icon
التغطية الحية

فن عثماني يعرض في مصر.. دمج ثقافي وتطوير فني بيد فنانة سورية

2024.07.01 | 16:29 دمشق

ديكوباج
الفنانة السورية بسمة الخليل تشارك بلوحة القفطان في ملتقى عيون الدولي بدار الأوبرا بمصر
تلفزيون سوريا ـ سامر القطريب
+A
حجم الخط
-A

يمكن للفن أن يقدم المعرفة، كما يمكنه أن ينقل حقائق حول العالم أو التجربة الإنسانية التي لا يمكن التعبير عنها بوسائل أخرى. وعندما يحمل الفن قيمة، سواء كمصدر للمتعة والجمال، أو وسيلة للتعبير عن الذات، أو للنقد الاجتماعي، يكون الفنان قد أضاف إنتاجا معرفيا من خلال القطعة الفنية، فكيف إذا كانت هذه القطعة تدمج بين عدة ثقافات؟

يرتبط الفن بالجمال إلى مالا نهاية، هذا ما تقوله لوحة "القفطان" للفنانة السورية بسمة حميد الخليل، التي عرضت في دار الأوبرا المصرية وأثارت تفاعلا وأسئلة حول طريقة وتقنية إنجاز اللوحة، حيث جمعت القطعة الفنية بين فني الديكوباج والفيلوغرافيا الفن العثماني الذي ينتقل اليوم إلى مصر بيد سورية.

وحول أهداف هذا الدمج الفني والثقافي تقول "الخليل" لـ موقع تلفزيون سوريا "اهتمامي بالديكوباج وبالفنون بشكل عام دفعني للتعرف إلى فن الفيلوغرافيا، طبعا الديكوباج هو فن شامل يجمع بين كل الفنون بما يخص الأشغال اليدوية، وكما قلت الديكوباج فن شامل من خلاله يمكن استخدام أدوات وعناصر مختلفة.. يمكن أن نجمع أكثر من خامتين مع بعضهما مثل الخشب مع القماش والأخشاب مع السيراميك والجبصين هو فن مرن.. أما الفيلوغرافيا فهو فن معروف بمعظم دول العالم لكن؛ كل دولة لها نمط معين باستخدامه.. ما شدني لهذا الفن العثماني خلال وجودي في تركيا هو استخدامهم للخام المخملي والقماش كخلفية للوحات والمسمار والخيوط وغالبية التصاميم مستوحاة من الحضارة الإسلامية.. مثل الآيات القرآنية والأحرف العربية وهذا ما دفعني للدمج بين الديكوباج والفيلوغرافيا، من خلال استخدام خلفية للوحات التي أعمل عليها في الفيلوغرافيا.. طبعا الفيلوغرافيا يحتاج لصبر ومجهود عضلي.. أما فكرة التصميم والمنتج النهائي الذي يشبه التطريز على القماش فقد حاولت استخدام تصاميم الأزياء وتطبيقها على الفيلوغرافيا وهذا يحتاج مجهودا عضليا وذهنيا ووقتا طويلا لإنجاز القطعة".

القفطان
الشكل التقليدي للقفطان مضاف عليه التعتيق في الإطار وهو من فن الديكوباج

تطوير لفن الفيلوغرافيا

أضافت وطورت الفنانة السورية تقنية العمل في فن الفيلوغرافيا من خلال الدمج مع الديكوباج، وتوضح قائلة بخصوص الدمج الفني "استخدمت الديكوباج لعمل خلفيات للوحات الفيلوغرافيا في بعض اللوحات استخدمت تقنيات التعيق مثل لوحة القفطان الأزرق والتأثير لتحويل الخشب إلى قطعة شبيهة بالفضة المعتقة وفي لوحات أخرى استخدمت تقنيات التلوين لتخدم الفكرة في اللوحة.. كذلك تقنية المزج بين أكثر من درجة لونية وأخرى استخدمت فيها الستانلستيل كبرواز نهائي وهي من الأشياء التي أدخلتها على فن الفيلوغرافيا كتطوير إضافي عن الشيء المعروف والسائد في تركيا، وفي أخرى استخدمت ورق الرز وتقنيات الدمج اللوني بالعموم".

