فقهاء الظلام: تطبيقات سياسية في فهم شخصية الكردي

تاريخ النشر: 10.07.2021 | 06:07 دمشق

نويتُ الكتابة عن "فكهاء" الظلام في الإعلام، وفقهاء الظلام في الأدب، وهي نيّة تحتاج إلى شجاعة، وقد أفعل وقد أجبُن، ثم وجدتُ أن أعرّف القارئ بالرواية التي كتبت قبل أزيد من ثلاثة عقود. فكلما رأيت إعلاميًا أو أديبًا كرديًا، نظرت في معجم "فقهاء الظلام" ووجدت صفته فيها وبيانه. يمكن أن أبرهن في مقال مستقل أن سليم بركات يشبه بعض شخصياته، ولم ينجُ من لوثة الأشباح المضيئة وفقه الظلام وعلمه وبيانه ولعلّي أفعل.

يقدّم سليم بركات شخصيات روايته للقارئ قبل الشروع في قراءتها أسوة بتقليد شهير في كتابة المسرحيات، ولا أعرف أحدًا من الروائيين سبقه إليها، فهي بدعة شكلية لطيفة من أوليّات سليم بركات، ونعمتِ البدعة تلك، وهي أولى رواياته، وقد نزع فيها إلى الرمز والكناية، على النقيض من نهجه في المصارحة والجلاء في سيرة الصبا، وكان جاهرَ مجاهرة بأسماء شخصيات حقيقية وأغضبهم كثيرًا، وفي الرمز وقاية وثراء فنيٌ أدبيٌ، ونعمتِ المعاريض في الأدب والقول.

أجزم أن رواية فقهاء الظلام تساوي راوية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب الصالح منزلة، وهي رواية كُتب عنها الكثير، وجعلت الطيب الصالح يلقب بلقب عبقري الرواية العربية، وهي مثل رواية "روبنسون كروز" من حيث القيمة والشرف والسيادة. كتب سليم بركات سيرة الصبا مازجًا بين الطريقة العربية في الخبر، والطريقة الأوربية في القص، أمّا فقهاء الظلام، فهي تنزع إلى البطء، وهذه محاولة لتلخيصها وتفسير بعض رموزها، فما سألت كرديًا قارئًا إلا وأبدى برمًا من صعوبتها، وقد حاول كثيرون قراءتها فضجروا منها لوعورتها، وهي أخفّ روايات بركات رموزًا، فالرموز ستزداد صلابة في الروايات التالية صدورًا.

لن يجد القارئ الذي يعرف سليم بركات وأسرته صعوبة في العثور على ظلال شخصيات روايته وأصولها.

يتزوج الملا بيناف، وهو ملّا تقي يحفظ القرآن، في العقد الخامس من صبية اسمها برينا مصاهرًا مهرب التبوغ عفدي ساري، فتنعقد بزواجه قرابة بين نقيضين هما أهل الله وأهل التبغ المهرّب الحرام، وقد يكون هذا سببًا في الوهن الأخلاقي الذي سيصيب شخوص الرواية بالجنون العميم.

تلد زوجته طفلًا يسميه أبوه بيكاس، معنى بيناف بلا اسم ومعنى بيكاس هو الوحيد، وهي كناية عن حال كرد الشمال، والأسرتان اللتان سكنتا سوريا نازحتان من بلاد فارس، هي قصة كرد التيه في ضيق المكان، ليس مثل اليهود في متاهتهم، وقد تسري القاعدة أيضًا على كرد الجنوب.

يشبُّ الطفل في ساعة، ما يشب أترابه في ثلاث سنين عددا، وما ينقضي يومه حتى يكون قد شاخ وهرم، في الساعة الثالثة من عمره يطلب الوليد وقد شبَّ، من أبيه الملا بيناف أن يزوّجه، لقد اشتهى النكاح قبل الطعام! من سيقبل تزويج شاب من ابنته، وُلد صباح اليوم ولم يُسجَّل بعد في طوامير السجل المدني، لن يقبل أحد بهذه المعجزة أو الكذبة سوى أخيه "مهمد"، فابنته المزكاة للنكاح بلهاء، فيقبل، فيتزوج العروسان الغريبان العجيبان؛ نكاح معجزة مع عاهة، في تكتم. زواج الأقارب شائع عند الكرد لسهولته وقلة غرامته المالية، لكنه فيه مغبّة، فهو يؤدي إلى الضوى والاستحباس.

يقرن الراوي في السرد بين أمرين، هما ولادة الطفل المعجزة، وقيام خال الوليد مجيدو ابن عفدي ساري بقتل خصم من خصوم التهريب في المقهى، هو بافي جواني، قتلًا مروعًا، ثم يقرر أن يكحّل جريمته بقتل سبعة من أخوة وأهل بافي جواني في بيتهم، حتى يدكّ أعماق الأسرة دكًا فلا يخطر لهم الانتقام، هذا ما يقوم به عادة زعماء المافيا، وهو نفس ما فعله مايكل كورليوني في قصة العرّاب، ولاحقًا خصم أسرة غورليوني في الجزء الثالث من العراب  في مجزرة الطائرة، وكذلك فعل حافظ الأسد في حماة، والسيسي في رابعة، وبشار الأسد في سوريا. عمّ مجيدو يكمل ما بدأه ابن أخيه، فيعمد إلى قتل الخصم المهرّب سطامو قتلًا مروعًا في قريته التي هرب إليها تربي سبي.

