عندما أسقطت الفصائل المسلحة التي ترأستها هيئة تحرير الشام الدكتاتور السوري بشار الأسد في كانون الأول الماضي، اعتقد كثير من المراقبين بأن أيام روسيا في سوريا باتت معدودة، فلقد احتفظت موسكو على مدار عقود بعلاقات وطيدة مع آل الأسد، وقبل أقل من عام على اليوم، كانت روسيا تقصف المناطق الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام، ومع تولي قائد هيئة تحرير الشام أحمد الشرع لزمام الأمور في دمشق، حذرت مجلة الإيكونوميست من الوجود العسكري الروسي في سوريا ووصفته بأنه بات "معلقاً بخيط" رفيع، وهذا ما أقلق الروس، وبعد مدة قصيرة من سقوط الأسد، أخذت الصحف الروسية ترثي لخسارة حليف مهم في الشرق الأوسط، كما أعرب أصحاب المدونات العسكرية على الإنترنت عن خوفهم تجاه مستقبل القواعد والنقاط العسكرية الروسية في سوريا.
ولكن منذ ذلك الحين وروسيا تتحدى كل التوقعات، فقد احتفظت بأهم قواعدها على الساحل السوري، أي مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم الجوية، بل إنها عززت وجودها في شمال شرقي سوريا. فقد تحرك الدبلوماسيون الروس على جناح السرعة ليتعاملوا مع الحكام الجدد في دمشق، مستفيدين من نظرة السوريين لروسيا على أنها قوة عظمى، إلى جانب استغلال رغبة الشرع ببناء علاقات إيجابية مع كل حكومات الدول في الخارج. وبالمقابل، تبنى قادة سوريا الجدد نبرة بناءة تجاه موسكو، على أمل الحصول على الطاقة والحبوب الروسية وتصويت تلك الدولة الصديقة لصالح سوريا في الأمم المتحدة، فضلاً عن إمكانية الحصول على السلاح الروسي. إذ عبر التعامل مع روسيا، تسعى حكومة الشرع لكسر شوكة الموالين السابقين للأسد، إلى جانب تنبيه الدول الغربية إلى أنه بوسع سوريا البحث عن الدعم في مجال الطاقة والدفاع من مصدر آخر، ولعل الحكومة السورية تفكر أيضاً بالحد من العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تتوغل عبر حدودها وذلك من خلال تعاملها مع روسيا من جديد.
ترغب أطراف مهتمة أخرى بهذا الشأن أن تحتفظ روسيا بوجود متواضع لها في سوريا، إذ في الوقت الذي تتنافس قوى مختلفة على النفوذ، ظهرت روسيا كالسياج الذي يسعى كل الناس لتطويق أنفسهم بطوق نجاته، إذ ترى كل من إسرائيل وتركيا بأنه يمكن استغلال النفوذ الروسي لمنع الأطراف الأخرى من التحول إلى قوى ذات شوكة. في حين ترغب قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادات الكردية من روسيا أن تقف إلى جانبها في حال تخلت عنها الولايات المتحدة أو حاولت دمشق سحق آمالها في إقامة حكم ذاتي.
تسبب احتمال احتفاظ روسيا بموطئ قدم لها في سوريا بشيء من الانزعاج بين المسؤولين الأوروبيين، إذ خلال الربيع الماضي مثلاً، ناشد أعضاء من البرلمان الأوروبي الحكومة السورية الجديدة حتى تنهي الوجود العسكري الروسي في سوريا. ولكن، حتى لو تمكنت روسيا من الاحتفاظ بقواعدها، لن تكون ضمن العناصر الفاعلة الأساسية التي ترسم مصير سوريا، إذ بعد تورطها في أوكرانيا، لم تعد لديها الموارد المالية والعسكرية التي تساعدها على تحقيق ذلك، ولهذا لابد أن تبزها دول الخليج العربي وتركيا، والولايات المتحدة والدول الأوروبية في حال تعزيزها لمشاركتها مع الحكومة السورية المؤقتة. ولذلك يتعين على القادة الأميركيين والأوروبيين أن يقبلوا بوجود روسي متواضع في سوريا، وأن يتجنبوا فكرة تخيير الحكومة السورية الجديدة ما بين الحصول على مساعدتهم أو مساعدة روسيا. لذا، فإن أفضل سبيل أمام واشنطن وشركائها لمنع عودة المطامح الروسية يتمثل في توفير دعم متضافر يتسم بالصبر على الحكم في سوريا وعلى تعافيها الاقتصادي.
