icon
التغطية الحية

فسخ عقد أم اغتيال ذاكرة؟.. سينما الكندي تعرض جدالات السوريين

2025.07.13 | 13:35 دمشق

آخر تحديث: 2025.07.13 | 14:27 دمشق

سينما الكندي
وقفة احتجاجية أمام سينما الكندي في دمشق
دمشق ـ لونا الراشد
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أصدرت وزارة الأوقاف السورية قرارًا بفسخ عقد سينما الكندي في دمشق لتحويلها إلى مركز ثقافي، مما أثار جدلاً بين مؤيد ومعارض، حيث تُعتبر السينما جزءًا من الذاكرة الثقافية السورية.
- نظمت وقفة احتجاجية بقيادة الصحفية ميار مهنا ضد القرار، واعتبر المحامي حسين الراشد القرار مخالفًا للقانون السوري، مما يثير تساؤلات حول قانونيته.
- أعرب جهاد عبده، مدير المؤسسة العامة للسينما، عن دهشته من القرار وأكد دعم وزير الثقافة للإبقاء على السينما، مع خطط لتعزيز الإنتاج السينمائي وزيادة دور السينما.

يقول إنغمار بيرغمان المخرج السويدي إن "السينما حلم يمكنك الإمساك به"، اليوم السينمائيون السوريون ومحبو السينما متخوفون من أن الحلم أصبح بعيد المنال، وأن سحر شاشة السينما يمكن أن ينطفئ في قلب دمشق، المدينة التي لطالما احتضنت الفن وأهله.

أصدرت وزارة الأوقاف يوم الخميس الفائت 10 من تموز قرارا بفسخ عقد سينما الكندي وببدل 30 دولار سنويا لمساحة تتجاوز 700 متر مربع، بحجة إعادة تأهيل العقار ليكون "مركزاً ثقافياً يشع منه نور العلم والمعرفة على شباب سوريا" بحسب ما ورد في القرار، وأعطت أصحاب العقار من عائلة الخيمي مهلة 7 أيام لإخلاء العقار وتسليمه للوزراة.

أثار القرار جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد للقرار ومعارض له، من دون صدور أي تعليقات أو توضيحات من جهات رسمية سواء وزارة الثقافة أو الأوقاف.

سينما الكندي فضاء ثقافي من ستينيات القرن الماضي

تعد سينما الكندي من آخر صالات السينما المفعلة في العاصمة دمشق، حيث تراجع عدد صالات السينما في السنوات الأخيرة من 30 صالة إلى 7-8 صالات فقط مؤهلة وجاهزة للعرض، على الرغم من كون دمشق في ستينيات القرن الماضي تعج بصالات السينما حيث تجاوز عدد صالات السينما 130، وبدأ العدد بالتراجع مع وصول حكم البعث إلى السلطة وحصر استيراد الأفلام عن طريق المؤسسة العامة للسينما فقط ما دفع العديد من الصالات للإغلاق.

والجدير بالذكر أن سينما الكندي هي أقدم من عهد البعث بذاته، حيث تأسست بعد تحويل مالك الأرض التاجر اللبناني روبير الصباغ الملهى الليلي لمسرح وسينما باسم أدونيس، لتسمى بعد ذلك بسينما بلقيس والتي كانت تعرض أسبوعياً فيلمين أميركيا وفرنسيا بسعر تذكرة الفيلم الواحد، وصولاً لسبعينيات القرن الماضي إذ استأجرت المؤسسة العامة للسينما العقار وأطلقت عليه سينما الكندي التي نعرفها اليوم، واستمرت بتقديم عروض الأفلام وتخصيص جزءاً من العروض للأطفال وكذلك للافلام التاريخية والوثائقية، وفي الثمانينيات استملكت وزارة الأوقاف العقار وبقي عقد الإيجار مستمراً.