الوليد خارق النمو، هو قصاص الأقدار على مجزرة مروّعة، فالأقدار لها قصاصها الذي لا نراه، للعدل والظلم قانون مثل قانون مصونية الطاقة، يتحوّل الوليد المعجزة إلى شبح يداهم خاله مجيدو ويجعله ينتحر، قصاص الأقدار يتحول إلى وباء، فالشبح يخطف رشد العائلة فردًا فردًا.

ثمة غياب للتناسق والتكافؤ بين العائلتين المتصاهرتين، واضطرابًا بين خصائص الزمان وخصائص المكان. الوليد المعجزة يجادل والده في الساعة الرابعة من ولادته، ويسأله عن سبب تقلص الأرض المنحسرة في الدفتر، وتآكل المكان الكردي، ينتقل هذا الجدل ويصير حمّى تداهم الصهر المهرّب عفدي ساري، فينصب خيمة في باحة داره ويعتكف يها، وهو يجادل أشباحًا عن تقلص الأمكنة، للكردي مشكلة مع المكان والزمان، المكان يضيق والزمان يتقلص أو يتسارع، والكردي لا يحيط بالأمر ويقيس قياسا خاطئا فيضلُّ.

يحاول جهوَر أخو عفدي ساري فهم معضلة أخيه المعتكف، فلا يجد سبيلًا إلى فقهها، فتخطف الأشباح عقله هو الآخر، ليس من سبيل من فهم الجنون سوى بالاستسلام له، يقول باران حكمته في الخلاص: "الظلام رفاهية الكائن"، الأسرة بها عرق من الجنون، فعبد الصمد بن باران جدّ السفاح  مجيدو (ابن عفدي ساري وخال بيكاس) حبس نفسه في صندوق حتى فطس، خالهما سربست به لطمةٌ من الظلام الفقيه، الظلام الكاهن، انتهى به الأمر وسيارته البيكاب في الحدود التركية، قتل الشاب والده خنقًا بغبار الأسفار في القرى المتربة.

قد يجد القارئ أثرًا من الواقعية السحرية اللاتينية في بعض شخصيات الرواية، وقد تحولت إلى حمّى روائية في زمن صدور الرواية.

استعمل عفدي ساري معلمًا اشتراكيًا (يشبه المعلم في مسرحية غربة) كاتبًا يكتب له إحصاءات الصادر والوارد إبّان الحصاد، ولما علم أنَّ المعلم الشيوعي يسخر منهم ومن دينهم في رسائل يرسلها إلى جهة خفيّة، قطع أصابعه ودفنها في باحة الدار، ما تلبث الأصابع أن تنمو مثل نباتات الفطر وتتحول إلى ثمار تأكلها الدجاج بنهم، كلما قطفها نمت من جديد، فالدماء لا تشربها الأرض، والضحية تنادي بالثأر، وعقوبة المعلم لا تناسب جنايته. قانون مصونية العدالة الفيزيائي لا يحيد، وحكمه شديد القسوة.

يحاول جهوَر أخو عفدي (قاتل سطامو) المعتكف في الخيمة، سيد العائلة الجديد بعد أن انتحر مجيدو أو قُتل، أن يقوم بأمر العائلة، لكنه لا يجد تفسيرًا للبركة التي حلّتْ بأخيه، فيخسر عقله لحوقًا به، وينهال بالفأس ضربًا على شجرة الكينا في الحي، فتتحول إلى كهرمان صلد.

النبات نفسه بات عاجزًا عن فهم شخصية الكردي، شجرة الكينا انخبلت.

في هذه الآونة يكون حشمو صهر الملا بيناف وزوج أخته الطيب قد خرج من السجن بعد شهرين دوخ فيهما القضاة، وكان قد نصب فخًا لزوجته، من أفخاخ الذئاب، فأطبق عليها فماتت وهي تنزف، انتقامًا منها لسخريتها منه، فأُفرج عنه لبلاهته ونقص قواه العقلية، يتحول مع جهور إلى ثنائي يقومان ببناء الأسوار والسدود في الحي الغربي. لقد احلولكت المتاهة.

تنجب سينم البلهاء بيكاس الثاني، الذي يشبُّ في ساعة ما يشبُّ غيره في ثلاث سنين، سيكبر ويهرم ويتحول إلى شبح يغوي أهله بالموت، وتستمر فكاهة الظلام وتتعاظم.

 كروز صياد العصافير (ظل الراوي فيما نحسب)، يعقد صداقة مع زوجة أبيه التي تقوم بشؤون العائلة بعد عاصفة الظلام والتيه التي ضربت رجالها ونساءها، ويحضر لها مرآة، فيريان أهل الحارة بشرًا برؤوس كلاب.

ينهي سليم عمارة رواية محبوكة بإتقان، بمشهد شجرة الزيتون الوحيدة في باحة دار الملا بيناف وهي تنظر إلى بيكاس الأول والثاني، وهما يقودان حشدًا مضيئًا من الأشباح، ويتقدمان محاصرين المكان، "حتى إن البيوت التي تململت باحثة عن منفذ، عادت فهدأت، وهي ترى الزقاقات مسدودة على أتمها".

عندما كُتبت فقهاء الظلام كان بيكاس كردي قد أتمّ ظهوره في الجبال، وأعلن عن حزب يساري باسم حزب العمال، أعضاؤه فلاحون فقهاء ظلمة، وبات يغوي الشباب الكردي وينحرهم في الوديان والجبال، وأمسى له جيش بأشباح مضيئة، بعد أربعة عقود صار له كيان معترف به في الحي الغربي وما حوله، ويقيم الأسوار والسدود، وهي مسدودة على أتمها، أما شجرة الكهرمان المضيئة، فهي قبور الضحايا المضيئة التي توقد فيها الشموع!.

كلمات مفتاحية
الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين