فن المنفى..عن رواية (العائلة التي ابتلعت رجالها) وفيلم (مجدلينا)

تاريخ النشر: 19.02.2021 | 19:44 دمشق

علاء رشيدي

هل من سمات لفنون المنفى؟

بين المرحلة والأخرى من التجربة السورية تتكشف سمات وموضوعات جديدة في الإنتاج الفني السوري. وربما تكون المرحلة الحالية في هذا الإنتاج الفني منذ العام 2011 وحتى الآن، هي مرحلة فن المنفى، التي بدأ النقد الفني والأدبي يتلمس بروز سماته في الإنتاج الفني والأدبي السورية.

السمات التي تتشكل مع التجارب المتتالية للروائية (ديمة ونوس) هي قدرة التعبير عن الأفكار، المشاعر، والتجارب الجمعية التي يمر بها المجتمع السوري انطلاقاً من الذاتي.

في روايتها (الخائفون) سادت الانفعالات والمشاعر النفسية من القلق، الهواجس إلى الجنون. وفي روايتها الحالية تحضر الأفكار والمشاعر المتعلقة بحالات الهجرة، الرحيل، الذاكرة، الحنين والمكان، التي يمكن اعتبارها موضوعات تتعلق بأدب المنفى. وهي الموضوعات نفسها التي سنعاينها في عمل فني سوري آخر وهو الفيلم السينمائي (مجدلينا) للمخرجة (سالي قسطون).

الأماكن المركبة بين الذاكرة والهنا:

أما في فيلم (مجدلينا) فنحن أمام شخصية نسائية واحدة تنقسم إلى ثلاث ذوات، كذلك العالم الذي ترصده رواية (العائلة التي ابتلعت رجالها) هو عالم نسائي كما يبين العنوان، غاب عنه الرجل أو غيّب قسراً. فتتعدد الأسباب والأحداث التي أدت إلى فقدان العائلة رجالها بين الرحيل والحرب، الاعتقال بسبب النضال السياسي، والمرض فالموت. لتتشكل حكايات نساء من عائلة واحدة تمتد إلى عدة أجيال من المجتمع السوري وصولاً إلى الهجرة للعيش في أوروبا، ولذلك فإن الرواية تضم طيفاً كبيراً من المناطق، والمدن، والبلدان من حارات العفيف والقيمرية ودمشق القديمة، إلى أحياء في حلب وإدلب، فأماكن ومناطق متعددة من بيروت، ثم عمان وصولاً إلى أوروبا بين باريس ولندن.

ومن المقطع الافتتاحي الأول للرواية تحضر الأحلام في علاقتها مع الماضي أو المستقبل، تحضر موضوعة الانتظار المرهونة له حياة السوريين، تقول الرواية: "انتظر، لم يعد ثمة ما أنتظره، إلا أني اعتدت حالة الانتظار تلك. بت أنتظر ما لا أعرفه. ربما أنتظر اليوم الذي أتوقف فيه عن الانتظار".

وتتزاحم أحلام الأجيال في رواية الحكاية: "توقفت عن رواية أحلامي منذ زمن. لم يعد ثمة متسع لها مع أحلام أمي". وفي فيلم (مجدلينا) تحضر أيضاً موضوعة تزاحم الأجيال لكن في الأنا الواحدة، فمجدالينا الطفلة والمراهقة تجتمع في مكان وزمان واحد مع ماجدالينا المرأة المشرفة على الموت.

في كل من الفيلم والرواية تمارس الشخصية الرئيسية مهنة التمثيل، فالأم في الرواية هي ممثلة هجرت المسرح بعد زواجها وتحولها إلى الأمومة: "استبدلت شغف التمثيل على المسرح، بشغف تمثيل أحلامها والقصص الشيقة التي ترويها لنا. صار البيت مسرحاً يومياً لا تتوقف الحركة فيه إلا في ساعات الليل. قررت أن أكون الجمهور". أما في الفيلم، فإن مجدلينا تبدأ كموظفة الملابس في أحد المطاعم، لكنها تنتقل إلى شغفها بالتمثيل والمسرح، لتعيش أزمة تداخل بين ذاتها الممثلة وذات الشخصيات التي تؤديها، وتعيش أزمة الصراع بين العاطفة والشغف المهني، حيث يُفرض عليها المفاضلة بين الحب والمهنة، فتختار العزلة.