"سينماتك" سينما الكندي

الأمر لا يقتصر على كون سينما الكندي هي صالة لعرض الأفلام، فالبناء يحوي مشروع "سينماتك" وهو مشروع أرشفة وحفظ الأفلام الكلاسيكية والنادرة والتي تحوي قيمة فنية عالية، لتعرض فيما بعد ضمن فعاليات أو في عروض خاصة للجمهور المهتم بالسينما، والسينماتك مشروع عالمي تقوم به معطم المؤسسات والمنظمات التي تعنى في السينما حول العالم، والتي تشجع المهتمين بالسينما للدراسة والبحث العلمي في مجال السينما، فهل هناك سينماتك آخر في سوريا في حال أغلقت سينما الكندي؟

وفرت سينما الكندي على مدى عقود فرصة أمام الشباب السوري لمشاهدة الأفلام بأجور رمزية، حتى في سنوات الحرب حيث تحولت لفضاء جمع العديد من نوادي السينما وكذلك الحصص والدروس لدراسة السينما، واحتضنت ندوات واجتماعات ثقافية للشباب السوري وأعطته مساحة حرة وآمنة للتعبير عن تطلعاته فيما يخص السينما السورية وما يخص واقع بلاده الثقافي بشكل عام، وذكرت الصحفية وصانعة الأفلام ميرما الورع عبر صفحتها على فيس بوك "بأنها ورواد هذا المكان استطعنا تطويع هذا الفراغ الحكومي رغم كل التعقيدات والمحددات ليناسب ما نحن نريد".

وقفة احتجاجية في دمشق رفضاً للقرار

أثار قرار فسخ العقد وإخلاء سينما الكندي جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي مما دفع العديد من الشبان والشابات من محبي السينما للمشاركة في وقفة احتجاجية دعت إليها الصحفيّة ميار مهنا وهي طالبة بالمعهد العالي للفنون السينمائية، وتحدثت ميار لموقع تلفزيون سوريا أن قرار الإغلاق يعتبر طياً لصفحة على قدر كبير من الأهمية من الذاكرة السينمائية والثقافية السورية، وأضافت "كوني طالبة في المعهد على وشك التخرج فأنا بحاجة لصالات عرض لأقوم أنا وزملائي بعرض أفلامنا فيها وليس العكس من خلال تحديد وإغلاق مزيداً من الصالات، أنا صانعة أفلام سورية وجمهوري الأول سوري وأرغب بعرض أفلامي أمام هذا الجمهور"، واعتبرت "مهنا" أن مثل هكذا قرار "يعدّ استمراراً لممارسات النظام البائد بتقويض الحركات الفنية والثقافية في البلاد وسيغلق الأبواب أمام الفنانين السوريين ودفعهم لعرض أفلامهم في بلدان مجاورة وبالمقابل لا يمكن عرض فلمه في بلده"، على حد قولها.

سينما الكندي

وأكدت "مهنا" على ضرورة تفعيل الصالات المغلقة وليس العكس، واعتبرت سينما الكندي الفضاء الثقافي الذي شكل بذرة الوعي السينمائي لدى أجيال من الشباب السوري.

في حين عبر آخرون على صفحاتهم الشخصية عن استياءهم من عبارة "مركزاً ثقافياً يشع منه نور العلم والمعرفة"، لينشر الصحفي عمار المأمون منشوراً يطرح فيه سؤالاً "أليست السينما أيضاً تشع نوراً وألوانا وأجسادا متحركة؟"، وفي منشور آخر حث الشباب السوري المحب للسينما على الحديث وعدم الصمت عن تلك القرارات، وإلا ستتحول الوقفات الاحتجاجية لوقفات عزاء للسينما، وفق المنشورات التي قمنا برصدها.

بالمقابل كان هناك العديد من التعليقات المؤيدة لقرار وزارة الأوقاف بوصفه حق الدولة ويجب استرداده وأن المقابل 30  دولارا أميركي سنوياً يعتبر استغلالا للموارد العامة، والجدير بالذكر أن المؤسسة العامة للسينما والتي تتبع لها سينما الكندي هي جهة حكومية أيضاً، ما يجعله عقدا بمبلغ رمزي بين جهتين حكوميتين،  كما أن سينما الكندي في أساسها لم تدر على أساس ربحي بل كانت مشروعاً بعيداً عن منطق  الاستثمار الربحي، فكانت على مدى سنوات تقدم العروض بقيمة شبه مجانية سعياً وراء زيادة جمهور السينما في سوريا، بحيث لا تكون حكراً على طبقة معينة تستطيع دفع تذاكر بقيمة مرتفعة.

