فلسطينيّو سوريا احتمالات البقاء

فلسطينيّو سوريا احتمالات البقاء

الصورة
11 آذار 2019

مهند شحادة

صحفي وكاتب فلسطيني سوري

دفع اللاجئون الفلسطينيون في سوريا أثمانًا فادحة نتيجة انحياز قطاعات واسعة منهم لثورة الشعب السوري وما تحولت إليه من صراع إقليمي/ دولي معقد الأمر الذي جعل من احتمالات إنهاء وجودهم على الجغرافيا السورية ممكنة، وهي المسألة الأكثر قلقًا وتسيطر على الحيز الأكبر من النقاش في أوساط الفلسطينيين السوريين في محاولة البحث عن الإجابة على أسئلة عديدة تتعلق بقضايا جوهرية ترتبط بشكل أو بآخر بمقاربات "قديمة جديدة" تتمحور حول حقيقة أنهم عنوان لأحد أعدل القضايا في العصر الحديث، إلى جانب واقعية ارتباط التمسك والدفاع عن تلك القضية بوجود المخيم لاسيما في ضوء المعطيات الراهنة.

قلِق الفلسطينيون السوريون على وجودهم، وبقاؤهم يستند في جانب كبير منه إلى معطيات تاريخية نشأت منذ سبعينات القرن الماضي أكدت بأن اللاجئين الفلسطينيين الأكثر عرضة للتصفية في مسار الصفقات المتعلقة بحاضر ومستقبل الشرق الأوسط، وأثبتت أن قضيتهم وعلى مدار أكثر من 70 عاماً كانت وماتزال مجرد استثمار سياسي لمجموعة من النظم العربية استخدمتهم كورقة للعرض والطلب في سياق المساومات الرامية للحفاظ على عروشها وضخ ما يكفي من أسباب الحياة في عقود توظيفها المتفق عليها مع القوى الكبرى، ومن جهة أخرى تتوافر الآن الكثير من المبررات الموضوعية والأدلة الملموسة التي تجعل من هذا القلق منطقيًا للغاية لاسيما في حال إضافة التخلي الكامل من منظمة التحرير وحتى الفصائل المعارضة لها (حماس/ الجهاد الإسلامي) عن فلسطينيي سوريا وسباقهم المحموم لتوفير أفضل العلاقات مع الأسد وطهران.

أثبتت أن قضيتهم وعلى مدار أكثر من 70 عاماً كانت وماتزال مجرد استثمار سياسي لمجموعة من النظم العربية استخدمتهم كورقة للعرض والطلب في سياق المساومات الرامية للحفاظ على عروشها

بلغة الأرقام تشير إحصاءات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى أن عدد الفلسطينيين الموجودين على الأراضي السورية بلغ حتى نهاية العام 2011 خمسمئة وعشرة آلاف شخص موزعين على ثلاثة عشر مخيمًا ويتركز القسم الأكبر منهم في دمشق ومحيطها، الآن تُبين العديد من التقديرات أن ما تبقى من هذا العدد يضاهي النصف فقط بفعل القصف والتدمير الممنهج الذي مارسه نظام الأسد وحلفاؤه ضد المخيمات الفلسطينية لاسيما مخيم اليرموك أكبر تجمع للفلسطينيين في سوريا إذ كان يقطنه حتى العام 2012 ما لا يقل عن 150 ألف فلسطيني.

من جانبها تؤكد مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا في تقاريرها أن عدد الضحايا الموثقين من الفلسطينيين السوريين بلغ 3920 قتيلًا جلهم قضى قصفًا أو قنصًا بأسلحة قوات النظام السوري والميليشيات المساندة لها، إلى جانب ما يقارب 200 ضحية نتيجة الجوع ونقص الرعاية الطبية بفعل حصار الأخيرة لمخيم اليرموك جنوب العاصمة دمشق لأكثر من خمس سنوات، ووفق المجموعة نفسها بلغ عدد المعتقلين والمفقودين داخل سجون الأجهزة الأمنية نحو 2050 شخصًا، إلا أن تقديرات منظمات حقوقية أخرى تشير إلى أن أعداد المعتقلين الفلسطينيين لدى النظام السوري تجاوز 12000 معتقل قضى منهم أكثر من 500 شخصًا تحت التعذيب.

تداعيات الواقع الحالي كارثية على الفلسطينيين السوريين وتحمل في طياتها تهديدات حقيقية على مستقبل وجودهم في سوريا فالدمار الذي طال معظم المخيمات والتجمعات الفلسطينية يتراوح بين 70 إلى 90 بالمئة وإعادة إعمارها يحتاج إلى ميزانيات ضخمة غير متوفرة لاسيما مع الضائقة الكبيرة لوكالة الغوث بفعل توقف التمويل الأميركي وعدم استجابة الدول العربية النفطية لسد العجز، إضافة إلى التصريحات الصادرة عن مسؤولي نظام الأسد حول المخططات العمرانية الجديدة التي ستمر عبر المخيمات وهو ما ينهي أي آمال ببقاء المخيم كعنوان سياسي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ويعطي الكثير من المبررات الموضوعية لوجهات نظر اعتبرت ما حصل جزءا من دور وظيفي للنظام السوري مقابل إعادة تعويمه.