صديق عدوي؟
تعود العلاقات الروسية مع آل الأسد لأيام الحرب الباردة، عندما عزز حافظ، والد بشار الأسد، موقع سوريا في فلك الاتحاد السوفييتي وربطها به، وعندما قفز بشار الأسد على السلطة بالمظلة في عام 2000، لم يشعر بوجود علاقة قريبة خاصة مع روسيا، فطار إلى لندن وباريس قبل أن يزور موسكو، لكنه حافظ على علاقات سوريا الودية مع الكرملين. وبعد مرور عقد على ذلك، أي عند رده على الانتفاضة السلمية بالقمع العنيف الذي تصاعد فوصل إلى مرحلة الحرب، عملت روسيا على تحصين نظامه ضد عقوبات مجلس الأمن الدولي، ثم شنت في نهاية الأمر تدخلاً عسكرياً مباشراً على بلده بهدف دعمه.
حصلت روسيا عبر تدخلها في سوريا على نفوذ هائل وتحكم كبير بمسار الحرب في سوريا، إذ في عام 2017، نشرت روسيا شرطتها العسكرية في بعض مناطق خفض التصعيد ضمن المبادرة التي دعمتها كل من إيران وتركيا. وعبر احتفاظها بوجود عسكري في سوريا، ثم تفاوضها فيما بعد على صفقات إخلاء الثوار، راكمت روسيا خبرة مهمة في مجال عقد الصفقات مع الفصائل المسلحة على اختلاف أنواعها، كما هدأت التوترات المحلية وفرضت ترتيبات أمنية في مختلف أنحاء سوريا، وأقامت علاقات بوسعها الاستفادة منها اليوم. ولقد حصنت روسيا نفوذها العسكري في الخاصرة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي وذلك عبر توسيع وتحديث مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم. ولهذا صارت الدول الأخرى التي تدخلت في سوريا تحسب حساباً لروسيا على الدوام. ولذلك حافظت دول الخليج العربي التي دعمت فصائل مختلفة للثوار طوال فترة من الزمن، وكذلك إيران وحزب الله اللذان تعاونا مع روسيا على الأرض، وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، على قنوات لمنع الاشتباك مع الجيش الروسي.
ولكن مع الغزو الروسي لأوكرانيا، تشتت تركيز موسكو، بل إنها قنعت بما لديها في سوريا، فظن الكرملين بأن بوسعه إبقاء الوضع الراهن في سوريا على ما هو عليه عبر توظيف جهود محدودة ووجود عسكري أقل، ومع بدء الرد الإسرائيلي على هجوم حماس في 7 تشرين الأول من عام 2023، توسع الهجوم، فصعدت إسرائيل هجماتها على مواقع إيرانية في سوريا. ورداً على ذلك، كثفت روسيا دورياتها بالقرب من مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، كما كثفت موسكو قصفها لمحافظة إدلب التي كانت تخضع لسيطرة الثوار المناهضين للأسد، وذلك لمنعهم من التقدم. إلا أن كل تلك التحركات لم تفِ بالغرض، لا وبل جاءت بعد فوات الأوان، وذلك بعد أن شن الثوار هجومهم الخاطف في أواخر شهر تشرين الثاني من عام 2024، فوقفت القوات الروسية موقف المتفرج، ثم تخلت عن الأسد ما أدى لسقوطه.
لا وجود لعدو دائم
توقع كثير من المراقبين أن تؤدي الإطاحة بالأسد إلى إنهاء النفوذ الروسي في سوريا، إذ في غضون أيام، طالب الناطق باسم الحكومة المؤقتة الجديدة روسيا بإعادة النظر بوجودها في هذا البلد، إلا أن روسيا لم تضع أي وقت بل تقربت من حكام سوريا الجدد، وهكذا، وفي ليلة وضحاها، كفت القناة التلفزيونية الرسمية الروسية عن وصف هيئة تحرير الشام بالتنظيم الإرهابي، وفي هيئة الأمم المتحدة في مطلع شهر كانون الثاني لعام 2025، أثنى دبلوماسيون روس على الحكومة المؤقتة السورية وعلى كفاءتها، وفي أواخر الشهر نفسه، سافر وفد روسي إلى دمشق لإجراء مفاوضات متنوعة، شملت الوضع المستقبلي للقواعد الروسية والاستثمارات في حقول الغاز والموانئ، وطلبت الحكومة السورية من الوفد، بحسب ما أعلنته وكالة سانا الرسمية التابعة للدولة السورية بالتعويض عن الأضرار التي خلفها دعم روسيا للأسد كما طلبت الحكومة السورية من روسيا الإسهام في إعادة إعمار سوريا، ناهيك عن طلب قادة سوريا الجدد من الحكومة الروسية تسليم الأسد الذي فر إلى موسكو هارباً (ولكن من غير المرجح أن يفعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك، حتى بعد أن أصدرت السلطات السورية اليوم مذكرة اعتقال بحق الأسد، وذلك لأنه يريد أن يحافظ على سمعته كحام لشركائه المستبدين).
