فورن بوليسي: الشرق الأوسط من وجهة نظر بايدن في حال أصبح رئيساً

تاريخ النشر: 12.09.2020 | 08:12 دمشق

فورن بوليسي - ترجمة وتحرير ربى خادم الجامع

قالت مجلة فورن بوليسي في مقال بعنوان (بايدن يخطط للتغيير وليس لزرع الأمل بالنسبة للشرق الأوسط)، إنه لا بد للشرق الأوسط من أن يتحول إلى منطقة أخرى مختلفة تماماً، ولابد أن يكف مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة عن تملق المستبدين في هذه المنطقة، لكنه لن يقدم الكثير من التشجيع لليبراليين.

يمثل الشرق الأوسط تلك المنطقة التي أوشكت فيها مثل وقيم السياسة الخارجية الأميركية في الحقبة التي تلت الحرب الباردة على أن تموت، وهذه المثل تشمل: نشر الديمقراطية وبناء الشعب والدولة، ومكافحة التمرد، والتدخل الإنساني وحل الدولتين. ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر، وفي خطابه الثاني لتولي زمام الأمور في عام 2006، ذكر الرئيس جورج دبليو بوش بأن "بقاء الحرية" في الداخل يعتمد على ازدهار الحرية في الشرق الأوسط، حيث تسبب "الحنق والاستبداد" بظهور الإرهاب على مستوى العالم. أما اليوم، فتبدو هذه الفكرة ضرباً من الوهم والخيال، إذ لم يختف الإرهاب، لكنه لم يعد يمثل ذلك الخطر الذي مثله منذ خمس سنوات فقط، ولم تعد الولايات المتحدة بحاجة للاعتماد على المستبدين في تلك المنطقة لضمان توريد النفط أو لتنفيس غضب الشارع تجاه إسرائيل كما كان يحدث حتى فترة قريبة.

ما يعني أن الشرق الأوسط لم يعد مهماً بالنسبة للولايات المتحدة كما كان في السابق، نقلاً عما ورد في مقالة صدرت عام 2019 لتمارا كوفمان ويتيز، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخارجية الأميركية أيام رئاسة باراك أوباما، وكذلك نقلاً عما قالته ماريا كارلين وهي مسؤولة سابقة في البنتاغون خلال الفترة ذاتها، إذ خلصت هاتان المسؤولتان إلى أن الوقت قد حان: "لوضع حد لتلك الأفكار المبنية على الأماني" حول قدرة واشنطن في التأثير على الآليات الداخلية أو الحسابات الخارجية للفاعلين الإقليميين.

وتلك هي مهمة أو رسالة الشرق الأوسط التي سيرثها المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن في حال نجح بالانتخابات التي ستعقد في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، عندها سيكون موقفه أفضل بكثير من موقف أوباما حتى يتبع ما اقترحته كل من ويتيز وكارلين وذلك في الابتعاد عن الهوس الذي انتقل من جيل إلى جيل بتلك المنطقة العصية عن الحل، فقد تورط أوباما في تلك المنطقة بسبب الحرب الدائرة في ليبيا وسوريا، وكذلك بسبب تأسيس ما يعرف بدولة الخلافة في سوريا والعراق على يد تنظيم الدولة. لذا من المرجح أن ينتهز بايدن هذه الفرصة، ولكن ليس بتلك الدرجة التي قد ترضي الواقعيين والتقدميين الذين يفضلون أن يشاهدوا الولايات المتحدة وهي تقوم بتصفية وجودهما العسكري في تلك المنطقة.

ثم إن بايدن بحكم جبلته يبدو محصناً من الأفكار المتعالية كما كان سلفه الرئيس جورج هـ. دبليو بوش، وبالنسبة للقضية الأهم التي كانت ستحدد السياسة الخارجية لأوباما في نهاية الأمر، وهي استخدام القوة في الشرق الأوسط، يمكن القول بإن بايدن الذي كان نائب الرئيس حينها قد لعب معها دوراً تحذيرياً وأحياناً مناهضاً لتلك الفكرة. إذ خلال المناظرات حامية الوطيس التي عقدت في صيف عام 2009 حول السياسة تجاه أفغانستان، وكما ذكرت في بداية هذه المقالة، فإن بايدن وقف في وجه الجنرالات عندما دافعوا عن استراتيجية مكافحة التمرد التي تبنوها بدافع طموحهم، كونه لم ير فيها استراتيجية ناجحة، بل رأى بأن نهج مكافحة الإرهاب أدعى لتحقيق مصالح الأمن القومي الأميركي.

