ. وبالمثل، فإن مناهضة انتشار الأسلحة النووية نظراً لأن الدول الأخرى ليست مستقرة أو مسؤولة بما فيه الكفاية تبدو جوفاء عندما يكون القائد الأعلى لأبرز قوة نووية على مستوى العالم يفتقر لتلك الصفات.

أهي أميركا التي تعرف نفسها جيداً؟

كما هي الحال مع الأفراد، تبدو عملية تشويه سمعة الدول أسهل بكثير من تحسينها، ومع ذلك لابد من أن نقوم بكل ما بوسعنا للتراجع عن ذلك الدمار، من أجل الولايات المتحدة ومن أجل بقية دول العالم أيضاً. إذ حتى في عالم ما بعد أميركا، ستبقى القوة والنفوذ الأميركيين أمراً أساسياً، وذلك لأن فرص بناء نظام دولي مستقر ومنفتح وفعال ستظل شبه معدومة في حال غياب مساهمة أميركية فعالة وكبيرة في هذا المضمار.

ولهذا لابد من تحقيق شيء من الوعي الذاتي، وذلك لأن الولايات المتحدة ليست متفردة كما يعتقد كثير من الأميركيين، ويشمل ذلك كل ما يتصل بأمور التقهقر والابتعاد عن الديمقراطية، لأن ما حدث يجب أن يكتب نهاية لفكرة التفرد الأميركي، وتصوير الولايات المتحدة على أنها مدينة الإشعاع الأبدي التي أقيمت في أعلى التلة.

ولهذا يجب أن تتحلى إدارة بايدن القادمة بالحكمة وذلك عبر تعليق الخطط المعلن عنها حتى الترتيب لعقد اجتماع يضم الدول الديمقراطية في العالم، وذلك إلى أن يقوم البيت الأميركي بترتيب نفسه بصورة أفضل. وهذا بحد ذاته يتطلب اتخاذ خطوات مباشرة مثل تشكيل مجموعة مثل لجنة 11 سبتمبر وذلك لتجري تحقيقاتها حول الطريقة التي جعلت من مبنى البنتاغون هشاً للغاية أمام تهديد واضح ومعروف، إلى جانب وضعها لتوصيات حول سد الثغرات الأمنية، ويشمل ذلك تلك الثغرات التي تتصل بمزيج الحوكمة الذي تخضع له عاصمة تلك البلاد. كما من الضروري إقامة العدل مع تورط عدد كبير من الأشخاص بأعمال مخالفة للقانون، وذلك حتى يتضح للجميع بأن لهذا السلوك عواقب تترتب عليه، وحتى يرى العالم بأسره بأن هذا الانهيار الذي تعرض له القانون والنظام لن يسمح له بالتحول إلى وضع دائم.

إلا أن كثيرا من تلك الأمور الضرورية يتطلب جهوداً تبذل على المدى البعيد، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تتصدى لقضية الظلم التي توسعت وكبرت وساءت بشكل كبير في ظل الركود الذي تسببت به الجائحة، وذلك بالنسبة للدخل وكذلك بالنسبة لتوفر التعليم وغيره من الفرص، وذلك لأن هذه الظروف تؤدي إلى ظهور حالة من السخط التي يمكن تفهمها، إلى جانب كونها تغذي النزعة الشعبوية والتطرف لدى اليمين واليسار على حد سواء. ومن التحديات الكبيرة نذكر توجه الحزب الجمهوري، فالديمقراطية الأميركية لن تكون مجدية في حال رفض واحد من أهم الأحزاب فيها لفكرة المعارضة الوفية، وتقديمه لنفسه ليس ضمن إطار ما بوسعه أن يفعله بل ضمن ما بوسعه أن يقف حائلاً أمامه.

هذا وقد تسهل بعض التغييرات الإجرائية مثل فتح الانتخابات التمهيدية، والتصويت عبر قائمة خيارات مرتبة، عملية التصويت سواء بصورة شخصية أو عبر البريد الإلكتروني. وكل ذلك يمكن أن يساعد على تغيير الوضع بالمجمل. كما من شأن ذلك أن يحد من التلاعب في الدوائر الانتخابية، سواء عبر اتخاذ إجراء قانوني أو عبر تعاون لجان من كلا الحزبين على إعادة رسم الدوائر التشريعية. إلا أن الأمر في نهاية المطاف سيكون بيد الناخبين، إذ عليهم أن يقرروا ما إذا كان من مكنوا ترامب من الصعود يستحقون دعمهم في المضي قدماً. أما الجمهوريون فعليهم أن يقرروا ما إذا سيظل حزبهم محافظاً أكثر من كونه متطرفاً (وفي حال اختيار الأكثرية للخيار الثاني، عندها يتعين على المحافظين أن يقرروا إما الانسحاب أو تشكيل حزب جديد). إن الطريقة التي يمارس بها الديمقراطيون سيطرتهم الحالية على الفرع التنفيذي وعلى جناحي الكونغرس، سواء أكان من يحكمون من الوسط أو من اليسار- لابد وأن يكون له تأثير كبير.

