فنجان قهوة مع بهجت سليمان (1)

تاريخ النشر: 04.03.2021 | 23:57 دمشق

لا جديد بخصوص اللواء بهجت سليمان سوى أمرين، الأول أنه مات، والثاني أنه مات بـ وباء كورونا، فعلى ما يبدو أن أمَّاً حلبية وقع واحدٌ من فلذات كبدها بين براثنه، و(من حريقة قلبها على ولدها) أطلقت عليه الدعاء الشهير: وَبَا يقشُّه قَشّ.

تتمة الخبر: هذا، وقد مات هذا القاتل، السفاح، المرعب، على سريره، بين أهله وخلانه، معززاً مكرماً.

إذا كنت، عزيزي القارئ، ممن يعتقدون أن أميركا - ومعها المجتمع الدولي - هي التي أوصلتنا نحن السوريين إلى حالة يبقى فيها القتلةُ على رؤوس أعمالهم، ويموتون على أسرَّتهم كما تموت الأباعر، فما عليك إلا أن تسب أميركا والمجتمع الدولي، وإذا كنت تضع ثلاثة أرباع الحق على أوباما، وتريد أن تترحم على أيام "أبو إيفانكا" - الأحمر الشجاع - فلا بأس أن تفرغ جام غضبك على أوباما ووريثه بايدن اللذين لم يساعدا الشعب السوري في التخلص من طاقم المجرمين القتلة، والوصول إلى نظام ديمقراطي حقيقي يحقق لهم التداول السلمي للسلطة، وبناء مجتمع متحضر.

ولكن، عفواً؛ دعني أسألك سؤالاً جانبياً: هل أنت، بالفعل، تريد أن تكون سوريا دولة ديمقراطية متحضرة؟.. (لا ضرورة لأن تجيب عن هذا السؤال الآن، فهذا ليس موضوعنا).

موضوعنا هو القاتل المرعب بهجت سليمان. أنا، محسوبكم، لم يصل بي سوء الحظ، خلال السنوات الستين التي قضيتها في سوريا، إلى حد أن يستدعيني بهجت سليمان لأقابله على جناح السرعة، مثلما حصل مع صديقي الصحفي شعبان عبود الذي قيل له:

- ولك شو عامل حتى اللواء بهجت معصب منك كل هالقد؟ يا الله اركض لعنده مثل البرق!

لم أستدع لزيارته المشؤومة، وهذا دليل صارخ على كمية الخوف التي كانت تعشش في داخلي، فجعلتني أتسلح بالحكمة (يعني بالجبن)، وأصوب سلوكي إلى حد أن لا يظهر من كراهيتي لنظام الأسد سوى كمية صغيرة، وهذه الكمية الصغيرة جعلت استدعاءاتي الأمنية تقتصر على النطاق المحلي، أي: ضمن مدينة إدلب "الخضراء"..

قبل سنة 2001، كان حظي من الزيارات الأمنية قليلاً، كنت أستدعى في أوقات متباعدة إلى فرع الأمن السياسي القريب من حي المساكن الشعبية الجنوبية الذي كنت أقيم فيه، وهناك يستقبلني نقيب أصلُه من شرقي سوريا، طويل القامة، شعرُه أسود فاحم، طويل، ينتهي بغرة سائبة تنزل على عينه اليسرى باطراد، وكان يضطر عندما يتكلم لأن يرفع الغرة بيده، ويقول لي:

- منعرف كل شي عنك، أنت شيوعي من جماعة بكداش، مراسل جريدة "صوت الشعب" في إدلب!

أقول له: عفواً، لا يكون قصدك أني من جماعة يوسف فيصل، لأن هدول إلي بيناتهم أصدقاء، ومخصصين لي زاوية أسبوعية في صحيفتهم "النور".

فيزجرني ويقول لي: لا تحاول تضللنا. أنت شيوعي بكداشي. خلص.

فأقول له: طيب، بكداشي بكداشي.

تعرفت، حتى سنة 2010، إلى معظم المحققين، ورؤساء الفروع الأمنية في إدلب، عدا الأمن الجوي، ولا أعرف لذلك سبباً

بعد ارتفاع منسوب شجاعتي وإقدامي على توقيع بيان المجتمع المدني سنة 2001، صارت الاستدعاءات الأمنية لـ أبو موزة، ولكنها بقيت في نطاق إدلب، وتعرفت، حتى سنة 2010، إلى معظم المحققين، ورؤساء الفروع الأمنية في إدلب، عدا الأمن الجوي، ولا أعرف لذلك سبباً. وذات مرة، نفضني أمينُ سر فرع اتحاد الكتاب العرب في إدلب بتقرير أكبر من الحصيرة الإداعشاوية، فاستدعاني رئيس أحد الفروع، رتبته عميد، وبعد أن ضيفني فنجان قهوة، وحقق معي بقليل من الحقارة، وبعد أن أغلق التقرير الذي أمامه، ابتسم وقال لي بجدية تامة:

- أستاذ خطيب، برأيك كيف ممكن نغيّر صورة الأمن لدى المواطنين؟!!!