استمرارية الأنا بين المراحل المتقطعة:

في الفيلم تحضر مجدلينا بذواتها الثلاثة الطفلة، والمرأة، والذات المشرفة على الموت

في الفيلم تحضر مجدلينا بذواتها الثلاثة الطفلة، والمرأة، والذات المشرفة على الموت، ويفتتح الفيلم بمونولوج ذاتي: "أنا وأنا وأنا، نماذج متبادلة"، ثم توجه الأسئلة لذواتها: "كيف أصبحت أنا؟ هل نتشابه؟ من أنت؟ جئت من هنا. أنا وأنا وأنا". من خلال الرواية والفيلم ندرك أن المرتحل، المهاجر، يشعر بازدواجية وأكثر في الأنا، بين أنا الماضي، وأنا اللحظة. وبذلك توظف المخرجة التقنيات السينماتوغرافية والسردية ليتابع المتلقي بالتوازي، طفولة وماضي وحاضر مجدلينا في الآن عينه. ففي مشهد نراها مراهقة تعمل في مطعم، وفي المشهد التالي نتابع أدوارها على المسرح وهي تلقي المونولوجات. في كلا المشهدين، تحضر الذوات الثلاثة لمجدلينا.

كيف تُروى الحكاية؟

تحضر في رواية (العائلة التي ابتلعت رجالها) الأسئلة التي تتعلق بكيفيات رواية الحكاية أو سرد التجربة الحياتية: "لم تعرف أمي من أين تبدأ الحكاية، هي التي أمضت ثلاثين عاماً من حياتها على منصة المسرح وخلف عدسات الكاميرات. فمن أين نبدأ رواية تاريخ الروح؟ وهل للتاريخ لحظة بداية؟ وهل لدينا ما يستحق التدوين؟"، لذلك تلجأ الابنة إلى شراء الكاميرا ونصبها في المنزل لتوثق الحكايات التي ترويها الأم التي تشعر بأن الناس الذين ساعدوها في حمل حكايات الماضي حتى الآن رحلوا، وبقيت هي لروايتها أمام كاميرا الابنة.

تتداخل في الفيلم اللقطات الواقعية باللقطات الحلمية، تتداخل لقطات الواقعي بالتهيؤات الذاتية، وكذلك الأمر في الرواية حيث تعيش الأم في استمرارية من الأحلام، تداخل ما بينها وبين الواقع، فلم تعد أحلام الأم مجرد أحلام: "المسافة بين الحلم والواقع تضيق كل صباح. صرنا نعيش على واقع أحلامها، وأنا صرت أخاف أن تختفي المسافة الضرورية تلك إلى الأبد. أن تختلط علي الأمور بين الحلم والواقع، وأن أضيع معها في تلك الذاكرة الثالثة التي تعيش معنا".

الرحيل القسري أو الضياع القسري:

إن هذا التشظي للأنا في الفيلم، أو التماهي العميق للشخصيات النسائية في الرواية يرتبطان بتجربة المنفى القسري. فالرحيل بين مكان وآخر هو سمة تجمع كلا العملين الفنيين، تقول الراوية: "أمي إنها ضائعة، تختلط الأمور عليها. لم يعد ثمة تسلسل زمني للأحداث في ذاكرتها. التسلسل الوحيد الراسخ في ذاكرتنا هو الرحيل. يصبح وجود جسدنا في أحد المقاهي الغريبة عنا، انتماءً بشكل أو بآخر. ومع كل رحيل، ينضم إلينا فرد جديد من العائلة كلها، يعيش بيننا وهو حكايته. ويستمر الوداع يستمر الوداع إلى لحظة رحيل الأحياء منا".

 

مع تجربة الرحيل إذاً، تبدأ تجربة التشظي في المكان، وفي الزمان، لذلك تحضر ماجدالينا بالأنا الماضية والحاضرة والمستقبلية في الآن عينه، أمام العدسة وفي الحدث السينمائي. وأما شخصية الأم في الرواية فتخترع الزمن الماضي ليستوطن روحها الحالية ويتسرب إلى مسام وجهها في الآن: "أمي يكفيها سؤال واحد حتى تسافر في الزمن بسلاسة ومرزنة. أختفي أنا، ويختفي المقهى بزبائنه الكثر، إنها لم تعد تراني، ينجلي المكان، وعيناها تدوران في الفراغ". وتصطحب الشخصيات معها في الرواية في ارتحالها المستمر بين سورية لبنان وأوروبا أشياء صغيرة جداً، تجعل المكان الذي تنام فيه بيتاً، وكأنها أمضت فيه عمراً كاملاً، هي زوادة الرحيل من الأنا المستمر الباحثة عن الاستقرار.

الذاكرة المرتحلة بين الحاضر والمستقبل:

وعبر الارتحال في الأماكن والأزمنة تتشظى الذاكرة، وتظهر سؤالاً في التجربة الفنية، كما هو الحال في الرواية فالأم تتوه بين الذاكرة والحاضر، مهجوسة بذاكرتها وتخشى من النسيان: "لا تمتلك أمي سوى تلك الذاكرة المتوقدة تتكئ عليها. لأنها ترفض الحاضر وتكرهه، اختارت أن تعيش في ذلك الماضي، وسط الذكريات والقصص التي انقضت وقضى أصحابها". أيضاً تبرز الذاكرة موضوعة عند مجدلينا التي تظهر ذاكرتها بمشاهدها السينماتوغرافية إلى جانب الأحداث المعاصرة، أو تلك التي ستجري في المستقبل، وهي ما تتوقف تتساءل عن ماضيها، عن أمها، عن بيت الطفولة، وعن إمكانية العودة بالزمن وباختيار المكان إلى الوراء. كذلك، شخصية الخالة (ماريان) في الرواية: "الخالة لا تترك للذاكرة كل الحيز المتاح، تتوقف عن التذكر عند عتبة البكاء، تترك ذاكرتها تسهو إلى اللحظة التي تسبق البكاء".