سعت روسيا وبشكل حثيث للاحفاظ بقدرتها على الوصول إلى قواعدها العسكرية، فبمرور السنين، تحول مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم إلى محورين مهمين للوجستيات بالنسبة للعمليات الروسية في أفريقيا. ومباشرة عقب سقوط الأسد، نقلت روسيا أصولها البحرية خارج مرفأ طرطوس وعززت طيرانها العسكري، كما عسكر جنودها في قواعدها الموجودة في منطقة أخرى من سوريا، أي في حميميم. وفي شهر شباط، ألمح وزير الدفاع السوري الجديد إلى أنه سيسمح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها طالما بقي وجودها يخدم المصالح السورية، وقال: "في السياسة لا وجود لعدو دائم".
وعند التفاوض بشأن القواعد الروسية، ذكّرت روسيا سوريا بالدعم الذي بوسعها أن تقدمه لها، إذ خلال فترة الربيع، شحنت روسيا النفط والديزل والقمح إلى سوريا، وبحسب ما أوردته رويترز، فإن شركة غوزناك الروسية التي تخضع لعقوبات بريطانية وأوروبية وأميركية والتي كانت تطبع العملة السورية منذ أمد بعيد، أعلنت عن إصدارها لأوراق نقدية جديدة خاصة بسوريا. ومن خلال التصويت في مجلس الأمن الدولي، بوسع روسيا أن تسهم في رفع التصنيف الإرهابي عن الشرع والمقربين منه والذي وضعته الأمم المتحدة عليهم، ويشمل المنع من السفر مع تجميد الأصول، وبما أن الجيش السوري الجديد مدرب على نظم سوفييتية وروسية، لذا قد يطمح بالحصول على أسلحة روسية مستقبلاً، وذلك لأن معظم إمكاناته العسكرية قد تراجعت بسبب الغارات الإسرائيلية التي استهدفت سوريا طوال السنة الماضية.
يكره السواد الأعظم من السوريين والسوريات روسيا بسبب قنابلها التي لا تعد ولا تحصى التي أسقطتها فوق المدن السورية دعماً للأسد، إلا أن الشعب السوري لا ينظر لروسيا كما ينظر لإيران، أي بوصفها دولة طائفية هدفها تغيير النسيج الاجتماعي للبلد، بل ينظرون إليها بوصفها قوة عظمى براغماتية عاتية لا تثق بالآخر ولها تاريخ طويل في الشرق الأوسط، وعليه فإن هذه الأفكار بالإضافة لكون ماهر الشرع شقيق الرئيس المؤقت تربطه علاقة مصاهرة بروسيا، تفسر سبب عدم إخراج السوريين لروسيا من بلدهم بشكل كامل.
منذ البداية، ألمح حكام سوريا الجدد إلى احتمال إقامة علاقة جديدة مع الدولة التي وصفوها بأنها: "ثاني أكبر دولة عظمى في العالم"، ففي تموز الماضي، زار روسيا وفد ضم عشرين مسؤولاً سورياً كان بينهم وزير الخارجية والدفاع، ورئيس المخابرات، وماهر الشرع الذي يشغل منصب الأمين العام للرئاسة، فاتفق البلدان على إعادة تنشيط اللجنة السورية-الروسية المشتركة وذلك لإعادة تقييم الاتفاقيات التي وقّعت أيام الأسد، ولمناقشة سبل التعاون الاقتصادي بين البلدين، وأخذت وكالة سانا تبشر بأن تلك الزيارة ستكون فاتحة لعهد جديد من العلاقات بين سوريا وروسيا.
نوايا مشكوك بأمرها
أمام حكام سوريا الجدد الكثير ليفعلوه فيما يتصل بمساعيهم لنشر الاستقرار على الصعيد الداخلي الذي يعاني من انقسامات حادة، إذ في آذار الماضي، قتل مقاتلون سنة أكثر من ألف شخص معظمهم من الطائفة العلوية في منطقة الساحل السوري، وفي تموز، لقي مئات الأشخاص حتفهم في اشتباكات وقعت بين مقاتلي البدو والدروز في جنوب غربي سوريا. ولقد احتلت إسرائيل المنطقة العازلة المجاورة لمرتفعات الجولان التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، وصارت تضرب بشكل متكرر المواقع الموجودة في العمق السوري، حتى بعد دخول البلدين في مرحلة التفاوض على توقيع اتفاق أمني.