تداعيات الواقع الحالي كارثية على الفلسطينيين السوريين وتحمل في طياتها تهديدات حقيقية على مستقبل وجودهم في سوريا

المخاوف على بقاء اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بدأت باكرًا ولذلك استمات الناشطون الفلسطينيون داخل المخيمات لدفع منظمة التحرير الفلسطينية وغيرها ممن يدعي تمثيل الشعب الفلسطيني للتحرك على الصعيد الدولي أو على الأقل تحمل تلك العناوين لمسؤولياتها الأخلاقية وتبني مأساتهم، حيث كانوا يدركون أنهم الحالة الأكثر هشاشة ضمن مفردات المشهد المعقد للصراع الدائر في البلاد والذي أعاد استدعاء شريط طويل من الذكريات المأساوية للاجئين الفلسطينيين بشكل عام يبتدئ بمذابح عامي 1970/1971 على يد النظام الأردني، مرورًا بتدمير ومسح مخيم تل الزعتر عام 1976 ومجمل ما آلت إليه الأحداث في لبنان حتى مطلع تسعينات القرن الماضي من تهشيم الوجود الفلسطيني بإشراف وتنفيذ مباشر من نظام الأسد الأب و"إسرائيل"، وغيرها الكثير مما حصل في الكويت والعراق وليبيا.

اليوم يصطدم الفلسطينيون في سوريا وجهًا لوجه مع الحصاد المر، محاصرين بحقيقة سقوطهم –عمدًا أو قسرًا- من حسابات الأطر القيادية الفلسطينية التي دأبت على مدار السنوات الثماني الماضية تعيد اجترار معضلتها "الفكرية/ الوجودية" حول ما هي المصلحة السورية وأين تبدأ المصلحة الفلسطينية كترجمة لوهم الحياد في تعبير فج عن مقاربة مقيتة لا تصح ضمن مسار اللحظة الثورية السورية بما أعادت طرحه من أن وحدة المصائر والفجائع وحتى الأحلام الوطنية ليست مجرد شعارات مستهلكة ومنتهية الصلاحية، وأكدت في ذات الوقت أن من ارتكز على تلك المقاربات ما يزال عالقًا في أوهام الماضي وعاجزاً عن استيعاب المتغيرات الكبيرة والاستجابة لمتطلباتها.

الضغط والتضييق على من تبقى من الفلسطينيين في البلاد بهدف دفعهم للرحيل وهو ربما ما دفع أحد مسؤولي وكالة الغوث للتصريح مؤخرًا بأن "الفلسطينيين في سوريا هم إحدى أكثر الجماعات عرضةً للمخاطر".

يصعب إلى حد كبير الإجابة على سؤال ما هو مستقبل فلسطينيي سوريا؟ وكأن البحث عن هذه الإجابة يقترب من عملية اقتحام حقل ألغام بكل ما يمكن أن يحمله من تشوهات وعطب على صعيد الذاكرة والوجدان، سابقًا –خلال سنوات الثورة السورية الأولى- كانت العديد من وجهات النظر تعتبر بأن لا خوف على مصير الفلسطينيين السوريين لأنه مرتبط بمآلات الثورة وطبيعة الحكم الجديد إلا أن هذا الطرح بات يفتقر إلى الكثير من الواقعية بفعل تضارب المصالح بين الأطراف الفاعلة واحتمالات استدامة الصراع، إلى جانب محاولة نظام الأسد استثمار "انتصاراته المزعومة" بدعم حليفه الروسي وتكثيف الضغط والتضييق على من تبقى من الفلسطينيين في البلاد بهدف دفعهم للرحيل وهو ربما ما دفع أحد مسؤولي وكالة الغوث للتصريح مؤخرًا بأن "الفلسطينيين في سوريا هم إحدى أكثر الجماعات عرضةً للمخاطر".

رسم خلاصات مبينة على الأمل فيما يخص حاضر ومستقبل فلسطينيي سوريا تبدو أشبه بعملية لبيع الأوهام وأقرب إلى ليّ عنق الحقائق في سياق الواقع الراهن، خاصةً مع افتقاد "القيادات الفلسطينية" للجرأة في الدفاع عن وجودهم، وعدم امتلاكها الشجاعة للمصارحة بأن اللاجئين الفلسطينيين ما عادوا مدرجين ضمن أي ملف من ملفات التفاوض، إلى جانب التغيرات الكبيرة التي حدثت في سوريا بفعل جرائم التهجير القسري والتغيير الديمغرافي، بالتالي ربما تجسد محاولة البدء العملي بالتفكير بمرحلة ما بعد المخيم –كعنوان وفكرة- على صعوبتها أولى الخطوات لإعادة تعريف الذات وتحديد الأولويات والانطلاق نحو البحث عن إجابات جديدة لأسئلة النكبة الأم والنكبة الحالية "من نحن وماذا نريد؟".

شارك برأيك