وتشير الخليل إلى أن هدفها من تعلم الفيلوغرافيا في البداية كان تطوير فن الديكوباج لتنقله من شكله التقليدي، فكانت النتيجة تطوير الديكوباج وكسر النمط التقليدي للفيلوغرفيا المحصور بخلفيات محددة وأشكال معينة، فكان المزج بينهما كسرا للقواعد التقليدية في الفنين.

القفطان
          الدمج الفني وتطوير الفيلوغرافيا في لوحة القفطان خلال معرض دار الأوبرا المصرية

وكانت اللوحة التي عرضت في دار الأوبرا المصرية عبارة عن الزي الجزائري المعروف بالقفطان، وفي تركيا أخذوا التصميم المعتاد التقليدي (مثل القفطان الأزرق) ولكن الزي الجزائري المصصم أخيرا على يد الخليل بهذا التصميم الخشبي يعد أول تصميم ودمج من الإضافات الجديدة، وتؤكد لموقع تلفزيون سوريا "كل التصاميم في تركيا وهي أرض فن الفليوغرافيا.. معظمها تركز على الفيلوغرافيا من دون الاهتمام بالتقنيات الأخرى من خلال البرواز والخلفية، لقد عملت على جميع العناصر الفنية، وكل كان عملا يدويا مئة في المئة، أما في تركيا فمازالوا يعتمدون على الشكل التقليدي".

نقل الفن من تركيا إلى مصر

بعد سنوات من العيش بين تركيا ومصر، استطاعت الخليل أن تكون السورية والعربية الوحيدة التي تعمل بهذا الفن في مصر، وعن ذلك تقول "هم يعرفون الفيلوغرافيا بمفهومه التقليدي أي بالمسمار والخيط والأسلاك.. والخيوط المستخدمة قد تكون قطنية وشبيهة بما يسمى بالخوص في سوريا.. لكنني كنت الوحيدة التي عملت بالفيلوغرافيا من خلال استخدام المسمار والأسلاك المعدنية في مصر وهي خطوة جديدة.. وبهذا أنقل الفن من تركيا إلى مصر وأضيف عليه".

وتوضح أن "الفن قادر على تجاوز الحدود وقد عملت على هذه الفكرة على خلاف ما حدث تاريخيا حيث تم نقل الحرف والصناعة إلى تركيا خلال الحقبة العثمانية.. أنا اليوم أقوم بحركة عكسية أنقل الفن العثماني إلى مصر وربما لاحقا لدول عربية أخرى، وكان المعلمون الأتراك قد سألوني مرارا هل حقا ستعلمين الفيلوغرافيا في مصر؟ لذلك صممت على نقل هذا الفن عبر الحدود ليكون بيد سورية عربية ويعرض في مصر بما لها من ثقل ثقافي وتاريخي".

الفيلوغرافيا والديكوباج.. دمج فني وثقافي

لتكون القطعية الفنية غنية يجب أن تحمل رسائل وأن يتم دمج أكثر من ثقافة فيها، وتضيف الفنانة السورية "اللوحة الفنية جسم متكامل يجب أن يحكي أكثر من فكرة مثل الدمج بين الأفكار وبين التصاميم، وبين تكنيك العمل من أكثر من دولة لذلك لاقى العمل استحسانا بالمعرض عبر عنه الزوار والنقاد، وأيضا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. وكان السؤال الذي أرادوا معرفة الإجابة عنه ما هوية اللوحة؟ والإجابة هي أن اللوحة سورية مصرية تركية استخدمت فيها خبرتي ودمجت بين عدة ثقافات عشت فيها، لقد ساعدني تنقلي بين الدول ليكون للقطعة روحا خاصة ولمسة معروفة، لقد عززت هذا التفرد من خلال الأفكار التي طرحتها في كل لوحة".

القفطان و"رمزية المرأة القوية"

لم تختر الفنانة السورية تصميما يرمز للقوة وللجمال فقط، بل كان محل خلاف شائك بين الجزائر والمغرب، حيث احتدم الجدل خلال الأشهر الماضية بين البلدين حول أصل القفطان، وما إذا كان مغربي الأصل أم جزائرياً، ما أشعل سجالات بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي من ناشطين ومؤثرين وفنانين وإعلاميين من كلا الطرفين حول أصل القفطان.