وفي هذا السياق، أصبح تعامل دمشق مع موسكو يخدم أهدافاً أخرى عديدة، فهو يوجه رسالة للولايات المتحدة وللدول الأوروبية مفادها بأن سوريا يُطرق بابها وليست هي من يطرق الأبواب. كما قد تحرر الدبلوماسية السورية فلول الموالين للأسد الموجودين داخل البلد من الفكرة التي اقتنعوا بها وهي أنهم بوسعهم تحريض الكرملين والشرع ضد بعضهما. كما قد يطمح حكام سوريا الجدد لأن يستغل بوتين علاقته الطيبة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحد من العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل في الأراضي السورية. ومع سعي حكام سوريا الجدد لتحقيق سياسة "صفر مشاكل" مع القوى الأجنبية، يبدو بأنهم يرون بأنه من المفيد إبقاء الأمور ودية مع الكرملين.
لدى إسرائيل أسبابها التي تجعلها راغبة باحتفاظ روسيا بوجود عسكري متواضع في سوريا، فإسرائيل ترى في الشرع شخصية إسلامية متطرفة ذات نوايا مشكوك بأمرها، كما تخشى من تعاظم الدور التركي في سوريا وفي المنطقة ككل، بعد أن اتهمت إسرائيل تركيا بمعاداة السامية ونشر الإسلام السياسي. في حين ترغب تركيا بحكومة مركزية راسخة في سوريا وذلك لسحق أي مطمح للكرد السوريين بتحقيق حكم ذاتي، في حين تفضل إسرائيل سوريا لامركزية، وقد لا تكون تلك المسألة مبدئية لدى إسرائيل، ولكن نظراً لأنها لا تثق بحكام سوريا الحاليين، لذا فإنها تعتقد بأنه من الأسهل لها التعامل مع سوريا حال تقسيمها. ويبدو بأن قادة إسرائيل يعتقدون بأن الوجود الروسي يمكن أن يبقي البلد مقسماً إلى مناطق نفوذ.
تبحث تركيا عن مصلحة في الوجود الروسي بسوريا للأسباب نفسها تقريباً، فقد راقبت أنقرة بعين القلق الغارات الإسرائيلية الوقحة والتوغلات السعودية في سوريا، بعد أن مولت الرياض في الماضي قوات سوريا الديمقراطية. ولذلك تأمل تركيا أن تلتفت لروسيا حتى تبقي إسرائيل بعيدة عن المشهد، وحتى تدعم مسألة رفع التصنيف الإرهابي الذي فرضه مجلس الأمن على الشرع، إلى جانب مد روسيا للجيش السوري الضعيف بالعتاد، ودعم موقف أنقرة المعادي للكرد السوريين، وهنالك أساس واقعي لكل تلك الآمال، إذ عندما كان الأسد في السلطة، وافقت روسيا على العمليات العسكرية التركية ضد قسد وصارت تسير مع أنقرة دوريات في أجزاء من الشمال السوري.
ولكن لعل الطرف الذي يعول على روسيا بشكل كبير هو قسد الضعيفة التي أضحت تحت خطر خسارة حكمها الذاتي مع سعي الشرع لترسيخ سلطته. فخلال الشهور القليلة الماضية، زادت قسد من تعاملها مع روسيا بهدف تسجيل نقطة على تركيا وعلى حكومة دمشق، وحتى تحظى بحليف آخر في حال أوفت الولايات المتحدة بتعهدها القاضي بتقليص عدد جنودها أو حتى إنهاء وجودها العسكري في شمال شرقي سوريا. بيد أن روسيا سبقت الجميع بالتحرك، إذ خلال فترة الربيع والصيف، نشرت موسكو نظم الدفاع الجوي ووحدات الحرب الإلكترونية التي تسمح لروسيا بالتشويش على إشارات الراديو، وذلك في قاعدة مطار القامشلي (الواقعة في منطقة ذات غالبية كردية)، كما وسعت المنطقة المخصصة لإيواء جنودها، وحصنت محيط القاعدة. وعلى الرغم من تعاون روسيا مع تركيا، فإنها طالبت في السابق بحماية حقوق الكرد، وعرضت الوساطة بين قيادات الكرد والحكومة المركزية في سوريا. لذا، فإن كلاً من إسرائيل وتركيا وقسد تسعى لاستغلال الوجود الروسي من أجل تحقيق أهداف متعارضة، وفي ظل المناورات الروسية الذكية التي حدثت في السابق، فإن كل طرف من تلك الأطراف لديه سبب ما لأن يطمح بأن تنتهي الأمور بموسكو إلى دعم طموحاته الخاصة.