على سيرة فنجان القهوة الذي شربتُه (أو كما يقول الكتاب من أنصار مصطفى لطفي المنفلوطي: احتسيتُه) في مكتب ذلك العميد، أقول إن أجمل عبارة قرأتها بمناسبة موت بهجت سليمان على فراشه (كالبعير)، كانت للأديب عمر قدور، وهي أن بهجت: أكثر ضابط مخابرات شَرِبَ قهوة مع معارضين سوريين.

بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريا، عرف السوريون المنكوبون نوعين من الذهاب إلى المعتقل، الأول يحصل خلال الهوشات المسعورة التي يفلتُ فيها الأسدُ كلابَه في الشوارع - على حد تعبير الشيخ إمام - لينتزعوا عدداً لا يستهان به من الرجال من أحضان عائلاتهم، والثاني يحصل في الأحوال العادية، ويكون بزيارة اثنين من عناصر الأمن شخصاً في بيته ودعوته لشرب (أو احتساء) فنجان قهوة في الفرع، وهذا أمر مخيف بالطبع، ولكنه أقل سوءاً من الاعتقال بطريقة الشَحط.

اتخذت الدعوة لشرب فنجان من القهوة لدى فروع الأمن السورية أشكالاً مختلفة. النوع الأول؛ يمكن تسميته بـ "فنجان القهوة المجازي"، إذ بمجرد ما يدخل الشخص المعزوم على فنجان قهوة إلى مبنى الفرع يصبح غير قادر أن يحدد الجهة التي يأتيه منها الضرب، واللكز، والصفع، والرفس، وأذناه لا تتوقفان عن تلقي "التحاشيك" على محارمه، دواليك حتى يصل إلى القبو، حيث يذوق مر العذاب، ثم تنهمر عليه الأسئلة العويصة التي تقفز فوق الزمان والمكان من مثل: أين خبأتَ السلاح؟ وما اسم الجماعة السرية التي شكلتَها بقصد قلب نظام الحكم؟ وهذا الرجل المسكين لا يعرف شيئاً عن الأسلحة والجماعات السرية، ينام، في المحصلة، عدداً كبيراً من السنوات، ثم يخرج محطماً، وتبقى في نفسه حسرة بسبب حرمانه من شرب القهوة طيلة هاتيك السنين!

النوع الثاني يمارس على الشخصيات ذات الحضور الاجتماعي المميز، من قبيل (كاتب، رسام، ممثل، رياضي، موظف في مركز حساس)، وهذا النوع يشرب القهوة بالفعل، ويتباسط معه الضابط المحقق، سواء أكان الضابط ذا غرة نازلة على عينيه، أو دون غرة، ويمازحه، ويوصل إليه الرسالة المطلوب إيصالها، وملخصها أننا، نحن مخابرات بيت الأسد موجودون، هنا على صدوركم باقون كالجدار، وشايفينك، فإياك أن تلعب بذيلك معنا.. (يستخدمون عبارة تلعب بذيلك، لأن لكل مواطن سوري في نظرهم ذيل حتى يثبت العكس)!

وينتهي التباسط بين الضابط والمشتبه به (الفريسة) بعرض فكرة أن يكون الطرفان صديقين، يعني، بالعربي الفصيح، أن يشتغل المشتبه به مخبراً عند الضابط، يشرب معه فنجاناً من القهوة على نحو دوري، أو كلما أراد أن يشي بأحد من أبناء حارته، أو أبناء مهنته..

وأما فنجان القهوة الثالث، وهو الأشد غرابة، فهو أن يضرب بعض الأدباء والفنانين والصحفيين صحبة لا تستطيع الكلابُ الجارحة تقطيعَها مع ضابط كبير من طراز بهجت سليمان، ليس لأنه ضابط أمن (لا يذهبنْ تفكيرُكم بعيداً)، وإنما لأنه أديب وكاتب ودكتور ومثقف وفنان وصحفي وفهمان (مثلكم وزيادة)، وأنتم، في هذه الحالة، تجلسون معه، وتتناقشون في سبينيوزا، وكافكا، وطه حسين، ودينو بوزاتي، ولا بأس أن تصغوا إليه، أثناء احتساء القهوة، وهو يتحدث عن عظماء القرن العشرين الذين يأتي في مقدمتهم بشار الأسد وحافظ الأسد وحسن زميرة.