إن تغيير الثقافة السياسية الأميركية يتطلب وجود أجندة متنوعة وطموحة، كما يتطلب مواجهة العناصر الخبيثة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تسعى لدفع الناس لمتابعة أصوات ومعلومات تتوافق مع آرائهم الشخصية. ويتطلب هذا الأمر أيضاً العودة للاستثمار في الثقافة المدنية، وذلك لأن الحمض النووي للديمقراطية لا ينتقل من جيل إلى جيل بشكل تلقائي. ويحتاج الأمر أيضاً إلى إعادة النظر بفكرة خدمة الشعب، فالولايات المتحدة دولة تضم العديد من الشعوب المنقسمة بسبب الجغرافية والعرق والخبرة والمعرفة، والميول السياسية. أي أن خدمة الشعب لا تعني فقط خدمة العلم، ولهذا يجب ألا تكون هذه الخدمة إلزامية. وإذا كانت الغاية من الفروقات الموجودة في أميركا ألا تؤدي إلى حل البلاد وخرابها، عندها ينبغي على المزيد من الشباب في أميركا أن يلتقوا ويتعاونوا سوية مع غيرهم من الطبقات الاجتماعية الأخرى، وكذلك مع من ينحدرون من الألوان والأعراق والأديان والخلفيات الأخرى.

وفي نهاية الأمر، لا يمكن فرض كثير من تلك التغييرات المهمة ولا إصدار قانون يشرعنها، إلا أن القضية المطروحة للبحث الآن هي الشخصية، إذ قد تعتبر الولايات المتحدة نفسها دولة قانون، إلا أنه بوسع القانون أن يفرض أو أن يحظر الكثير. وتعتبر القواعد والقوانين الدعامة الأساسية للديمقراطية، كونها تشجع أصحاب السلطة على القيام بما هو صحيح بدلاً من منعهم فقط من القيام بما هو مخالف للقانون. فدونالد ترامب انتهك بالتسلسل تلك القواعد والقوانين، ويجوز للكونغرس أن يتعرض لبعض من أقبح ممارساته عبر إدخال تغييرات على القانون، كما ويمكن للبيت الأبيض مع إدارة بايدن أن يتعاون مع الكونغرس في العدول عن بعض الامتيازات الرئاسية. إلا أن ما يهمنا في نهاية الأمر هو كيف ينبغي لقادة الدول والمواطنين أن يتصرفوا.

اليوم الذي سيشهد على العار

إن يوم السادس من كانون الثاني لهو يوم لابد وأن يشهد على العار، ونأمل أن يكون هذا اليوم بمثابة صدمة قد تفيد الجسم السياسي، إلا أن الأزمات لا تحرض على قيام التغيير المطلوب على الدوام، كما أن قيام إحدى الأزمات بالدفع نحو التغيير المطلوب لابد وأن يخضع لأولويات البلاد.

وهنا يمكننا أن نستفيد من التاريخ كثيراً، فقد كانت صدمة الركود الكبير هي من حرض على قيام اتفاقية جديدة، كما أن صدمة بيرل هاربر هي من أنهت العزلة الأميركية. وإذا دفعت أحداث السادس من كانون الثاني نحو إصلاح داخلي جامع قائم على محاسبة الذات، عندها يمكن للولايات المتحدة أن تبدأ عملية استعادة القوة الناعمة والخشنة التي تحتاج إليها لتدير حالة تنافس القوى العظمى ولتواجه التحديات العالمية. وكما هي الحال دوماً، لابد للسياسة الخارجية أن تبدأ من الداخل. ثم إن عالم ما بعد أمريكا لن تهيمن عليه الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لا يعني أنها ستصبح تابعة للصين أو أن الفوضى ستغدو سمتها الأساسية.

المصدر: فورين أفيرز