تراجعت ولم تخرج من سوريا
بالنسبة للمستقبل المنظور، فإن سوريا ستبقى مقسمة وضعيفة، بما أن القوى الخارجية تتنافس للسيطرة على دمشق وعلى مناطق النفوذ غير الرسمية في البلد. وفي ظل هذا المشهد السائل، ستكون روسيا أحد العناصر الفاعلة الكثيرة في سوريا، لكنها لن تكون أهم قوة فاعلة فيها. ومع استعداد الشرع للقيام بأول زيارة له إلى روسيا، والتي من المزمع أن تتم في شهر تشرين الأول، يبدو بأن موسكو تجنبت الطرد من سوريا، ولكن والأهم من كل هذا هو أن سوريا اليوم بحاجة لدعم اقتصادي ولاستثمارات مالية، ولرفع كل ما بقي من عقوبات دولية مفروضة عليها، ولتحقيق تلك الأهداف، لابد أن يكون المفتاح بيد دول الخليج العربي وتركيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية لا بيد روسيا، إذ حتى قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، لم يكن أمام روسيا سوى هامش ضيق لتركز على الانتعاش الاقتصادي في سوريا وإعادة إعمارها، ومع اضمحلال مواردها اليوم وتبديدها في أوكرانيا، أضحى ذلك المجال أضيق بكثير.
في حال تمكنت روسيا من الاحتفاظ بقواعدها مع إثبات فائدتها لقوى مختلفة تتنافس على رسم مستقبل سوريا، فإن ذلك سيظل يعتبر إنجازاً كبيراً لها، إلا أن النفوذ الروسي في سوريا وفي المنطقة لن يكون كما كان قبل سقوط الأسد، ولكن قد تحتفظ روسيا بوجود عسكري بوسعها أن تبني عليه مستقبلاً، كما بوسعها من خلاله أن تواصل دعم عملياتها في بقية أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، وخاصة بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، ففيلق أفريقيا، وهو تنظيم شبه عسكري روسي، يعمل حالياً على ترسيخ وجوده في غربي أفريقيا، بما أن الكرملين يعتبر تلك المنطقة مهمة، كما أن احتفاظ روسيا بالنقاط اللوجسيتية الخاصة بها في سوريا يمكن أن يساعدها على التوسع هناك مستقبلاً.
إلا أنه لا يحق للدول الغربية معاقبة قادة سوريا الجدد بسبب تعاملهم مع روسيا في سياق سياستهم الخارجية التي تتسم بالبراغماتية وتعدد المحاور والتوجهات، إذ بعيد سقوط الأسد، ذكر وزير خارجية هولندا كاسبار فيلدكامب بأنه يتعين على الاتحاد الأوروبي التفكير برفع العقوبات عن سوريا فقط في حال طردها لروسيا، وقال: "نريد للروس أن يخرجوا"، لكن ليست لدى الشرع أية نية بإعادة ربط البلد بفلك روسيا، ولهذا نراه يحافظ على توازن دقيق بين روسيا وخصومها، إذ في شهر أيلول الماضي، أعادت سوريا علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا، لذا، من غير المرجح أن تستخدم القواعد الروسية كصلة وصل بالنسبة لإيران في سعيها للعودة إلى سوريا، لأن الجيش الإسرائيلي بوسعه إحباط هذه المحاولة من أساسها.
في حين تواجه السلطات السورية تحديات هائلة، تجد من الحكمة عدم معاداة روسيا، لذا، وبدلاً من الخوف من مناورات موسكو أو فرض شرط الابتعاد عن روسيا مقابل الدعم المقدم لسوريا، يجب على القادة الأميركيين والأوروبيين التركيز على مساعدة الشعب السوري في التعافي بعد عقد من الحرب ونصف قرن من الاستبداد، وخير سبيل لضمان عدم سماح سوريا لروسيا باستغلال أراضيها مستقبلاً يتمثل بإقامة علاقات طيبة مع دمشق اليوم.
المصدر: The Foreign Affairs