ففي حين يرى الجزائر أن القفطان موروثهم، وأن أصوله عثمانية، يؤكد المغرب أنه زي تقليدي مغربي متوارث.

ويعود تاريخ القفطان التقليدي إلى ما يزيد على 200 سنة، وتعود جذوره إلى القرن الثاني عشر ميلادي، في عهد الدولة الموحدية وفق مصادر تاريخية.

وحول سبب اختيار القفطان ليكون لوحة الدمج تقول الخليل "اخترت القفطان لأنني من محبي الأزياء وخاصة الأزياء الشعبية أردت تحويل القفطان من سلعة معروضة بالمحال التجارية إلى قطعة فنية.. لأسباب كثيرة أولا على المستوى الشخصي لأنني أحب القفطان ورمزيته للمرأة العربية والسر في التطريز الذي يعطي المرأة نوعا من الفخامة والرقي.. زي قوي بالخيوط الذهبية يعزز من قوة المرأة ومن شخصيتها".

وتضيف "شاركت بملتقى عيون الدولي في دار الأوبرا وكانت اللوحة مقتبسة من التراث الجزائري التقليدي، وتم عرض اللوحة في دولة مصر العربية وبهذا أكون قد جمعت عدة ثقافات في لوحة فنية واحدة وكانت اللوحة مطعمة بالكريستال وخيوط نحاسية وبقطع نحاسية مطلية بالذهب، وقد حاولت أن يكون عملا متكاملا.. القطعة لاقت استحسان الشخصيات التي افتتحت المعرض والزوار والفنانين التشكليين والمتابعين على السوشيال ميديا.. كانت فكرة جديدة".

وتم افتتاح المعرض بحضور: أ.د./ محمد عبدالغني مدير متحف محمود مختار، الفنان التشكيلي مصطفى السكري، أ.د حنان سمير استاذ الجرافيك بكلية الفنون التطبيقية جامعة أكتوبر، الفنان القدير/ محمود عبدالموجود، المهندس عبد الرحمن لاشين، الفنان محمود الببلاوي، الفنان القدير أحمد حسين، الإعلامية والمخرجة هالة ثابت، الإعلامي  أ/ يحيى اللقاني، أ.د/ نبيلة الخواص، د./ رؤوفة مكرم  "رئيس مجلس أمناء مؤسسة الهنا للتنمية. 

تجربة شخصية

"الفن هو وسيلة لإبراز وتجسيد الفكرة الجمالية" تقول الفنانة السورية بسمة الخليل وتشير إلى أن القفطان كان "صورة جمالية في ذهني ومن هنا انطلقت.. خلال أوقات العمل كنت أنجز كل جزء على حدا حتى آخر مسمار وكانت النتيجة بالنسبة لي أجمل مما تخيلت لقد طوعت الفن لإنجاز الخيال".

وتستطرد "سبب آخر لاختياري القفطان لأنه من الأزياء غالية الثمن وهو زي متكامل فنيا وكل قفطان أنجزته شعرت بأنني ارتديته لذا أعتبر أن شغفي بارتدائه واقتنائه قد تحقق".

و"خلال فترة الإنجاز كنت مصممة وكنت خياطة تقص الأقمشة وتختار التصميم وكنت منفذة أتعامل مع الخيط والمسمار كأنني أعمل بالحياكة وبالتطريز وكنت ببعض الأحيان نجارا أستخدم قوة يدي لضبط المقاسات.. لم أكن فنانة فقط تخرج لوحة بالطرق المعتادة لقد استخدمت أكثر من مهارة وحرفة جمعتها لتنفيذه خلال مدة ليست بقصيرة.. هناك حالة ارتباط روحي تجمعني مع القطعة وكأنني أحضر شيئا لألبسه في زمن ما.. وعندما أعرض اللوحة للبيع وتباع أشعر بأني فقدت شيئا من يومياتي ومن روحي.. لذا أقول للمشتري أنت تتبنى طفلا من أطفالي" وتختم بالقول "شغفي بإنجاز قطع جديدة يمنعني من تكرارها.. التكرار عبء والأفكار الفنية لا تنتهي".