كما عارض بايدن أيضاً التدخل في ليبيا في عام 2011، إذ يقول دانييل بينيم الذي كان مستشار بايدن في شؤون الشرق الأوسط ومن يكتب خطاباته حول السياسة الخارجية خلال الفترة الثانية له كنائب للرئيس بأن بايدن: "شكك حينها ببعض الأفكار العظيمة التي تتصل بتحويل وتغيير المنطقة، ويشمل ذلك قدرتنا على توجيه دفة القيادة فيما يتصل بنتائج الثورات العربية". وعقب الاتفاق النووي مع إيران، ذكر أحد مساعديه السابقين بأنه: "كان هنالك ميل نحو المثالية" فيما يتصل بدفع إيران نحو اتخاذ موقف أقل عدائية تجاه الغرب (لا يجوز لهذا المستشار أن يتم تسجيل ما يقوله بسبب مشاركته في حملة بايدن)، غير أنه ذكر بأن بايدن: "لم يعلق كبير أمل على ذلك". وفي حال عودة الربيع العربي للحياة في ظل إدارة بايدن عندها سيحصل قادة مصلحون وليبراليون بكل تأكيد على دعم أكبر مما حصلوا عليه طيلة السنوات الأربع لحكم الرئيس دونالد ترامب، غير أن بايدن سيتعامل معهم بحذر أكبر مما فعل سلفه أوباما، أو مما قد يفعله بيرني ساندرز أو إليزابيث وارن في حال وصول أحدهما لسدة الرئاسة.

بالمختصر يمكن القول إن بايدن شغل الجناح الواقعي لإدارة أوباما بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط، وقد يدعي ترامب أنه هو من كان موجوداً في ذلك الجناح أيضاً، ولكن إذا اعتمد رجل واقعي على مصالح قائمة على أهداف بدلاً من اعتماده على قيم زائلة، عندها ستصبح فكرة المتاجرة التافهة الخالية من أي قيمة في هذه المنطقة فارغة من أي مضمون، فقد حقر ترامب من شأن نفسه عندما تعامل مع مستبدين متوحشين بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان حتى بعد تدخلهم وعبثهم بالحرب الأهلية القائمة في كل من ليبيا واليمن بطريقة كان من الواضح أنها تضر بالمصالح الأميركية. لذلك لم يتوان بايدن عن انتقاد ذلك السلوك سواء في الداخل أو الخارج، حيث قال: "سأنهي الدعم الأميركي للحرب الكارثية التي تقودها السعودية في اليمن، وسأصدر أمراً بإعادة تقييم علاقتنا مع المملكة العربية السعودية"، محذراً من أن الأمر بيد السعودية فيما يتصل: "بتغيير نهجها".

والمبدأ ذاته ينطبق على دولة الإمارات العربية المتحدة، التي رغم انسحابها من حرب اليمن، أخذت تتقارب بهدوء مع إيران، وبالطبع وافقت على فتح العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. إلا أن بايدن سيستحدث توازناً جديداً على مسافة أبعد. فقد ذكر أحد معاونيه السابقين أنه يتوقع من بايدن أن: "يقاوم الضغوطات التي يمارسها تقدميون لمعاقبتهم"، كما سيواصل التعامل مع الأنظمة القمعية حتى في الوقت الذي سعى فيه لمنعها من تصعيد النزاعات المحلية.

وهنا يمكن القول بأن الشرق الأوسط لا بد أن يصبح أقل أهمية في حال أصبح بايدن رئيساً، ولكن إلى أي مدى ستهبط أهميته؟

حول هذه النقطة يتوقع أحد المستشارين الرفيعين الذي طلب عدم الكشف عن اسمه ليتحدث بأريحية حول الحملة، بأن يتحول الشرق الأوسط إلى "رابع أولوية" ضمن سلم الأولويات، بعد أوروبا، ومنطقة المحيط الهندي والهادي، وأميركا اللاتينية. إلا أن بايدن تربطه صلات عميقة بالمنطقة، لذا من غير المحتمل أن يدير ظهره لقادة الدول الذين سبق وأن تعامل معهم عن كثب طيلة سنوات عديدة عندما يصبح رئيساً. ففي عام 2009 كلفه أوباما بالعمل كشرطي مرور بالنسبة للسياسة العراقية، وذلك عبر منع زعماء الطوائف في ذلك البلد من تمزيق بعضهم البعض إرباً وتمزيق البلد معهم. وقد تقلد بايدن ذلك المنصب بحماسة، حيث أخذ يسافر إلى المنطقة على نحو متكرر ومنتظم كما أمضى مئات الساعات وهو يناقشهم على الهاتف. في ذلك الحين كان رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي يقوم بقمع السنة ويدفع بالبلاد نحو الارتماء في أحضان إيران، ولذلك بدا إيمان بايدن وتعويله على الهذر والمناقشات التي لا تنتهي أجوف، واليوم بعدما ظل العراق موحداً، وأصبح العلماني مصطفى الكاظمي رئيساً للوزراء، لم يبد أن إيمان بايدن بالدبلوماسية كان ضرباً من العبث.