الحنين إلى الهناءة الغابرة:

من المنطقي أن تترافق مع الموضوعات المذكورة في العملين الفنيين، موضوعة الحنين. يحضر الحنين إلى الزمن الماضي كموضوعة في العملين. في أكثر من مونولوج تعبر ماجدالينا عن رغبتها بالعودة إلى الخلف بالحنين، وهي تقول في مونولوج شخصيتها المسرحية التي تؤديها على الخشبة: "أيتها الشمس التي..".

كأن النور هو العلاقة الأليفة مع المكان، وتجربة البرد هي تجربة الرحيل في العتمات، العتمات مرتبطة بالغوص في المستقبل المأساوي

كأن النور هو العلاقة الأليفة مع المكان، وتجربة البرد هي تجربة الرحيل في العتمات، العتمات مرتبطة بالغوص في المستقبل المأساوي. تتحدث الرواية عن الواقع السياسي المأساوي في سوريا، هناك الحنين إلى زمن سياسي أيضاً، تجسده الرواية بحكاية الجد الذي كان صديقاً لخالد العظم، ورائحة ذلك الزمان التي تبدلت مع تسلم البعثيين للسلطة. وكذلك في الفيلم حين تتساءل الذات الأولى لمجدلينا: "كيف وصلنا إلى هنا؟"، تجيب الذات الثانية: "إنها الحرب. شعب بكامله انقلبت حياته". بينما في (العائلة التي ابتلعت أبناءها) تصرح الراوية بأنها تعيش الفقدان كل يوم، تفتقد تلك الأرض الواهية والطرية التي كانت تمشي فوقها، وتقول: "أعيش كل لحظة الإحساس بعدم الانتماء والحنين إلى بلاط بيت أملكه، في شارع أليف". كما في الرواية، يحضر في ماجدالينا الحنين إلى بيت الطفولة، لكن شخصية الأم في الرواية هي التي ينهشها الحنين غير القابل للتفسير: "أمي تشتاق ما لا يمكن استعادته. يحدوها الوهم بأنها لو عادت إلى دمشق لارتوى حنينها إلى ذلك الضجيج، ولا سبيل لإقناعها بعكس ذلك. أعتقد أنها تحتاج إلى حالة الشوق والحنين تلك أكثر من حاجتها لما تشتاق إليه، ولمن تحن إليه".

الرحيل إلى حدود الموت:

الموت موضوعة وجودية، وهي تبرز في الفن باستمرار، لكن يجب التوقف عندها عندما تترافق مع فنون المنفى، ذلك أن القلق من الموت جزء من هواجس الوعي والتفكير بالزمن والحكاية، فتكتمل في ماجدالينا حكاية الشخصية بالرحيل إلى الموت، فتقول في مونولوجها الأخير بأن أسئلة الأنا، الزمن، الذاكرة والتجربة أصبحت ضاغطة عليها، وما عليها إلا الرحيل. ولا تموت الأم مع نهاية رواية العائلة لكنها تفكر بالموت، تفكر كل ليلة بالانتحار: "كل ليلة بفكر انتحر. بس بخاف تتلبكي فيي وما تعرفي كيف بدك تدفنيني ووين". تكثر الأم الهاجس بالموت، وكما يتداخل في وعيها الحلم والواقع، فإن تداخلاً أعمق ينتابها مع تطور فصول الرواية، وهو التداخل بين الموت والحياة: "أمي، في حديثها عن الحياة، كانت تتحدث عن الموت في الواقع. الموت هو الذي يستغرق لحظة واحدة فقط وليس الحياة. أمي تعيش في الموت، بصحبة من ماتوا. تاهت بين المحطتين، ولم تعد تميز الحياة عن الموت".

من خلال المقارنة بين هذين العملين الفنيين الرواية والفيلم، يمكن لنا أن نتلمس ملامح فن المنفى مع موضوعات مثل: الذات المتشظية بين الماضي والحاضر، العلاقة مع المكان، مع الهجرة القسرية والترحال والانتقال، العلاقة مع المنفى والاندماج، القلق حيال المستقبل، والحنين. هي ملامح فن سترسم ملامحه ربما مستقبل الإنتاج الفني السوري.

 

 

 

مقالات مقترحة
منظمة الصحة: أقل من 10 بالمئة من البشر لديهم أجسام مضادة لكورونا
بسبب كورونا.. ملك الأردن يقبل استقالة وزيري الداخلية والعدل
من جرعة واحدة.. أميركا تصرح باستخدام لقاح "جونسون آند جونسون"