فعل الكون

تاريخ النشر: 17.07.2021 | 19:22 دمشق

آخر تحديث: 17.07.2021 | 19:29 دمشق

يروي القاضي الكريم حسين حمادة في كتابه يوميات قاض سوري أمَّ حكاياته كلها، وهي أنه تزوج باكرًا في سن الخامسة عشرة، وكان في الصف الثامن، وأنَّ مدرسًا في المدرسة علم أنه متزوّج، فعقابه، فبدرت من العريس بادرة إباق لم تعجب المعلم الجنرال، فعاقبه عقوبة وهي رفعه فلقة، والفلقة فِي الصِّحَاحِ: الفَلَق مَقْطرةُ السَّجَّان. والفَلْقة: الْخَشَبَةُ، وَفِي رِجْلِهِ فُلُوق أَي شُقُوقٌ، قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: مِنْ القِسيّ الفِلْق، وَهِيَ الَّتِي شُقَّت خَشَبَتُهَا شَقَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا.

تمرّد حسين حمادة، وهجر المدرسة، وقدّم الشهادتين حرًا، المدرسة لأمثالنا نحن العبيد، ولذلك نجا من كثير من أمراضنا نحن الذين مزقنا سراويلنا على مقاعد الاستعباد. وكان الشاعر رامبو الذي صار تاجرًا للعبيد، يقول: من العبث تمزيق السراويل على مقاعد المدرسة. يقول القاضي في مذكراته جملة تمر سريعًا، وهي إنه مرضَ وصار قعيد الفراش ثلاث سنوات، فمرّضته زوجته، كأنها أمّ تحدبُ على طفلها.

كان لي زميل اسمه أحمد يجلس إلى جواري، متزوج، ويأتي كل صباح إلى المدرسة، نديّ الشعر حلو القسمات، وكان معلم اللغة الإنجليزية يغار منه بشدة، فقد بلغ الخامسة والثلاثين من غير أن يرى الدنيا سوى في صور مجلات الشبكة، وفوتو ريما، والصياد، ونمت على وجهه بثور وحبوب وأورام من وحشة الديار، كأنها ديار ميّة بالعلياء فالسند، وقد أقوت وطال عليها سالف الأمد. وكان معلمنا يفقد جأشه ويفضح شوقه للنساء إذا مرَّ بطالبة من طالباته، وهي في الزيّ العسكري، ويشعر أنه تعرض للغزو وأُخذ أسيرًا، فنشفق عليه وعلى أنفسنا، ثم يأتي زميلنا أحمد، فينظر الجميع إليه بحسد ظاهر، لم يكن في وجهه حبة شباب واحدة، كان وجهه مصقولًا كالفرند، يسأله معلم الإنجليزية عن اسمه، فيقول: ماي نيم أحمد بعد إسقاط فعل الكون، كان يؤدي فعل الكون في فراش الزوجية، أما نحن، فكنا نحسنُ أداء الجملة نحويًا، لكننا تأخرنا كثيرًا حتى عرفنا فعل الكون الذي من أجله خُلقنا.

ويروي القاضي في أثناء توّليه القضاء في عين العرب أنَّ كل الأقضية التي قضى فيها كانت بسبب خصومات على الأرض، ولم يكن من بينها نزاعات عرقية وقومية كما في أيامنا، وهي نزاعات على الأرض في النهاية، وأنَّ قريبًا له هرع إليه، وكان صاحب مقالع، وقد قصد المخفر ليشتكي من اعتداء لحقَ بمقالعه، فرفعه مدير المخفر فلقة قبل أن يسمع منه كلمة واحدة، فطلب منه القاضي أن يحمله في سيارته إلى مدير المخفر ليشتكيا منه إليه، فصاحَبه قريبه مترددًا يؤخر قدمًا ويقدّم أخرى بعد الفلقة التي نالها.

دخل القاضي والضحية المفلوق وسلّما عليه، وعرّفه القاضي بنفسه وعاتبه على عقوبة قريبه الذي وقف قريبًا من الباب خوفًا من فلقة ثانية، فقال مدير المخفر مبينًا حجّته في ضرب المذكور، إنه يزنُ المدّعي مهما كان شأنه بنظره، فإن راقت له هيئته، استمع إليه، وإن لم يرُقْ له شكله رفعه فلقة واستمع إلى شكايته! وأنه نظر إليه فوجده مُنطوَط الشكل، هذا يذكّر بنكتة سورية شهرية تقول: إنَّ الحكومة تقطع أذن كل مواطن له ثلاث آذان، فقيل له: لا تقلق لك أذنان، فقال: المشكلة أنهم يقطعون الأذن قبل العدّ.

 قال القاضي: فعجبت من هذا الميزان، ونظرت إلى قريبي المفلوق، فوجدته حقًا منطوط الشكل، أحسَّ المفلوق الذي كان يحجل على قدميه من أثر الفلقة أنَّ فلقة أخرى بانتظاره، ودار في خلده ما دار في خلد شارلي شابلن في فلم البحث عن الذهب، وصاحبه السمين الجائع ينظر إليه وقد تخيله نعامة شهية، فأطلق ساقيه للريح نجاةً من فلقة أخرى.

 في حلب، كان الحلبيون يتجنبون تأجير البيوت للعزاب، وفي كردستان يسمّون الأعزب زكرت، ويتجنبونه أيضًا كأنه شرٌّ مستطير. ويُروى عن القاضي إسحاق أنه قال: شتموني في ثمانين سطرًا، ولم تستفزني إلا عبارة يا أعزب.

تزوج معلم الإنجليزية في سنِّ الخامسة والثلاثين مثل بشار الأسد. وفي شهادة القاضي قصتان ظريفتان عنه، لكن الحواجز تكثر والأسوار ترتفع، والرغيف صار أمنية، والزواج حسرة، ويُخشى من الحكومات المعاصرة المناصرة للحروب العالمية أن تحرّم أفعال الكون بين الزوج وزوجته، وأن تسنَّ قوانين تحرّم إتيان الزوجة إلا بشاهدين وإذن من المختار.

 يقول الباحث علي فهيم خشيم في كتابه رحلة الكلمات: إنَّ فعل الكون اللاتيني "إيز" أُخذ من العربية، وهو الأيس، وقد أهمله العرب، فلم يبق منه سوى ليس، وليس هو لا أيس، وقد أُهملت الهمزة فصار: ليس، وحروف الأيس واليأس واحدة، والحكومات العربية تؤخر حرفًا وتقدّم حرفًا، فتقع الكوارث.