إذ بالنسبة للتقدميين والواقعيين يمثل العراق أبلغ مثال على مستنقع يتعين على الولايات المتحدة أن تخرج نفسها منه، ولهذا يرى بايدن بحسب ما أخبرنا أحد مساعديه السابقين بأن العراق: "أمامه فرصة لمنع عودة الجهاديين وللتبشير بشرق أوسط أقل استقطاباً وأكثر تعددية، إن صلحت الأحوال". كما سيقوم بايدن بتحصين العلاقات الأميركية بواسطة دول معتدلة مثل الأردن الذي داسته الأقدام عندما هرع ترامب ليتحالف مع ممالك مشايخ الخليج الأثرياء، وعلى رأسهم السعودية والإمارات.

معظم الخبراء في شؤون الشرق الأوسط يدرجون عملية إحباط الإرهابيين وضمان تدفق النفط على مستوى العالم، واحتواء إيران ضمن الأهداف الرئيسية المتبقية للمصالح الأميركية في هذه المنطقة. وذلك لأن الاتفاق النووي مع إيران كان أحد أهم إنجازات إدارة أوباما في الشرق الأوسط، وقيام ترامب بإبطالها من طرف واحد لم يفشل فقط في كبح جماح روح المغامرة لدى إيران، بل دفع طهران أيضاً لإعادة تفعيل برنامجها النووي. وقد صرح بايدن أنه في حال وافقت إيران على العودة لشروط الاتفاقية، فإنه سيفعل ذلك أيضاً "ليكون ذلك نقطة بداية للعمل مع حلفائنا في أوروبا وغيرها من القوى في العالم وذلك لتمديد القيود المفروضة على الاتفاقية النووية"، إلا أن ذلك ليس بالأمر السهل، إذ صرحت إيران عن عدم رغبتها بالعودة إلى الوضع السابق، ناهيك عن أنها لن توافق على تمديد الشروط الحالية دون تقديم تنازلات كبيرة لها. لذا لم يتضح نوع العرض الذي سيكون بايدن مستعداً لتقديمه، هذا إن قدمه أصلاً.

لقد ارتبط مصير ترامب بإسرائيل بعدما رسمه هو من طرفه وبعقليته لوحده تماماً كما فعل مع السعودية، إلا أن بايدن أوضح أنه سيسحب هذا الشيك الذي وقع على بياض. ففي خطاب له ألقاه مطلع هذا العام أمام لوبي AIPAC الموالي لإسرائيل، أعلن بايدن أن خطط الضم التي تقدم بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية -والتي علقت الآن- "ستبعد إسرائيل عن قيمها الديمقراطية، وستقوض التأييد الموجه لإسرائيل في الولايات المتحدة، لاسيما بين صفوف الشباب من كلا الحزبين السياسيين".

وبالرغم مما قاله، إلا أن بايدن لديه تاريخ طويل من الدعم القوي لإسرائيل، ويشمل ذلك ما قام به عندما كان نائباً للرئيس، لذا فإنه لن يهدد إسرائيل بتخفيض الدعم العسكري مثلاً لمنعها من التوسع الاستيطاني، بل إن بايدن ظل متمسكاً بحل الدولتين، غير أن هذا الهدف الذي سعى له كثيرون طيلة ردح طويل من الزمان قد تراجع لينحصر في أفق بعيد للغاية. غير أن بايدن قد يصبح أول رئيس أميركي يكرس القليل من الجهد أو لا يبذل أي جهد يذكر من أجل ذلك الأمل الذي يلوح دون أن يختفي، أي إنه سيكرس نفسه عوضاً عن ذلك لتحسين ظروف الفلسطينيين وتخفيف التوتر مع إسرائيل.

ولعل أفضل طريقة للتفكير بطموحات بايدن تتمثل بأن نقول إنه سوف يسعى لتطبيع العلاقات الأميركية مع الشرق الأوسط، إذ لن يطلب الكثير كما فعل أوباما، لكنه في الوقت ذاته لن يتحمل الكثير كما فعل ترامب. أي من غير المرجح لهذا الرجل أن يرفع سقف توقعاتنا ولا أن يهوي بها إلى أسفل سافلين، إذ لن يقوم بسحب كل القوات الأميركية من العراق أو من سوريا أو من شبكة القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، لكنه سيكون بغاية الحذر عندما سيقوم بنشرها في خضم أي حرب أهلية. وإذا حالفه الحظ فلا بد أن يحقق حلم من سبقوه وهو ألا يولي هذه المنطقة اهتماماً أكثر مما تستحق.