واعتبر بعضهم أن دور السينما في سوريا حالياً أصبحت مركزاً للانحطاط الأخلاقي والأفعال المخالفة الآداب العامة، وطالت التعليقات السلبية المشاركين في الاحتجاج معتبرة أنهم منفصلون عن الواقع، وأن الشارع اليوم بحاجة لما هو أهم من السينما.

ما وجهة نظر القانون في قرار وزارة الإفتاء السورية؟

تحدث المحامي حسين الراشد لموقع تلفزيون سوريا بأن نص القرار بحد ذاته مخالفاً للقانون السوري، إذ لا يمكن للمؤجر إنهاء العلاقة الإيجارية من طرف واحد، وتقتصر صلاحية وزارة الأوقاف على مخاطبة وزارة الثقافة أو المؤسسة العامة للسينما وإبلاغها برغبتها لاسترداد العقار، وأن إنذار الإخلاء يتم بعد تحريك دعوة قضائية ويصدر الإنذار عن طريق المحكمة لا الوزارة، أي أن القرار يجب أن يفصل فيه القضاء فقط، وبهذا القرار تكون وزارة الأوقاف تعدّت على صلاحيات السلطة القضائية، وأضاف الراشد أن مثل هذه الدعاوى تأخذ وقتاً طويلاً قبل إصدار حكم سواء بالإخلاء أو غيره قد تصل المدة لسنوات، وبهذا فإن المدة المعطاة في القرار 7 أيام لا تتجاوز كونها حبر على ورق، "إلا في حال استخدمت الوزراة سلطة فوق سلطة القانون فكل شيء وارد".

من الجدير الإشارة إلى أن وزارة الأوقاف كانت قد أنهت في وقت سابق عقود إيجار ضمن موقع التكية السليمانية، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة، خلال عمليات ترميم نفذتها الجهات الرسمية في عهد النظام المخلوع. هذا الإجراء يعيد إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الحكومة الحالية تسير على خطى السياسات السابقة التي اتُبعت في ظل النظام الذي أُطيح به.

بيان من المؤسسة العامة للسينما

بعد يومين من الصمت، من قبل المؤسسة العامة للسينما ووزارة الثقافة والجهات المعنية بإصدار القرار، أصدر مدير المؤسسة العامة للسينما الفنان جهاد عبده يوم السبت بياناً على حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي أوضح فيه؛ أنه تلقى قرار وزارة الأوقاف المنشور على السوشيال ميديا ببالغ الدهشة والاستغراب، مشيرا إلى أنه يسعى بشكل شخصي لفهم حيثيات القرار والتواصل مع وزارة الأوقاف للتحقق من صحة ما ورد فيه، وخاصة أن وزارة الثقافة لم تُذكر في نص القرار، ولم يتم إخطار المؤسسة العامة للسينما بذلك، وأشار عبده عبر البيان إلى أنه اجتمع مع وزير الثقافة محمد ياسين صالح مؤكدا أن الوزير أبدى دعما وتعاونا شديدا للإبقاء على سينما الكندي، وأكد عبده أن خطته والرؤية الجديدة المتعلقة بالسينما لم يطرأ عليها أي تعديل وجدد وعوده بأن الخطة تسعى لإنشاء مزيد من دور السينما ومزيد من الإنتاج السينمائي، كماً ونوعاً، لا العكس، وختم البيان بأنه سيوافي جمهور السينما والفنانين بنتائج الموضوع والتطورات فور ورودها، وأنه يأمل بإيجاد حل سريع يليق بتاريخ هذه الصالة ومكانتها في ذاكرة أجيال من السوريين.