icon
التغطية الحية

فرّت من الفقر إلى الحديد.. عائلة تسكن عربة قطار مهجورة في درعا |صور

2025.10.21 | 05:09 دمشق

آخر تحديث: 21.10.2025 | 05:15 دمشق

عائلة تسكن عربة قطار مهجورة في درعا (خاص ـ تلفزيون سوريا)
عائلة تسكن عربة قطار مهجورة في درعا (خاص ـ تلفزيون سوريا)
درعا ـ يوسف المصلح
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يعيش محمد العويمر وأطفاله في عربة قطار مهجورة بمحطة "قطار الحجاز" في درعا، حيث يفتقرون إلى الكهرباء والماء، مما يعكس معاناة العائلات بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.
- يواجه العويمر مخاطر صحية وبيئية، ويعتمد على المنازل المجاورة للماء، ويستخدم بطارية صغيرة للإنارة، بينما تزيد البطالة من معاناته في تأمين احتياجات أسرته.
- تتفاقم أزمة السكن في درعا بسبب الدمار وارتفاع الإيجارات، ويطالب الأهالي بمشاريع إسكان عاجلة أو قروض ميسّرة، مع الحاجة لتدخل سريع من الجهات المعنية.

بين صفائح الحديد التي غزاها الصدأ وفي منطقة موحشة، يستيقظ محمد كل يومٍ يفكّر لدقائق بطريقة خلاصٍ من مأواه المعدني الذي دفعه الفقر إليه، لينطلق مبكراً نحو رحلة البحث عن عمل ولقمة عيش لأطفاله. 

يعيش محمد العويمر - وهو من حي مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين - مع أطفاله منذ أربعة شهور، في عربة قطار مهجورة في محطة "قطار الحجاز" بمدينة درعا، بسبب الفقر الشديد الذي أجبرهم على ترك المنزل الذي سكنوه، قبل أن يعجز رب الأسر عن تسديد إيجاره، وتأمين الاحتياجات اللازمة. 

وحولت العائلة العربة القديمة إلى مأوى بسيط، رغم أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة من كهرباء وماء، في مشهد يعكس معاناة الكثير من العائلات التي أثقلها الفقر والظروف الاقتصادية الصعبة التي خلفتها سياسات النظام المخلوع قبل سقوطه.

مكان يهدد الحياة

يقول العويمر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "أسكن مع أطفالي الثلاثة داخل عربة حديدية، في سكة القطار لا تقي حر الصيف، ولا برد الشتاء، وسط مخاطر عديدة على الصحة وحياة أطفالي التي تتراوح أعمارهم بين 11 و7 أعوام".

وأضاف: "خلال أيام الصيف وخاصة في فترة الظهيرة، ترتفع درجة الحرارة داخل العربة بشكل لا يطاق، ونضطر إلى الخروج منها والجلوس بين المقطورات لتخفيف شدة الحرارة، أما في المساء فالوضع لا يقل سوءاً نتيجة الانتشار الكبير للحشرات". 

ويتخوف "العويمر" وأبناؤه من قدوم فصل الشتاء، خشية تسرب مياه الأمطار إلى العربة، وانخفاض درجات الحرارة بشكل حاد، ما يزيد معاناتهم اليومية ويجعل البقاء داخل هذا المأوى شبه مستحيل، ولكن على الرغم من ذلك، أوضح أنهم سيستعدون لمواجهته، ويجمعون الأخشاب لتأمين الدفء.

ومن المخاطر التي تواجه العائلة، يُشير محدثنا إلى أن منطقة سكنهم، تنتشر فيها الأفاعي والعقارب السامة بشكل كبير، ما يمثل تهديداً مباشراً لسلامتهم، كما أن المكان يعد مقصداً للمجرمين والمدمنين، كونه مظلماً وخاوياً، ما يجبره في الكثير من الأحيان على السهر ليلاً لحماية أطفاله. 

العربة بلا ماء ولا كهرباء

تفتقر العربة الحديدية إلى وجود مصدر مياه دائم، وتعتمد العائلة بشكل شبه كامل على المنازل المجاورة للحصول على كمية تكفي احتياجاتها الأساسية من الشرب والطهي والغسيل، ما يزيد من أعباء الحياة اليومية، ويجبر أفراد الأسرة على التنقل بشكل متكرر لجلب المياه، وهو ما يستهلك وقتهم وجهدهم.

أما بالنسبة للكهرباء، فلا يوجد أي توصيلات كهربائية، وتعتمد الإنارة على بطارية صغيرة، وبعض مصابيح الليد، يتم شحنها عند الجيران، وفي بعض الأحيان يضطرون إلى الاعتماد على ضوء الهاتف الخلفي "الفلاش"، الأمر الذي يحد من إمكانية الأطفال على ممارسة الأنشطة مثل الدراسة أو مشاهدة التلفاز.

كما أنه لا توجد أي تمديدات أو مرافق داخل العربة، وتم تخصيص مكان بعيد لقضاء الحاجة، ما يفرض على أفراد العائلة التنقل لمسافة ليست بالقصيرة في كل مرة، ما يزيد من إحساسهم بعدم الراحة. 

البطالة تُعمق المعاناة 

بعد أن خسر "العويمر" وظيفته، حالت ظروفه المادية من إمكانية دفع إيجار منزله الذي لجأ إليه بعد أن قُصف منزله في حي مخيم درعا. 

وأوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنه بدأ بالتنقل بين منازل أقاربه، وأقام فترة هنا وأخرى هناك، في محاولة للعثور على مكان يوفر له ولعائلته بعض الاستقرار، إلا أن تكرار التنقل وشعوره الدائم بعدم الأمان دفعه إلى البحث عن بديل أكثر استقراراً واستقلالاً، فاختار الإقامة في عربات القطار القديمة، بعيداً عن الاستغلال ونظرات المجتمع، وذلك على حد تعبيره.

ويعتبر أن صعوبة الحصول على عمل في الوقت الحالي تعد من أبرز العوامل التي تفاقم معاناته اليومية، مشيراً إلى أن غياب فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة جعلت من تأمين أبسط الاحتياجات أمراً بالغ الصعوبة.

ومن أبرز العوائق التي يواجهها خلال بحثه عن العمل، هي مسؤوليته في رعاية أطفاله بعد غياب من يعينهم، الأمر الذي يجعله يعيش في دوامة من القلق والعجز بين حاجته لتأمين مصدر دخل يؤمن جميع احتياجات أسرته، وواجبه تجاه حمايتهم.

أزمة سكن 

يقول الناشط الإعلامي أيهم السعيد لموقع تلفزيون سوريا، إن نحو 80 في المئة من حي مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين، تعرض للدمار نتيجة القصف الممنهج الذي تعرض له في زمن النظام المخلوع، وأدت عودة المهجرين من الشمال السوري ودول الجوار، إلى أزمة سكن كبيرة في الحي.

وأضاف السعيد أن الحي يعاني بنية تحتية مدمرة، إذ ما تزال شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، والمرافق العامة خارج الخدمة في أجزاء واسعة منه، وكذلك المنازل والأبنية السكنية، الأمر الذي يزيد من معاناة الأهالي ويجبرهم على السكن بين الركام.

ففي مدرسة "كفر كنا" المدمرة، يعيش شاب مع عائلته المكونة من ثلاثة أفراد، داخل غرفة صفية، تغيب عنها النوافذ وتغطيها قطع من النايلون فقط، حاله كحال العديد من العائلات التي تعيش على أنقاض منازلها بعد أن رممت أجزاء بسيطة منها وبإمكانيات محدودة، وذلك بحسب السعيد.

ويطالب الأهالي بضرورة إطلاق مشاريع إسكان عاجلة، أو تقديم قروض ميسّرة لإعادة الترميم، بهدف تمكين العائلات من العودة إلى بيوتها وإنهاء معاناة النزوح المستمرة منذ سنوات، كما دعوا المنظمات الإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل السريع لتأمين مساكن بديلة ومؤقتة.

ارتفاع الإيجارات يفاقم أزمة السكن

يتراوح سعر إيجار الشقق السكنية في مدينة درعا بين مليوني ليرة سورية و4 ملايين ليرة شهرياً، ويختلف هذا السعر تبعاً لعدة عوامل، منها مساحة الشقة، وجودة التشطيب، والطابق الذي تقع فيه، إضافة إلى موقعها وقربها من المرافق الخدمية والأسواق.

وفي السياق، أوضح سالم المفعلاني ـ مالك مكتب لتجارة العقارات ـ أن مدينة درعا تعاني أزمة كبيرة في السكن، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الإيجارات أسهم في زيادة معاناة الأسر التي تبحث عن سكن في المدينة، حيث أصبح من الصعب العثور على سكن مناسب بسعر معقول.

وبين أن أصحاب المشاريع التجارية وموظفي المنظمات، ومن يتلقون حوالات من ذويهم في الخارج هم الفئة التي تستطيع الإيجار في مركز المدينة، في حين أن أصحاب الدخل المحدود يضطرون للبحث في مناطق أبعد عن المدينة وغالباً ما تكون الشقق صغيرة المساحة أو غير مهيأة للسكن بشكل جيد، وفي بعض الحالات تعيش عائلتان في شقة واحدة بهدف تقاسم الإيجار.

وأرجع المفعلاني أسباب الأزمة إلى قلة عدد الشقق القابلة للسكن نتيجة الدمار الذي وقع خلال سنوات الحرب، وعودة أعداد كبيرة من اللاجئين بعد التحرير، وعدم وجود مشاريع سكنية جديدة في المحافظة، بسبب صعوبة الترخيص، وارتفاع أسعار مواد البناء.

وتعكس أزمة السكن في درعا عمق التحديات المعيشية التي تواجه سكان المحافظة، في ظل جملة من العقبات وضعف القدرة الشرائية. وبينما تتفاقم الأوضاع يوماً بعد آخر، يجد كثير من الأهالي أنفسهم أمام واقع قاسٍ يدفعهم للبحث عن حلول بديلة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

في حين تبقى الحاجة ملحّة لتدخل سريع من الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية لإيجاد حلول واقعية تخفف من معاناة الأهالي، سواء عبر دعم مشاريع إعادة الإعمار أو توفير مساكن مؤقتة، بما يضمن حقهم في السكن الآمن والحياة الكريمة.

وما زال يتطلع العويمر مثل آلاف من السوريين إلى توفير فرص عمل كريمة تتوازى مع دعم حكومي يؤمّن الاحتياجات الرئيسية للعائلات السورية أبرزها المسكن والعمل، على حدّ قوله.